منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي: تهديد وتحذير والتماس… رسائل فلاديمير بوتين للغرب

الرئيس الصيني شي جين بينغ سعى، أثناء زيارته لروسيا، إلى إعطاء "بريق جديد" للروابط بين الصين وروسيا اللتين تشهد علاقاتهما مع الولايات المتحدة تأزما.
الجمعة 2019/06/07
هدية شي لبوتين.. دبلوماسية البندا
 

يكشف عدم توجيه دعوة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمشاركة الحلفاء إحياء الذكرى الـ75 لإنزال النورماندي، رغم أنه دعي سنة 2004، اتساع هوة الخلافات المتأزمة بين موسكو والغرب، حيث يواجه الغرب على جبهات متعددة ما يعتبره تهديدا روسيا واستهدافا ممنهجا لديمقراطية الحلفاء. وعلى الرغم من الحزم الأميركي في مواجهة التهديدات الروسية إلا أن الاتحاد الأوروبي ما زال يراوح بين التهديد والترغيب لتجاوز خلافات قد تعصف باستقرار وأمن القارة العجوز.

سان بطرسبورغ- وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، خلال افتتاحه لمؤتمر سان بطرسبورغ الاقتصادي السنوي رسائل سياسية على عدة جبهات للغرب تراوحت بين التحذير والتهديد والالتماس، ما يؤشر إلى حالة العزلة التي تعيشها موسكو دوليا في ظل اقتصاد متباطئ لا يجد متنفسا، سوى عبر بيع الأسلحة، بسبب العقوبات الأوروبية والمحاصرة الأميركية.

وفي مؤشر إلى أنّ المؤتمر الاقتصادي هو كذلك مرتكز تجاري وسياسي لروسيا، حلّ الرئيس الصيني شي جين بينغ ضيف شرف على المنتدى، فيما سيلقي كلمة الجمعة إلى جانب بوتين وأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فيما قاطع السفير الأميركي بموسكو المؤتمر وخفضت فرنسا تمثيلها بإرسال سفيرها بعد أن مثلها في العام السابق وفد وزاري. واستهل الرئيس الروسي فلاديمير رسائله للغرب برسالة التماس إلى بريطانيا بعد تأزم العلاقات منذ تسميم العميل الروسي سيرجي سكريبال في إنكلترا.

ودعا بوتين الخميس إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع لندن بعد الفضائح التي اعترتها، بما في ذلك تسميم العميل المزدوج السابق سيرجي سكريبال في مارس 2018 في بريطانيا. وسيرجي سكريبال ضابط سابق في الاستخبارات الروسية، أدين بالتجسس لصالح بريطانيا قبل أن يصبح جزءا من عملية تبادل عملاء مزدوجين. وعثر عليه وعلى ابنته يوليا في 4 مارس 2018 في سالزبوري جنوبي بريطانيا، بلا حراك على مقعد في مكان عام.

وشرح بوتين “لسنا نحن من كان يتجسس عليكم عبر هذا الشخص الذي قيل إنّه جرى تسميمه في سالزبوري. هو عميلكم ولا يخصنا. وهذا يعني أنّكم أنتم من كان يتجسس علينا”. واتهمت السلطات البريطانية الاستخبارات الروسية بمحاولة تسميمه عبر استخدام غاز أعصاب. إلا أنّ موسكو نفت أي مسؤولية في هذه القضية التي أثارت أزمة دبلوماسية عميقة بين البلدين. ونجا سكريبال وابنته بعد علاجهما لفترة في مستشفى.

وقال الرئيس الروسي “القضايا العالمية المرتبطة بالمصالح المشتركة لدولتينا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية أهم بكثير من ألعاب الأجهزة الخاصة”. وتابع “أتمنى أنّ يأخذ من سيقود الحكومة (في لندن) بعين الاعتبار مصالح 600 شركة بريطانية تعمل في روسيا”.

وقبل قضية سكريبال، توترت العلاقات بين لندن وموسكو بوفاة العميل الروسي السابق ألكسندر ليتفيننكو مسموما بالبولونيوم في العام 2006 في بريطانيا. وحمّلت السلطات البريطانية روسيا المسؤولية في هذه القضية، كما يتعارض البلدان في عدّة مسائل دولية، بينها الصراع السوري والأزمة الأوكرانية.

فلاديمير بوتين: مستعد للتخلي عن اتفاقية الحد من الأسلحة النووية
فلاديمير بوتين: مستعد للتخلي عن اتفاقية الحد من الأسلحة النووية

وحذر الرئيس الروسي في الآن ذاته من احتمال انهيار النظام العالمي للحد من التسلح النووي وقال إن المحادثات مع واشنطن بشأن تمديد معاهدة ستارت الجديدة للأسلحة النووية لم تبدأ بعد، لكن في تصريحات بثها التلفزيون من سان بطرسبورغ قال بوتين إن أحدث اتصال هاتفي بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب منحه قدرا من التفاؤل. ويحل أجل اتفاق نووي بين الولايات المتحدة وروسيا يعرف باسم نيو ستارت لعام 2011 في فبراير عام 2021 لكن يمكن مده إلى خمس سنوات بموافقة الطرفين.

وهذا هو الاتفاق الأميركي الروسي الوحيد الذي يحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية المنشورة، حيث يقول أنصار الحد من التسلح إنه من دون الاتفاق سيكون من الأصعب على كل طرف قياس نوايا الآخر، وأكد الرئيس الروسي أن روسيا مستعدة للتخلي عن اتفاقية الحد من الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة، والمعروفة باسم “ستارت الجديدة”، إذا لم يكن هناك اهتمام بتجديدها.

ورفضت الصين في وقت سابق اقتراحا بإجراء محادثات مع الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاق جديد يحد من التسلح النووي قائلة إنها لن تشارك في أي مفاوضات ثلاثية لنزع السلاح النووي، فيما يتنامى قلق واشنطن من أن يرفع انسحابها من معاهدة نشر الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى مع موسكو قيود التسلح أمام بكين التي لم توقع على الاتفاقية.

ويقول مسؤولون أميركيون، إنه لو كانت الصين شريكا في معاهدة الحد من الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى، فإن نحو 95 في المئة من صواريخها الباليستية وصواريخ كروز التي تشكل جزءا جوهريا من استراتيجية بكين الدفاعية، تنتهك تلك المعاهدة.

وقال كنغ شوانغ المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن القوات النووية في البلاد عند “أدنى المستويات” التي تطلبها احتياجات الأمن القومي وإنها لا تقارن بما لدى الولايات المتحدة أو روسيا.ونفذ الرئيس الأميركي فبراير الماضي تهديده وأعلن تعليق التزامات بلاده في معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى المبرمة مع موسكو عام 1987 أثناء الحرب الباردة، وبدء انسحابها منها بحجة انتهاك موسكو للمعاهدة.

وتلزم المعاهدة البلدين بإزالة الصواريخ النووية والتقليدية القصيرة والمتوسطة المدى، فيما يخشى مراقبون أن يؤدي انقضاء المعاهدة إلى إمكانية اندلاع سباق متزايد للتسلح. ونصت المعاهدة على عدم استخدام مجموعة من الصواريخ يراوح مداها بين 500 و5500 كلم، وأنهت أزمة اندلعت في الثمانينات بسبب نشر الاتحاد السوفياتي صواريخ “أس.أس 20” المزودة برؤوس نووية قادرة على استهداف العواصم الغربية.

وسعى الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي بدأ الأربعاء زيارة لروسيا إلى إعطاء “بريق جديد” للروابط بين الصين وروسيا اللتين تشهد علاقاتهما مع الولايات المتحدة تأزما، فمن جهة تخوض بكين حربا تجارية مع الإدارة الأميركية بينما يسمم ملف التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية العلاقة بين موسكو وواشنطن.

وبعد أن وقّع مع نظيره الصيني إعلانا مشتركا بفتح “حقبة جديدة” في العلاقات بينهما، نوّه بوتين أمام الصحافيين بالعلاقات القائمة بين روسيا والصين والتي “ارتقت إلى مستوى غير مسبوق”. وقال بوتين إن مواقف موسكو وبكين الدولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن الدولي واللتين غالبا ما يكون تصويتهما منسجما، “متقاربة جدا أو متطابقة كليا” في غالبية الملفات الدولية على غرار البرنامج النووي الكوري الشمالي، والنزاع في سوريا وأيضا الاتفاق النووي المبرم مع إيران.

وشدد بوتين على أن البلدين قد حددا “أهدافا كبرى جديدة” بهدف “تعزيز التعاون بشكل أكبر” و”المساهمة في ازدهار” شعبيهما. ونوّه الرئيس الصيني بنظيره الروسي واصفا إياه بأنه “صديقه المفضّل” معربا عن أمله بأن “تكتسب الصداقة الروسية-الصينية القوية تقليديا بريقا جديدا”.

بوتين دعا إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع لندن بعد الفضائح التي اعترتها، بما في ذلك تسميم العميل المزدوج السابق سيرجي سكريبال في مارس 2018 في بريطانيا

وتخطت الحرب التجارية بين بكين وواشنطن عتبة جديدة في نهاية الأسبوع الماضي، ما ألقى بظلال قاتمة على آفاقها الاقتصادية. كما أنّ العلاقات الروسية-الأميركية التي عرفت العديد من الأزمات، سممتها أيضا منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض الاتهامات لموسكو بالتدخّل في الانتخابات الرئاسية.

ويلحظ المحلل الروسي ألكسندر غابوييف من معهد كارنيغي في موسكو أنّ روسيا التي تلقّى اقتصادها ضربة قاسية إثر العقوبات الاوروبية والأميركية في عام 2014 على خلفية الأزمة الأوكرانية وضم القرم، تحاول “الابتعاد عن السوق الأوروبية في اتجاه السوق الصينية”.

وباتت الصين أيضا “مستثمرا مهما جدا” في الاقتصاد الروسي ومانحا للقروض إلى روسيا في وقت انسحب فيه لاعبون دوليون آخرون، خصوصا بسبب العقوبات. والأربعاء تم توقيع عدة اتفاقات يضع أحدها اللمسات الأخيرة على إنشاء منظومة كبرى صينية -روسية للتجارة الإلكترونية. وفي ما يشبه التحدي لواشنطن التي تعتبر “هواوي” تهديدا أمنيا، وقّعت المجموعة الصينية عقدا مع أكبر شركة اتصالات روسية “أم.تي.أس” لتطوير شبكة تكنولوجيا الاتصالات من الجيل الخامس.

وحذر الرئيس الروسي من أن التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا سيكون بمثابة كارثة، وقال إنه حتى حلفاء واشنطن لا يؤيدون مثل هذا الإجراء، فيما لم تستبعد الإدارة الأميركية تدخلا عسكريا في كاراكاس للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو.

5