منتدى أصيلة يقتحم واقع الشعر في مشهد ثقافي عربي متحوّل

شعراء عرب يقدمون وجهات نظرهم المختلفة حول واقع الشعر والشعراء وما يمران به من منعطفات كبرى وخطيرة.
السبت 2019/07/06
قاسم حداد من أهم تجارب الحداثة الشعرية العربية

نظم منتدى أصيلة الثقافي أخيرا ندوة حوارية حول الشعر العربي ورهاناته وأهم قضاياه الراهنة اليوم، وقد تحاور خلالها شعراء ونقاد عرب فككوا واقع القصيدة والشاعر العربيين اليوم، وما يمران به من منعطفات كبرى وخطيرة، يرى فيها البعض تهديدا لحياة الشعر ويرى آخرون أنها ستعطي الشعر مجالات أخرى ووجودا آخر غير المألوف.

كانت أصيلة على موعد مع ندوة شعرية هامة ناقش خلالها شعراء عرب من كافة المدارس والأجيال والحساسيات على مدى يومي 4 و5 يوليو الجاري أهم رهانات هذا الجنس الأدبي اليوم في مشهد ثقافي عربي متحول.

وقدم المتدخلون وجهات نظرهم المختلفة حول واقع الشعر والشعراء، وتخللت اللقاء قراءات شعرية لكل من قاسم حداد وشوقي بزيع والمهدي اخريف وغيرهم استحسنها الحضور وأثبتت أن الذائقة الشعرية لا تزال متوهجة وإن خبت جمرتها في زمن ما لظروف متعددة.

 وهنا يقول شرف الدين مجدولين، أستاذ التعليم العالي ومنسق الندوة، إنه صار من الشائع أن يبرز سنويا عدد غير هين من الأصوات البارعة في تقنيات الشعر العمودي، بالتوازي مع استمرار جمهور متطلع لهذا النمط الضارب بجذوره في الذوق العام والذهنية الأدبية بشتى طبقاتها.

وظيفة الشعر

لكل زمان أسئلته التي تفرضها تحديات الزمن والجغرافيا وكان منتدى أصيلة الحادي والأربعون، محطة الكثير من المهتمين للتساؤل والبحث عن الشعر وأزمة الأمة، وهنا يعتبر صلاح جرار أستاذ الأدب العربي والأندلسي، بجامعة الأردن، أن الشعر يملك قوة تأثير خارقة سواء كان هذا التأثير تحريكا أو تحريضا تنبيها أم توجيها أو تعبيرا عن تجاوز الأمة لخلافاتها ورصّ الصفوف، مضيفا أن الفرضية الثانية تقول إن الشعر لا يعبّر عن ضمير الشاعر فقط بل الأمة التي ينتمي إليها.

ويدعو محمد الأشعري الشاعر المغربي ووزير الثقافة السابق، مطالبا للشعر بالهامش الذي يسمح للشعراء بالتشويش دائما على اليقينيات وعلى السهولة واجترار المكروه، وأن يكون الشعراء بتعدد أصواتهم واختلافها مختبرا دائما لإنتاج الجمال المنفلت، جمال لا يؤمن بالقواعد والمواصفات أو بما ينبغي وما لا ينبغي ويؤمن بالمستحيل قبل الممكن وبالوارد قبل المتحقق وبالقيم الإنسانية التي يعتبر الشعر أحد تجلياتها الكونية.

ويضيف الأشعري “إذا كان الشعر هو ذاكرة اللغة وخيالها فإنه بذلك يشكل إحدى وسائل ابتكار المستقبل، وقد ارتبطت تجربة الشعر بالتطلع الجماعي للتحرر متجسدة في مقاومة الاستبداد ومناهضة التقليدية والانطوائية والتعصب، وأجيال متتالية تحاول الإمساك بهذا الخيط الناظم لكونه ارتباطا وجوديا مع الحرية باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للانفتاح الفكري والثقافي ليس فقط كأسلوب كتابة وإنما أسلوب حياة.

لكن في مقابل هذا الافتراض بأن للشعر دورا في تفاعله مع أزمات الأمة ثم طرح سؤال آخر حول مدى إلزامية خوض الشعر ميدان المواجهة للتغلب على الأزمة والمعضلات التي تعاني منها الأمة فهناك من يرى بأن الشعر ليس مسؤولا عن الواقع ولا ملزما بإصلاحه.

الشعر العربي الحديث لم يدّخر جهدا في بناء رؤيته الشعرية على مجهود فكري وجمالي يستند على تعدد الرؤى والتجارب

ويعتقد حميد سعيد، الشاعر العراقي البارز، أن التعصب عند أصحاب قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر رغم أنهم تعايشوا على مدى عقود من الزمن وكان حضورهم واضحا على مستوى النقد والقراءات، لكن هذا التعصب قد يذهب إلى حد الإقصاء، لكنه في جميع الحالات لا يؤثر على الواقع الموضوعي سواء في المتغيرات الشعرية والجمالية أو التعايش والتكامل وهذا ما يدرك في منابر النشر وقراءات النقد ومهرجانات الشعر.

ولم يدّخر الشعر العربي الحديث جهدا في بناء رؤيته الشعرية على مجهود فكري وجمالي يستند على تعدد الرؤى والتجارب والانفتاح على حقول إبداعية أخرى وشعريات مختلفة، ويعتقد الشاعر المغربي محمد الأشعري، أنه بهذا المجهود استدعت القصيدة العربية الحديثة أصداء لغات أخرى كما استدعت جماليات مرتبطة بالتشكيل والسينما وغيرها.

والشعر المقاوم من وجهة نظر شوقي بزيع، الشاعر اللبناني، لا يمكنه أن يكون سيئا لأن القصيدة تقاوم موتها الذاتي، وهناك من قال إنه مع القصيدة النثرية انتهى الشعر وأيضا مع قصيدة الشعر الحر هناك من قال بنهاية الشعر وهذا موقف أيديولوجي استئصالي، لأن الأشكال الشعرية تتكامل ولا يلغي بعضها بعضا والأشكال الشعرية بإمكانها أن تتعايش بدليل عودة قصيدة الشطرين بقوة وشعراء يكتبون بقوة ومتانة وروح ونفس حديثين.

واقع القصيدة العربية

قال الشاعر شوقي بزيع، نحن لا ننكر أن الزمن هو للرواية بامتياز ونستمتع بها، ولكنها شكل من أشكال محطات الاستراحة للبشرية، وهذه الأخيرة متعبة من خوض حروب كثيرة. بينما الشعر يقتحم دائما ولغته عالية التوتر وتضعنا في المواجهة باستمرار، ونحن في زمن الشعر كذلك حيث إن منسوب الشعرية بما هو طاقة إيجابية موجود في كل الفنون. وأبطال الرواية لا يمكنهم  ذلك إلا بوصفهم شعراء.

وغطى تموقع الرواية في المشهد الثقافي بالعالم العربي على حركية الشعر، كما قال محمد بنعيسى، رئيس منتدى أصيلة، مضيفا أن هذا ما دعانا إلى تنظيم هذه الندوة ورفع الستار عن رؤى جديدة وكيفية اهتمام الشباب بهذا البعد الأدبي الجميل وربطه بفنون وقطاعات ثقافية وفنية أخرى.

والشعر على عكس ما يبدو لم ينحصر عن حياتنا، كما يرى الناقد المصري صلاح فضل، بل انبثق في مواطن وأقطار كاد يندثر فيها، ومنها منطقة المغرب العربي التي قدمت الآن مجموعة من الشباب والشابات تتوهج في أعمالهم نيران الشعر وتنطلق ألسنتهم بقصائد مدهشة ما يدحض مقولة إن الشعر غائب.

من جهته يعتقد شرف الدين مجدولين أن الواقع العربي لم يعد مسعفا لكتابة الشعر، مقارنة بأجناس سردية وبصرية أكثر قدرة على ترجمة التقلبات السريعة في الذوات والمجتمعات والحواضن الثقافية، إذ أضحت الرواية والسيرة والرحلة والمذكرات وغيرها هي المسيطرة على المشهد والناقلة لهمومه وتطالعاته.

لكن صلاح فضل، يختلف مع هذا الطرح ويرد على الذين أكدوا أن الوقت هو عصر وسائط ثقافية أخرى كالرواية، مشيرا إلى أن هناك واحات محجوزة للشعر، فالشعر الغنائي مثلا يعطينا جرعة شعرية يومية نتلقاها بالفصحى والعاميات المختلفة.

ومن أهم تجليات حيوية القصيدة الانفتاح على خارج حدودها الجمالية والثقافية كمصدر للإضافة والتجديد، وفي القصيدة كما في غيرها من وسائل الإبداع يكون الانفتاح على الآخر من خلال الحوار هو السبيل إلى حيوية الحضور والتأثير فتغتني وتتحرر من الجمود.

فالقصيدة حسب رؤية حميد سعيد، ليست مجرد نص بل هي فعل ثقافي حيوي نجدها في متغيراتها فكريا وثقافيا تسبق المتغيرات الكبرى أو تبشر بها، والجديد في كل ثقافة ولغة وشعر هو إضافة لما سبق وليس رفضا سلبيا. لذا كان التعصب لزمن شعري ما أو لأنموذج شعري لا يحول دون استمرار المتغيرات الجمالية والشعرية كما تستمر ذائقة التلقي.

ليس على الشاعر أن يعطي لنفسه أوامر من خارج نصه، كما قال شوقي بزيع، لأنه لا يكتب مستحضرا وعيه الشخصي بل يجب أن يصغي إلى أعماقه فقط مستحضرا أيضا في كل ما يكتب النيران القادمة من الأسلاف ويبدو وكأنه يلقي حصاة في الماء تحدث دوائر متتالية قد تتصل بالجماعة أو القومية أو بالعالم، فالوعي يفسد الكتابة الشعرية والشعر يستطيع أن يتنصل ويتجاوز كل ما يفرض عليه وكل ما يمكن أن يقف في طريقه.

من جهته يؤكد حميد سعيد أن الشاعر ليس عليه أن يتوقف عند حدود الشعر المرئية والمدركة لا بد أن يظل في طريق البحث عما لم يصل إليه من قبل وهو في حوار مع القصيدة باستمرار ولا يزال الشعراء منذ عنترة العبسي يواصلون البحث ويكتشفون ويجددون مع ما يجعل القصيدة استمرارا لما سبقها وإضافة وتفردا، وفي كل مرحلة من مراحل تجددها.

ويظن حميد سعيد أن من حق الشاعر أن يختلف عن السائد، فليس من واجبه أن يكون كما يراد له مهما وجه له من خطابات، فالشعراء سيكتبون قصائدهم من منطلق تكوينهم الثقافي والنفسي والشخصي والفكري وتمثلهم الجمالي.

إن من الشعر والشعراء من يعيش خارج الزمان والمكان اللذين ينتمي إليهما وينأى بنفسه عن ملامسة أي قضية من قضايا الوطن والزمن وتراه يهيم في أودية غير ذات زرع، وكمحاولة للتفسير ربما كان الإحباط من حال الأمة واليأس من صلاحها قد دفعه إلى مثل ذلك الموقف الحيادي، ويرى صلاح جرار أن أولى الناس بالانخراط في قضايا مجتمعه وعصره هو الشاعر لما يمتلكه من حس مرهف ورؤية صادقة وحدس كاشف وقدرة على استشراف المستقبل ولما له من تأثير في قرائه ومستمعيه.

وتأسّف محمد الأشعري قائلا “ما أبعدنا عن مراحل اليقين التي كان فيها روادنا والجيل الذي سار على خطاهم واثقين تماما من المعجزة وهم يرون ما تحفره كلماتهم من أخاديد في الصخر بكلمات هامسة حيث كان الشعر يستوطن ألسنتنا.

14