منتخب محاربي الصحراء: شجرة وارفة لإخفاء غابة الفشل

الأحد 2015/03/29
المنتخب الجزائري حقق مردودا لا يستهان به في السنوات الأخيرة

الجزائر - فشلت سياسة الاتحاد الجزائري لكرة القدم في حلحلة أزمة الكرة الجزائرية، وفي بناء دوري يدعم المنتخب الأول ولو بلاعب أو لاعبين لحفظ ماء الكرة المحلية. رغم النجاحات التي حققها منتخب محاربي الصحراء في الفترة الأخيرة.

رغم الاستفاقة النسبية التي حققها منتخب محاربي الصحراء في السنوات الأخيرة، بالتأهل المتوالي لنهائيات كأس العالم في جنوب أفريقيا والبرازيل وكأس أفريقيا في أنغولا وجنوب أفريقيا وغينيا الاستوائية، إلا أن الملاحظين يعتبرون أن النجاح الذي يحققه المنتخب يقابله فشل مستشر في الكرة المحلية، وعلى رأسها بطولة الدوري في قسميه الأول والثاني، وحتى في المستويات الدنيا والمحلية. مع الانتقادات المتصاعدة لمشروع الاحتراف الذي أعده اتحاد الكرة المحلي، والفشل المستمر في النهوض من انتكاسة الكرة على الصعيد المحلي، شكلت دعوة رابطة الدوري الجزائري لكرة القدم، لرؤساء الأندية والمدربين واللاعبين من أجل “التعقل والتحلي بالحكمة في تصريحاتهم المتعلقة بمواقف الصراع وسوء التفاهم”، رسالة واضحة دالة على حالة الانحدار نحو المستنقع، في ظل الأحاديث عن الدور المريب الذي باتت الكواليس والأموال تلعبه لتحديد راهن ومستقبل بعض الأندية، وعجز الهيئات الكروية المسيرة عن فرض القانون ومعاقبة الجناة، والحد من تفشي ظاهرة العنف في الملاعب بسبب تلك الممارسات.

وإذا حثت رابطة الكرة مسؤولي النوادي والمدربين على الامتثال للروح الرياضية، وعدم توجيه الاتهامات المجانية الاندفاعية حول الفساد والتلاعب بنتائج المباريات، فإن الرجل الأول في بيت الاتحاد الكروي محمد روراوة، فضلا عن نجاحه في تكوين منتخب جزائري تنافسي، أفرزه قانون التجنيس (الباهاماس) ومدارس التكوين الفرنسية والأوروبية، فإن سياسته فشلت في حلحلة أزمة الكرة الجزائرية، وفي بناء دوري يدعم المنتخب الأول ولو بلاعب أو لاعبين لحفظ ماء الكرة المحلية.

موعد انتهاء فترة الانتدابات الشتوية، كان فرصة لرابطة كرة القدم لتميط اللثام عن الكثير من الحقائق الصادمة حول الواقع الكروي في الجزائر، سيما في ما يتعلق بالموازانات التي تستهلكها بعض النوادي والأجور الخيالية لبعض اللاعبين

وكانت الرابطة المحلية قد قالت في بيان لها إنه “في هذه المرحلة الحساسة من الموسم الكروي تمت ملاحظة بعض السلوكيات غير اللائقة وتجاوزات من مختلف الأشكال فوق الميدان وخارجه، وأن هذه المظاهر التي عادة ما تحدث خلال ذات الفترة، وتحديدا إبان الجولات الهامة لتفادي الهبوط للدرجة الثانية أو التنافس على اللقب”. وأعربت الرابطة عن “أسفها من تضاعف ردود الأفعال غير المتناسبة من قبل مسؤولي الأندية، على مرأى ومسمع الجمهور العريض بالملاعب وعبر وسائل الإعلام، حيث شكلت هذه الردود تصرفات مؤسفة”. مهددة بإحالة أي ملف اتهام غير مؤسس بأدلة إلى القضاء وكذلك أصحاب هذه الادعاءات الباطلة.

وكان موعد انتهاء فترة الانتدابات الشتوية، فرصة لرابطة كرة القدم لتميط اللثام عن الكثير من الحقائق الصادمة حول الواقع الكروي في الجزائر، سيما في ما يتعلق بالموازانات التي تستهلكها بعض النوادي والأجور الخيالية لبعض اللاعبين، وقالت حينها على موقعها على شبكة الإنترنت إن “أجور اللاعبين لا تقل عن أربعة آلاف أرورو شهريا، في حين يتقاضى البعض ما يفوق 200 ألف أورو، دون أي ضريبة تطبق عليهم”. الأمر الذي يضع مداخيل لاعبي الدوري الجزائري أحسن بكثير من بعض الدوريات بما فيها الأوروبية بالنظر للضرائب التي يدفعها اللاعبون هناك. وكشفت الرابطة عن وجود 14 لاعبا، يحصلون على أجور شهرية تتجاوز 200 ألف أورو شهريا، ما يعني أنهم يكلفون الخزينة ما يفوق 330 ألف أورو كل سنة، وأن 83 لاعبا يحصلون على رواتب تتراوح ما بين 120 و190 ألف أورو شهريا، في حين يحصل 59 لاعبا على أجور لا تتعدى أربعة آلاف أورو، و33 لاعبا يحصلون على أجور تتراوح ما بين أربعة آلاف وستة آلاف أورو، ويحصل 48 لاعبا على ما بين ستة آلاف وعشرة آلاف أورو.

ويعتبر مختصون أن هذه الرواتب الضخمة التي تمكنت الرابطة من الاستعلام حولها، بما أن هناك ما يتم تحت الطاولة وبعيدا عن العيون، “واحدة من الأسباب التي تهدد مستقبل الأندية المحترفة”، وهو ما دفع بنائب رئيس الرابطة الوطنية المحترفة فوزي غليل، إلى تقديم النصح لأعضاء الجمعية العامة بضرورة مراجعة سياستهم في هذا المجال. ورغم أن اجماعا تم خلال بداية الموسم الحالي بين مسؤولي النوادي والاتحاد والرابطة، لتسقيف الأجور في حدود 120 ألف أورو شهريا كحد أقصى يمكن للاعب أن يتقاضاه في الدوري المحلي، إلا أن مشروع الإجماع الذي كان من المقرر أن يدخل حيز التطبيق الصائفة الماضية، ذهب أدراج الرياح لأن رؤساء الأندية لم يلتزموا بذلك.

وأظهرت الإحصائيات التي نشرتها الرابطة أن نسبة مشاركة اللاعب الأجنبي في مسابقة الدوري تصل إلى 43 بالمئة بما يعادل 39 دقيقة لكل مباراة. ما يؤكد جدية التساؤل حول جدوى استقدام اللاعبين الأجانب (أغلبيتهم من أفريقيا وجزائريون مغتربون في أوروبا) رغم الأموال الكبيرة التي تصرف عليهم من قبل الأندية. وأشارت الرابطة إلى أنها عالجت 32 طلب منح إجازة للاعبين الأجانب للموسم الكروي 2014-2015 بزيادة 13 إجازة عن الموسم المنقضي، كما سجلت 33 إجازة للاعبين جزائريين قدموا من الخارج بزيادة 15 لاعبا عن موسم 2013-2014 رغم أنهم لم يلعبوا إلا ما معدله 36 دقيقة في كل مباراة.

النجاح الذي يحققه المنتخب الجزائري يقابله فشل مستشر في الكرة المحلية

فشل ذريع

صرح رئيس الرابطة محفوظ قرباج في هذا الشأن قائلا “هذه الوضعية تجسد الفشل الذريع في مجال استقدام اللاعبين الأجانب من طرف الأندية الجزائرية، حيث كان رؤساؤها وراء قرار رفع إجازات الأجانب إلى ثلاثة، حيث حظي طلبهم بالقبول، دون أن يستغلوا هذه الهدية بنجاح”. وتأسف قرباج لما أسماه “التسيير العشوائي لملف اللاعبين الأجانب من طرف مسؤولي أندية النخبة “. وقال “إنه فشل ذريع على طول الخط، فعدد اللاعبين المسرحين بعد أشهر قليلة من قدومهم يجعلنا نطرح تساؤلات حول المعايير التي حددها مسيرو ومدربو الأندية لاستقدامهم”.

وتابع “قلائل هم اللاعبون الذين تألقوا في البطولة الجزائرية، لا لشيء إلاّ لأن مستواهم ضعيف، كما أن العصافير النادرة الممتازة للقارة الأفريقية يتم اصطيادها مبكرا من طرف الأندية الأوروبية، وهو ما يفسر المستوى الضعيف للاعبين الأفارقة الذين ينشطون بالجزائر”. وأمام هذه الوضعية التي تكلف الأندية الجزائرية غاليا، كونها مرغمة على دفع مبالغ باهظة لفسخ عقود لاعبيها المعنيين، ناشد قرباج المسيرين بالاستثمار في العناصر المتخرجة من الأصناف الشابة. وقال “عوض دفع أموال طائلة دون طائل، كان الأجدر بالأندية وضع ثقتها في المواهب الصاعدة.. شخصيا، أتأسف كثيرا لما أرى لاعبي المنتخب الأولمبي لا يحظون باهتمام مدربي أنديتهم، رغم أنهم أحسن بكثير من اللاعبين الأجانب الذين يأتون من كل حدب وصوب”.

وجه الناطق الرسمي لنادي جميعة الشلف، عبدالكريم مدوار انتقادات لاذعة إلى السلطات والمسؤولين في الرياضة الجزائرية، متهما إياهم بعرقلة نجاح مشروع الاحتراف في الجزائر، كما أكد أن رؤساء الأندية أمام رهان صعب من أجل إنقاذ فرقهم من الزوال، بسبب غياب الموارد المادية، ووجود قوانين تكبل حصول الفرق على الأموال. وأوضح مدوار في تصريح لـ”العرب”، أن “مشكل الكرة الجزائرية هو مشكل تسيير وليس مشكلا ماديا، وأن الدولة خصصت أموالا ضخمة للأندية في سبيل إنجاح الاحتراف، وتطوير التكوين، غير أن هذه الأموال لم يتم توجيهها إلى مكانها الصحيح”. ويرى مدوار أن وزارة الرياضة “تتسم بالبيروقراطية التي تزيد من مشاكل الكرة الوطنية، وأن الوزارة لا تتكون من شخص محمد تهمي، الذي يسعى جاهدا من أجل إيجاد حلول للأندية، بل هناك مسؤولون يعرقلون تطور البطولة والكرة المحلية”. وأضاف “أريد أن أتحدث عن الحقيقة، ولو أرادوا أخذي إلى السجن فسأذهب، الكرة الجزائرية ماتت، ورؤساء الأندية يصارعون ويدفعون ضريبة القوانين الخاطئة”.

وشدد على أن لاعبي البطولة الوطنية لا يستحقون الأموال الضخمة التي تصرف عليهم، ولا يوجد أي لاعب في الدوري يستحق عشرة آلاف أورو شهريا، فما بالك بأجور تجاوزت 200 ألف أورو. واتهم مدوار ثلاثة رؤساء يعملون على إلهاب سوق التحويلات كل صائفة، مستفيدين من الأموال الضخمة التي توضع تحت تصرفهم، وقال “هناك ثلاثة أندية وراء ارتفاع أجور اللاعبين، نحن كنا مع تسقيف الأجور، لكن بعض الفرق لا تحترم ذلك، وتريد فرض الأسعار في السوق وبقية الأندية تجد نفسها مجبرة على رفع أجور لاعبيها”.

المختصون يعتبرون أن هذه الرواتب الضخمة التي تمكنت الرابطة من الاستعلام حولها، بما أن هناك ما يتم تحت الطاولة وبعيدا عن العيون، واحدة من الأسباب التي تهدد مستقبل الأندية المحترفة

وأكد في تصريحه لـ”العرب”، أن وضع الأندية الجزائرية بلغ حدا لا يطاق، وبات من المستحيل مواصلة الأمور على وضعها الراهن، مستشهدا بقرار رئيس الرابطة المحترفة محفوظ قرباج بالاستقالة من منصبه، وأن هناك عراقيل كبيرة وأرضية صعبة لتطبيق لوائح الاحتراف وهو ما جعل الاحتراف في الجزائر ينطلق خاطئا وأن الفرق تدفع ثمن من وضع القوانين في البداية. واعتبر أن جميع الأندية الجزائرية تعيش حاليا خارج إطار القانون، ولو طبق القانون فإن مكان جميع رؤساء الفرق هو السجن، موضحا أن الدولة وضعتهم في مأزق حقيقي بسبب قانون الشركات الرياضية الذي يطبق عليهم، دون أن يكون لهم إنتاج أو بضاعة. مضيفا بأن التمويل عندنا يقوم على ضوء العلاقات الشخصية والمحاباة، فهناك أندية تستفيد من عقود هامة، وأخرى تعاني من غياب الأموال كليا.

اتحاد غني وأندية فقيرة

أوضح رئيس منتدى رؤساء الأندية المحترفة عبدالقادر يحلى، أن الأندية قررت بعث المنتدى من أجل الدفاع عن حقوقها، ومواجهة خطر الزوال الذي يهدد جل الأندية في عهد تطبيق الاحتراف، مستغربا من حالة الرخاء والفائض المالي الكبير للاتحاد الوطني لكرة القدم، مقابل الأزمات المالية التي تتخبط فيها الأندية المحلية. وأكد يحلى في تصريح لـ”العرب”، أن “المنتدى هدفه ضمان مشاركة الأندية في الاجتماعات التي يعقدها المسؤولون بخصوص مستقبل الاحتراف والبطولة الوطنية، وضمان إسماع صوت الفرق، عند أصحاب القرار، وذلك بعد التهميش الكبير لهم في الفترة الماضية”.

ووصف الأرقام التي وردت في التقريرين المالي والأدبي للاتحاد المعلن عنه مؤخرا، بـ”التناقض الكبير”، وتساءل “كيف تجد اتحادا غنيا، وفي المقابل جل الأندية فقيرة وتعاني من أزمات تقودها إلى الزوال؟”. وشدد على أن الأندية ستناضل من أجل إنشاء قانون خاص يتم بموجبه تحويل الوضعية القانونية للنوادي من شركات رياضية تجارية ذات أسهم إلى شركات رياضية، لضمان الاستفادة من الأموال والعوائد المالية.

22