منتدى"سراقب" السوري في مهب الريح

الاثنين 2013/09/23
برحيل قاسم حماد أفل نجم "المنتدى الثقافي الاجتماعي"

دمشق- لم تقتصر نشاطات المدينة السلمية وذات التوجه المدني، على الخروج في المظاهرات السلمية دون انقطاع، لاسيما في يوم الجمعة. كما أن جدران المدينة الملوّنة بأجمل الأشعار والشعارات الثورية، لم تكن العلامة الفارقة الوحيدة في المدينة والثورة عموما. فقد اعتُبر «المنتدى الثقافي الاجتماعي» في سراقب، واحدا من أهمّ الخطوات العملية والجريئة والمعبرة عن حلم السوريين بالدولة المدنية، في ظل ظروف القصف اليومي والمدّ الإسلامي.


فضاء حرية


شكّل المنتدى الثقافي الاجتماعي نقطة نور في قلب مدينة سراقب. وقد أُقيم بمبادرة فرديّة من قبل قاسم حماد، وهو مغترب عاد حديثا إلى المدينة، آملا في أن يكون للمنتدى دور فاعل، على المستوى الجماعي، لكل المؤمنين بالمشاركة وبناء وطن سوري لجميع السوريين. وقد قضى الشهيد قاسم حماد مؤخّرا، بغارة جوية، بأحد براميل البارود المتساقطة يوميا على المدينة، عندما كان يوثق الأحداث بكاميرته.

يقع المنتدى في قلب سوق المدينة في الطرف الشمالي، ضمن فسحة موجودة تحت الأرض للحماية من القصف والغارات اليومية المستمرة. ويوجد فيه مكتبة وشاشة سينما ومسرح ومقهى، للقاء كلّ الناس المهتمين بالشؤون اليومية والثقافية؛ وتُقدَّم فيه المشروبات المعتادة: القهوة والشاي والكابتشينو والزهورات.. إلخ.

وكانت فكرة تقسيم المنتدى وتصميمه في الداخل، حصيلة عمل مشترك بين رسامي حيطان «سراقب» وأعضاء المنتدى الذين شاركوا بعدد من الدورات التدريبية ذات التوجه المدني، وساعدهم في ذلك عدد من الأصدقاء الأجانب الذين كانوا يوثقون الأحداث الحاصلة في المدينة.

أغلبية مريدي المنتدى، هم من أبناء المدينة ذوي التوجه المدني والعلماني، ويرتاده بعض الزوار من المناطق المجاورة، والصحفيون الأجانب المتواجدون في المدينة. كما يأتي إليه أحيانا بعض الإسلاميين المعتدلين، الذين يؤمنون بتطبيق شرع الله، من دون إكراه. وكثيرا ما تدور نقاشات، في جو من الحرية، لطالما كان مفقودا بين الحضور، حول القضايا اليومية، ومستقبل سوريا السياسي، وفرصة تشكيل أحزاب جديدة، وقد طغى مؤخرا موضوع «الفساد الثوري» على معظم النقاشات.

تتعدد النشاطات في المنتدى؛ وكان أبرزها مؤخرا إقامة «المدرسة الفاضلة» لتقديم دورات دراسية ونشاطات تعليمية مجانية، يديرها ويسهم فيها مدرسون متطوعون لتقوية معارف الطلاب. كما تلعب المرأة دورا فعّالا في المنتدى، وتنال مساحة واسعة من نشاطاته، حيث تُقدم فيه محاضرات دائمة، تهتمّ بشؤون المرأة والطفل والوعي بحقوقها وصحتها.

أما بالنسبة إلى وسائل الترفيه، فهي محدودة، لأن الكهرباء لا تتوفّر إلاّ من خلال مولدة أو بطاريات. فوجود الكهرباء، في الفترة الأخيرة، هو بحد ذاته نوع من الرفاهية. وقد وُضع جهاز تلفزيون كبير، في منتصف المنتدى، يُعرض فيه، أغلب الأوقات، نشرات الأخبار، لمتابعة الأحداث اليومية في مختلف نواحي سوريا. ومع هذا، فإن الأمسيات الشعرية الموسيقية تعتبر جزءا أساسيا من نشاطات المنتدى، إذ تقام، بشكلٍ دوري، خلال أيام الأسبوع.

وللتشجيع على الكتابة في مختلف المواضيع السياسية والثقافية والعلمية؛ يقوم المنتدى بتقديم خدمة كتابة المقالات وطباعتها لمن يرغب. كما تُقدم المسرحيات بشكل دوري، وقد استهدف عدد منها الفساد الثوري، بغية فضحه والتخلص منه.


قهوة وكتاب


من أهم ما يميّز المنتدى ظاهرة القراءة، وقدرة الحصول على الكتب التي يتوفّر بعض منها في المنتدى، بفضل جهود فردية بسيطة، أو بواسطة استقدام الكتب واستعارتها من المركز الثقافي القديم الموجود في المدينة. ومن أجل حث الناس على القراءة والاهتمام بها، قام المنتدى بخطوة تشجيعيّة معبّرة، وهي خفض أسعار المشروبات لمن يحمل ويقرأ كتابا، فسعر فنجان القهوة العادي الذي يكلف 25 ليرة سورية، يخفض سعره إلى 15 ليرة سورية لمن يريد القراءة.

وفي الشهور الأخيرة، أفضى الصراع، الذي فرضته الجماعات الإسلامية الساعية إلى تغييب الوجه المدني للثورة، إلى إغلاق المنتدى في المدينة. فقد جعلت الهيئة الشرعية، واللجنة الأمنية التابعة لتلك الجماعات، من المنتدى محط أنظارها، وقامت باقتحامه عدة مرات وعملت على إيقاف إحدى المسرحيات. وحين فشلوا بالوسائل العنفية، تمّ إغلاق المنتدى حاليا، بحجّة وجود شكوى من مالك العقار، الذي تقدم إلى المحكمة الشرعية في المدينة، بطلب لاستعادة المنتدى، بعد وفاة رئيس المنتدى وأحد أعضائه البارزين، والمعروف بأبو صبيح، في غارة جوية أيضا.

مع أفول شمس المنتدى، لا يزال أبناء المدينة رافضين التدخل الغريب عن نسيج المجتمع السوري. وهم مؤمنون بأنه مهما حصل، فإن الثورة كانت وستبقى ثورة السوريين الواثقين من النصر على الاستبداد في النهاية.

16