منتدى الاستثمار يربك علاقة السلطة الجزائرية بذراعها المالية

أثارت مجريات منتدى الاستثمار والأعمال في أفريقيا المنعقد في الجزائر، لغطا كبيرا في دوائر سياسية وإعلامية، حول إصابة علاقة السلطة بذراعها الإعلامية بحالة تشنج غير مسبوق، في ظل التجاذب بين الحكومة وتنظيم منتدى رؤساء المؤسسات الذي يقوده رجل الأعمال علي حداد، حول الإشراف على مسائل التنظيم والتأطير، وقد ظهر تنافر بين الطرفين في الرؤية الاقتصادية للمنتدى والأبعاد الدبلوماسية لوزارة الشؤون الخارجية.
الأربعاء 2016/12/07
علي حداد يستفز ممثلي الدولة

الجزائر - اضطر رئيس منتدى رؤساء المؤسسات علي حداد، إلى تقديم اعتذاراته إلى جميع الأطراف عن أخطاء واردة في تنظيم منتدى الاستثمار والأعمال في أفريقيا، وأعرب عن العلاقة الطبيعية بين تنظيمه وبين مؤسسات الدولة، وذلك في رد على اللغط المثار حول غضب حكومي من المنتدى، تجسد في مغادرة رئيس الوزراء عبدالمالك سلال والوزراء المرافقين له، لجلسة الافتتاح بعد صعود علي حداد، إلى المنصة من أجل إلقاء كلمته أمام الحضور.

وأطلق علي حداد، رسائل الاعتذار وأكد على تماسك علاقة التنظيم بمؤسسات الدولة، في كلمة الاختتام، لما ذكر بأن “الرئيس بوتفليقة يمثل مصدر الإلهام لسياسات البلاد، وهو الرجل الذي ساهم بخبرته في توجيه التظاهرة الاقتصادية الأفريقية، وأن المنتدى يعبر عن وفائه وإخلاصه لمؤسسات الدولة، وعلى رأسها الرئيس بوتفليقة”، وهي خطوة للاحتماء ببرنس الرجل والاستقواء به، خشية الوقوع في تجاذبات الحلقات المتصارعة من أجل المواقع في السلطة.

وقال رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، في الندوة الصحافية التي نشطها في نهاية الأشغال “أقدم اعتذاراتي للجميع، ولكل من حدثت له مشكلة مهما كان”، وذلك في إشارة إلى خطأ بروتوكولي ارتكبه المنظمون، حيث تم خلط ترتيب الرسميين المتدخلين في جلسة الافتتاح، إذ تم استدعاء علي حداد، إلى المنصة لإلقاء كلمته قبل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي رمطان العمامرة، رغم أن الترتيب كان عكس ذلك تماما، مما دفع أعضاء الحكومة إلى الانصراف زمن ذروة الأشغال.

وأرجع المتحدث المسألة إلى ما أسماه بـ“قلة الخبرة لدى المنتدى في تنظيم تظاهرة دولية هي الأولى من نوعها في البلاد، ومن الطبيعي أن تحدث بعض الأخطاء، والذي يجدّ ويعمل هو الذي يخطئ، وأن علاقة التنظيم بالحكومة ممتازة، وغياب بعض الوزراء راجع لالتزاماتهم المهنية وظروفهم الشخصية”.

ويعتبر منتدى رؤساء المؤسسات برئاسة علي حداد، أصيل منطقة القبائل الذراع المالية والاقتصادية للسلطة، فقد تم إطلاقه عام 2013، وساهم بقوة في تمويل الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة في انتخابات 2014، ويتشكل من رجال أعمال عرفوا بقربهم من محيط السلطة، للاستفادة من ريع استثمارات البنى التحتية للحكومة، ومن المزايا الإدارية والضريبية، وشكلوا أقطاب الاحتكار والاستيراد خلال سنوات الراحة المالية.

ورغم الانطباع الذي ساد مجريات منتدى أفريقيا للاستثمار، حول تعكر علاقات الحكومة وتنظيم رؤساء المؤسسات، إلا أن العارفين بشؤون زواج المال والسياسة في الجزائر، وضعوا المسألة في خانة تجاذبات الحلقات البعيدة عن مركز القرار حول التغييرات المنتظرة في البلاد، ولا سيما على الصعيد الحكومي، واعتبروا اللغط المثار لا يمكن أن يؤثر في العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين.

وأكد نائب رئيس المنتدى، رفض الكشف عن هويته لـ“العرب”، بأن “المسألة يمكن أن تنطوي على أخطاء أو هفوات، إلا أن هناك توظيفا غير طبيعي لبعض الأوساط لتشنج مفتعل بيننا وبين الحكومة، وهناك من يريد المساس بمكانة وثقة السلطات العليا في البلاد لتنظيمنا، في إطار حرب المواقع، واقتراب موعد تغييرات مهمة مرتقبة في عدة مؤسسات كالحكومة”.

وأضاف “هذه ضريبة النجاح، فالمنتدى أثبت قدرته على خلق الأفكار ومدّ شبكة علاقات إقليمية ودولية، وترقية الاقتصاد الوطني خارج المحروقات، وترديد أفكارنا في أشغال التظاهرة الأفريقية من طرف خبراء ورجال أعمال أفارقة، يؤكد جدية وصواب خياراتنا، والأجدر هو الالتفاف حول النتائج وليس على المسائل الهامشية، فبفضل هذه المبادرة تم توقيع حوالي 100 اتفاقية ومذكرة استثمار وتعاون”.

ويلف غموض الصعود اللافت للتنظيم، في الهيمنة على القرار الاقتصادي في البلاد، حيث تحوّل في سنوات قليلة من شتات رجال أعمال، يعيش على ريع الاستثمارات الحكومية في البنى التحتية، ونشاط الاستيراد والاستثمار الطفيلي، إلى تنظيم ينطوي على نفوذ كبير في القرار الاقتصادي وحتى السياسي، ويؤدي دور الذراع المالية والاقتصادية للسلطة، رغم أن هناك رجال أعمال وتنظيمات اقتصادية عريقة، وجدت نفسها على الهامش، كما هو الشأن لصاحب مجمع “سيفيتال” يسعد ربراب، الأكبر في البلاد والمُصَدِّر الثاني بعد شركة سوناطراك الحكومية.

وذهبت قوى سياسية يسارية واجتماعية، إلى اتهام التنظيم بتأسيس نظام أوليغارشي غير مسبوق في الجزائر، يستهدف الاستحواذ على المكتسبات الصناعية والعقارية والمؤسسات الحكومية، بدعوى الشراكة وترقية الاقتصاد الوطني، واتهمته بالتأثير الخفي في ملفات حساسة كقانون الموازنة العامة لسنة 2017.

وعزز تغلغل التنظيم في مفاصل الدولة، إلى درجة القيام بمهام من صميم عمل المؤسسات الرسمية، الطروحات القائلة بتغول المال السياسي في الحياة العامة، وذلك بتشكيل سلطة موازية لسلطة الدولة، والتأثير في هوية الحكومات المتعاقبة، وصناعة لوبيات موالية له في مختلف المؤسسات، وذهب محللون إلى التحذير من تغير موازين القوى في البلاد، فبعدما كانت مؤسسة الجيش والاستخبارات تحدد القرارات الحاسمة في الجزائر، صار لوبي رؤساء المؤسسات يضطلع بالمهمة، ولم يستبعدوا بصمة له في الاستحقاقات الانتخابية القادمة، ولا سيما خليفة بوتفليقة في قصر المرادية.

4