منتدى شباب صناع المستقبل.. ملتقى الإرادات الطيبة

خمسون شابا من العالم وخمسون إرادة للسلام، وورشات عمل تمد جسور التلاقي وتصنع الحوار.
الأربعاء 2018/07/18
اجتماع الإرادات الطيبة

لا يمكن الرهان على المستقبل دون قيم تسامحية، وهذه القيم تندثر ولا يصبح لها معنى دون أن توجد الإرادات الطيبة من المؤسسات الدينية، ودون أن تشرك الشباب في رسالتها الإنسانية.. كانت هذه الأفكار وراء انعقاد ملتقى لندن الذي حمل عنوان ” شباب صناع السلام” بمبادرة من الأزهر وأسقفية كانتربري في لندن.

لندن - انطلقت فعاليات منتدى”شباب صناع السلام”، في الثامن من يوليو الجاري وتختتم اليوم، الأربعاء الثامن عشر من يوليو، ويهدف المنتدى إلى بناء فريق عالمي من الشباب الواعد الساعي للسلام، وذلك للمشاركة في مبادرات وفعاليات يدعمها الأزهر ومجلس حكماء المسلمين بالتعاون مع أسقفية كانتربري، بحيث يتم تنفيذها من قبل هؤلاء الشباب وأقرانهم حول العالم من أجل بناء عالم أفضل يعيش فيه الجميع بخير وسلام.

ويشارك في المنتدى 25 شابا من أوروبا، قامت باختيارهم أسقفية كانتربري بلندن، و25 شابا من العالم العربي، قام باختيارهم الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين من عدة دول عربية، مع الحرص على تنوع مشاربهم الدينية والتعليمية والثقافية، بما يعكس ثراء الشرق وتعدد جذوره الفكرية والثقافية.

وكانت التحضيرات قد بدأت بوصول 50 مشاركا من الشباب من عدد من دول العالم يمثلون الشرق والغرب، حيث اجتمع المشاركون في كلية تشرشل في جامعة كامبريدج وعقدوا عددا من ورش العمل التحضيرية والتي اكتسب من خلالها المشاركون مهارات الحوار والاستماع للآخرين وطرح الحلول للمسائل المرتبطة بالاختلاف مع الآخر.

واستمر برنامج كامبريدج لنحو أسبوع أشرف عليه عدد من الأكاديميين والخبراء، كما زار مقر انعقاد البرنامج الأكاديمي عدد من المسؤولين في كل من الأزهر ومجلس حكماء المسلمين وكنيسة كانتربري، وأقام كافة المشاركين في مقر السكن الداخلي للطلبة لما في ذلك من فائدة ومعايشة لحياة الطلبة ليكتمل البرنامج الأكاديمي في قصر لامبث بلندن مقر إقامة المنتدى.

وبدأت المرحلة الثانية من الاستعدادات في لندن حيث زار المشاركون كاتدرائية سانت بولس التاريخية وقاموا بجولة في المدينة قبل أن يستأنف البرنامج الأكاديمي المقرر حتى موعد انطلاق المنتدى.

وواصل المشاركون في فعاليات “منتدى شباب صناع السلام” برنامج المحاضرات وورش العمل المكثفة، الذي يعقد في كلية تشرشل بجامعة كامبريدج البريطانية، حيث ركزت أنشطة أيام المنتدى على رفع وعي الطلاب بقيم العفو والمغفرة والتسامح.

وتناولت المحاضرة الأولى، التي حملت عنوان “قراءة في النصوص الدينية”، مجموعة نصوص من القرآن والعهدين الجديد والقديم، تحض على المغفرة والعفو، حيث تم تقسيم الطلاب إلى مجموعات عمل، ركزت كل منها على محاولة التعمق في هذه النصوص، واستخراج المعاني الفلسفية والقيم الأخلاقية الكامنة فيها.

أما المحاضرات التي تلتها فقد حاولت إحداها الإجابة عن سؤال: “كيف نسامح؟” تم خلالها تعريف مفهوم الغفران، وكيف أن الشخص المتسامح يفعل ذلك، ليس فقط من أجل الآخرين ولكن أيضا من أجل نفسه؟ كما تطرقت المحاضرة إلى أهمية قيمة التسامح والغفران وكيف تؤثر في حياتنا، ولماذا يستطيع شخص ما أن يسامح الآخرين بينما يعجز شخص آخر عن فعل ذلك، ثم استعرض المشاركون نماذج لشخصيات تعرضت لنكبات كبيرة لكنها استطاعت استعادة توازنها والوصول إلى حالة من الهدوء الروحاني والعفو والغفران.

وعقب المحاضرة، تم عقد ورشات عمل بعنوان “العدالة التصالحية”، أو ما يمكن أن يطلق عليه ضمنيا “التفاوض”، بمعنى تحقيق العدالة من خلال وجود وسيط بين الضحية والجاني، وقدم المشاركون نماذج لمواقف تعرضوا خلالها لأزمات وصراعات، نجحوا في حلها عبر التسامح والغفران.

وخلال إحدى المحاضرات، تم استعراض تجربة مؤسسة “مشروع الغفران”، حيث قدم القائمون على المؤسسة نماذج لقصص تمكن أصحابها من تجاوز الأزمات والصعاب التي تعرضوا لها من خلال الصفح والتسامح، وذلك بهدف رفع وعي الطلاب بأهمية قيم التسامح والعفو في حل الصراعات والنزاعات.

منتدى صناع السلام للشباب برعاية الكنيسة والأزهر أبرز جوانب الرقي في الحديث عن الإنسانية في نصوص القرآن والإنجيل

وعقدت جلسات حوارية بين الشباب في ما يعرف باسم “مجموعات الاتصال” بهدف فتح نقاش حول الانطباعات والدروس التي تعلموها من محاضرات كل الأيام، وكذلك تحفظاتهم أو ما يرونه خاطئا.

واختتم اليوم التدريبي بورشة عمل استعرضت تجربة مشروع توأمة المسجد والكنيسة، وهو مشروع مبني على الصداقة بين مجموعة من المسيحيين والمسلمين، ويظهر كيف يمكن للإيمان أن يصبح عاملا محفزا على العلاقات الجيدة مع الآخر، كما جرى استعراض عدد من نماذج التعاون الإيجابية بين الأزهر والكنائس القبطية، وفي مقدمتها تجربة “بيت العائلة المصرية”، الذي يحظى برعاية شيخ الأزهر وبطريرك الكنيسة القبطية.

 وتم في المنتدى استعراض تجربة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، وتناول العرض شرح فكرة إنشاء المرصد والاستراتيجية التي يعمل بها، وتم طرح عدد من النماذج التي يتم رصدها وكذلك الحملات التوعوية والأنشطة والزيارات الدولية ومحاور عمل المرصد.

ويشار إلى أن رئيس مجلس حكماء المسلمين أحمد الطيب، قرر الإقامة في مقر الأسقفية في قصر لامبث بعد قبوله دعوة كبير الأساقفة الذي كان في استقباله، حيث جمعه لقاء بالملكة إليزابيث الثانية قبل أيام، حيث تناول فيه الطرفان أبرز سبل تحقيق السلام والحوار المنفتح على الآخر تعزيزا لدور الأزهر، ومجلس حكماء المسلمين.

المنتدى، وبشهادات المشاركين فيه، ومن جنسيات مختلفة، فاق كل التوقعات، وتميزت فيه الورشات التحضيرية التي ركزت على قيم التواصل وإزالة العقبات والحواجز بشتى أشكالها الموضوعية والذاتية والنفسية والثقافية.

ويتوقع المشاركون أن المنتدى سيكون له أثره على الشباب بصفة خاصة وعلى الثقافة في بلدانهم بصفة عامة، كون كل الشباب من المشاركين فيه مؤثرين في بلدانهم عبر مؤسساتهم التي ينتمون إليها. وقال حمزة، وهو أحد المشاركين من المغرب، إن عقد المنتدى بشكل دوري أصبح لا بد منه كونه أول مبادرة جادة لفتح حوار حقيقي بين الأديان بألسن شابة، مثمنا فكرة المنتدى والمبادرة التي قام بها الأزهر ومجلس حكماء المسلمين وكنيسة كانتربري لجعل هذه الفكرة واقعا.

وأوضح أن المؤسسات الدينية الآن هي المحرك الأساس للانتقال نحو عالم أفضل تسيطر فيه قيم الحوار والمواطنة والتعايش، لما لها من تأثير على المؤمنين ومتبعيها في كل بقاع العالم، مؤكدا أن مشاركته في المنتدى غيرت الصورة النمطية التي كانت لديه عن الغرب وأبنائه، وأن القراءات التي قاموا بها في النصوص الدينية والمقارنة بين ما جاء في القرآن والإنجيل أكدت لهم بحق أننا لسنا مختلفين إلى الحد الذي كنا نظن وأنه لا سبيل لعالم أفضل إلا بالحوار وصنع الصداقات بيننا جميعا.

جميع المشاركين أكدوا أن المؤتمر ثري بالموضوعات، وأنهم تعلموا من خلال المحاضرات وورشات العمل أساليب الحوار الفعال وإدارة الصراعات والعصف الذهني، وفهم اختلاف الآخر لبناء المجتمعات والشعور بالسلام الداخلي.

وقالت الطالبة المصرية مارينا عدلي، إحدى المشاركات في هذا الملتقى، “إن المنتدى فخر لأي مصري؛ أن يكون جزءا من السلام”، داعية الشباب إلى محاولة الالتحاق بمثل هذه الفعاليات لما لها من تأثير إيجابي على السلام العالمي ونشره، وأهمية دور ومشاركة الشباب في ذلك.

وأشار زميلها أندرو ثروت، إلى أن منتدى صناع السلام للشباب برعاية الكنيسة والأزهر أبرز جوانب الرقي في الحديث عن الإنسانية في نصوص القرآن والإنجيل، وما فيهما من أسس التعايش لمستقبل أفضل لكل البلاد.

شخصيات عديدة التحقت بالمنتدى، وشاركت في فعالياته، مثل السفيرة نبيلة مكرم، وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، وذلك عقب تلقيها دعوة من أحمد الطيب شيخ الأزهر، الذي ينظم المنتدى بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، وأسقفية كانتربري البريطانية.

وشاركت مكرم في ورشة عمل للطلاب بحضور شيخ الأزهر ورئيس الأساقفة، فضلا عن مشاركتها في لقاء المنتدى الإسلامي المسيحي ببريطانيا، وحضور عرض نسخة تاريخية من المصحف من جامعة برمنغهام البريطانية، وحفل الختام بقصر لامبث، المقر الرسمي لكبير أساقفة كانتربري في لندن.

13