منتدى الاتحاد: الطائفية تنخر جسد الأمة العربية والتطرف يترصد منجزاتها الحداثية

الثلاثاء 2013/10/29
منتدى الاتحاد: مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي يبنى من الداخل

حذّر المشاركون في ختام منتدى الاتحاد الثامن، تحت عنوان «مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي»، من تداعيات «الربيع العربي»، خصوصا، الحروب الطائفية ومخاطر الإسلام السياسي على مكتسبات الدولة الوطنية العربية الحديثة.

أثار مشاركون في منتدى الاتحاد الإعلاميمسائل متعلقة بالدولة الوطنية في ضوء مؤامرات تقسيم المنطقة العربية، وعرضوا لمسألة التباس الإسلام السياسي في فهم الدولة، مؤكدين أن تماسك الشعب والقيادة يساعد على تجاوز الفتن الطارئة في دول الربيع العربي وغيرها.

الانتفاضات الشعبية التي هزّت بعض البلاد العربية منذ سنة 2011، لم تؤثّر تداعياتها على بلدان ما يسمى بـ «الربيع العربي» فحسب، بل إن أثار هذا الزلزال هزّت المنطقة العربية وأثارت تصدّعاتها التي امتدّت على كامل المساحة الجغرافية والسياسية العربية.

هذه التأثيرات تتطلّب مراجعات كثيرة وتحليلات ضرورية لمختصّين يراجعون أسباب هذا الوضع ويناقشون تأثيره وسلبياته وإيجابياته. وفي هذا السياق يأتي اختيار منتدى لجريدة الاتحاد الإماراتية لموضوع «مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي»، كعنوان للدورة الثامنة لهذا الملتقى الدولي، الذي انعقد على مدى يومي 27 و28 أكتوبر – تشرين الأول الجاري، بأبوظبي، بمشاركة نخبة من المفكرين والأكاديميين والإعلاميين البارزين من المنطقة العربية. وجاء استكمالا لمحور المنتدى السابع الذي حمل عنوان «المشهد العربي ومسارات التحول».

ناقش المنتدى في يومه الأول موضوعات عدة ذات العلاقة بموضوعه منها: مفهوم الوطنية ودلائل الانتماء إلى الوطن، وسبل تحقيق الاندماج الطوعي للمجموعات الوطنية، وخطورة الأبعاد الدينية والمذهبية والعرقية على التماسك الوطني، وعرض تجارب عربية تعرض خلالها التكامل الوطني لهزات عنيفة، أثر التدخلات الخارجية في هدم التكافل الوطني.

وقد أكّد وقال رئيس تحرير جريدة الاتحاد محمد الحمادي، «التركيز انصب على مدى يومي المنتدى على مفهوم الدولة الوطنية ودلائل الانتماء إلى الوطن وأسس الدولة الحديثة ومظاهر تواجدها»، موضحاً أن «التأكيد على مفهوم الدولة الوطنية وتماسكها واستقرارها ليس مهمة سهلة، بل هو نهج شامل ومتكامل يجب أن تشارك فيه جميع مؤسسات الدولة وفي صدارتها التعليم والإعلام».

فشل العرب

حول «محددات التكامل في الدولة الوطنية» تحدّث الباحث والأكاديمي البحريني عبدالله المدني، مشيرا في مستهل مداخلته إلى أن جذور فكرة الدولة الحديثة تعود إلى ما نادى به المفكرون الأوروبيون خلال عصر التنوير، ومضمونه أن الحياة بطبيعتها تتسم بالفوضى وسيادة روح القوة والسيطرة، وأن الحل يكمن في نشوء الدولة القائمة على فكرة العيش المشترك والتسامح والمساواة بين المجموعات المتساكنة في حيز جغرافي معين لمنع هذه المجموعات من الاعتداء على بعضها البعض.

ويعرّف المدني الدولة على أنها الكيان الحامي والعادل والنابع من الإرادة في العيش المشترك والمبني على التوافق العام. وتوصل المدني في ورقته إلى استنتاج مفاده أن العرب لم يفشلوا فقط في إقامة الدولة/الأمة، وإنما باتت وحداتهم القطرية أمام تحديات جسيمة تهدد بقاءها كما في السودان أو اليمن، أو تكاد تفقد معناها كما في لبنان والعراق الذي شكل في تاريخ العرب الحديث النموذج الأول للدولة الوطنية الحديثة، أو تضرب مشروعها التحديثي كما في المغرب والجزائر وتونس ومصر.

تحديات

بعض هذه التحديات ناجم عن تسلط الأنظمة السياسية الحاكمة وإمعانها في القمع الممنهج من أجل البقاء في الحكم على غرار ما فعله ويفعله النظامان القومي الحاكم في دمشق والطائفي الحاكم في العراق، الأمر الذي أحدث شرخا عميقا في النسيج الوطني للدولتين، وبالتالي دفع مكوناتهما الإثنية والعرقية والمذهبية إلى الحلم بتشكيل كيانات أو بؤر انفصالية تستجيب لتطلعاتها الخاصة.

والبعض الآخر ناجم عن التدخلات الأجنبية الهادفة إلى تفتيت الكيانات القطرية إلى كيانات أصغر يسهل معها السيطرة على مقدراتها والتحكم في سياساتها الخارجية عبر توظيف نوازع المظلومية والشعور بالغبن الطائفي أو الإثني لدى المكونات المذكورة. وبعض ثالث ناجم عن العقليات القبلية المضادة لفكرة الدولة أصلا كما في حالة الصومال.

ومن هذه التحديات أيضا وجود النزاعات الحدودية ما بين هذه الدولة العربية أو تلك، والتي لا يمكن معالجتها إلا بإطلاق الحوارات الحرة وخلق المؤسسات الاقتصادية والمنظمات المدنية القادرة على تعميق المصالح البينية من خلال التعاون والتكامل والتنسيق في مجالات الثقافة والاقتصاد على نحو ما فعلته أوروبا التي تجاوزت قضايا النزاعات القطرية بحلول بعيدة عن الحروب والعنف والأفكار الجامدة. وعبر هذا النهج نتخلص من مشكلة عميقة ابتلي بها الوطن العربي في العصر الحديث. وهي مشكلة الإقليم القاعدة أو الأنموذج، الذي يحاول أن يسيطر على كل الأمور والقضايا، بدعوى الوحدة العربية. ولا نبالغ إذا قلنا إن إخفاق الكثير من المشاريع الوحدوية العربية، يرجع إلى هذه المشكلة.

ويرى الباحث في تقديمه لبعض الحلول لأزمة الأمة والدولة العربية أنه ينبغي الانتقال من الشعارات الوحدوية القومية وشعارات القواسم المشتركة التي تجمع الكيانات القطرية العربية، وشعار الدولة الطليعية الرائدة إلى التراكم والتأسيس الذاتي المستند على صنع الوحدة أولا داخل الكيانات القطرية كمنطلق لتقوية أواصر التضامن والتعاون في الدائرة القومية، وهذا يستدعي بدوره العمل من أجل منع النزاعات والمواجهات الحادة التي تقع بين الفينة والأخرى بين الوحدات السياسية العربية عبر تأسيس قواعد قانونية/سياسية لعملية التعاون وتشابك المصالح وبما يمنع عمليات الاختراق الأجنبية سواء كانت دولية أو إقليمية.

استقطاب ديني

وما يزيد من خطورة عميلة الاختراق هذه، هو ما وصفه الأكاديمي الإماراتي سلطان محمد النعيمي بـ»حالة من الفرز والاستقطاب الديني والمذهبي والعرقي» التي يشهدها العالم العربي بدءا من الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، ومرورا بثورات ما يسمى بـ{الربيع العربي».

وحمّل النعيمي في ورقته التي حملت عنوان «خطورة الأبعاد الدينية والمذهبية والعرقية على التماسك الوطني»، الأطراف الداخلية مسؤولية هذا التشرذم، رغم أهمية اعتبار العوامل والمطامع الخارجية أيضا. فالوضع الداخلي، حسب النعيمي، هيأ الأرضية لتندفع معها هذه الأبعاد إلى السطح بصورة أكثر وضوحا. وهذا يقود إلى نتيجة مفادها، أن البيئة الداخلية في تلك الدول، كانت وبلا شك طاردة وغير قادرة على احتواء مثل تلك الأبعاد، وبالتالي يأتي العامل الخارجي، ليوظف تلك العوامل لتفتيت أسس التكامل الوطني لهذه الدولة أو تلك.

في ذات السياق يشير الكاتب اللبناني المتخصص في حوار الأديان محمد السماك، إلى أن الطائفية خطر يهدّد بتفتيت الدولة الوطنية، مستشهدا في مداخلته بالمخططات الإسرائيلية التي تعمل على زعزعة استقرار الدول العربية من خلال إثارة النعرات الطائفية والمذهبية بها.

يكاد يتفق أغلب المحاضرين والمتدخّلين على أن الخطر الطائفي والتقسيم العرقي، الذي بدأ مرحلة التنفيذ بالغزو الأميركي للعراق في 2003، بدأ يدخل مراحله الحاسمة ويهدّد بشكل كبير بناء الدولة الوطنية العربية، التي ظهرت منذ حصول الدول العربية على استقلالها. وهو تهديد يزيد من خطورته صعود أنظمة ذات خلفيات سياسية إسلامية بعد ثورات «الربيع العربي»، هدّدت القيم الحداثية في بعض الدول العربية، كتونس ومصر.

وقد أكّد المشاركون في الجلسة الختامية الخامسة للمنتدى على ضرورة العمل على تعزيز التكامل الوطني كإجراء وقائي ضدّ الهجمات التي تستهدف نسيج الدولة/الأمة الوطنية العربية، في الداخل والخارج. وهذا التصدّي يكون، حسب المستشار الاقتصادي، محمد العسومي، من خلال «التنمية الشاملة والمستدامة كمنهج لصيانة التكامل».

7