منجي رحوي: حكومة الصيد وضعت مشروع قانون المالية وليست حكومة الشاهد

حاولت بعض الأطراف استغلال الجدل الذي أثير بشأن قانون المالية لمشروع ميزانية البلاد التونسية لسنة 2017، لإبقاء حالة عدم الاستقرار في البلاد وتعطيل محاولات التقدم، بتأليب الرأي العام على الحكومة، رغم أن هذا القانون، وكما قال منجي الرحوي، النائب في مجلس نواب الشعب عن حركة الجبهة الشعبية ورئيس لجنة المالية والتخطيط والتنمية، لم تأت به الحكومة الحالية بل ورثته من جملة مجموعة ملفات وتعقيدات أخرى عن حكومة الحبيب الصيد وما سبقها من حكومات، مضيفا في حوار مع “العرب” أن الوضع في تونس يبدو أكثر اطمئنانا بالنسبة إلى المستثمرين، وكل ضيوف البلاد المشاركين في فعاليات المنتدى الاقتصادي.
الجمعة 2016/11/04
الوجه الإيجابي لليسار التونسي

تونس – بعد ست سنوات من انتفاضة اجتاحت تونس وانتهت بسقوط النظام وغيرت ملامح البلاد بشكل كبير، لا يزال هناك بريق أمل يومض من وقت إلى آخر ليبعث بعض الاطمئنان في قلوب التونسيين والعالم، بخصوص مسار انتفاضة شعبية أطلق عليها الإعلام الغربي اسم “ثورة الياسمين”.

تبعث على هذا الأمل تصريحات منجي الرحوي، النائب في مجلس نواب الشعب عن حركة الجبهة الشعبية ورئيس لجنة المالية والتخطيط والتنمية، التي جاءت في حوار مع “العرب”، في مكتبه داخل مجلس نواب الشعب، تحدث فيه عن الصعوبات المالية، وكيف يمكن تجاوزها.

انطلق الحوار من الحدث في تونس هذه الأيام وهو مشروع قانون الموازنة العامة لـ2017 الذي أثار جدلا، خاصة في ما يتعلق بتركيز البعض من المنتقدين على إجراءات التقشف، التي طرحها القانون.

لم ينف رئيس لجنة المالية والتخطيط والتنمية في مجلس نواب الشعب، أن الميزانية لا تستجيب للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة، ولا تتوفر فيها سبل دفع النمو كدفع إنشاء المؤسسات وتوسعتها، أو هامش لحل بعض المشاكل الاجتماعية، كالتخفيض من نسبة البطالة أو تقليص الفوارق بين الجهات، كما أن نسبة الفقر تفاقمت في تونس ويجب مقاومة هذه الظاهرة. وكل هذه أعباء إضافية تثقل كاهل الميزانية، خاصة وأن هناك دفوعات قروض يجب دفعها، بالإضافة إلى المخصصات المالية الرئيسية.

لكنه، اعتبر أن السياسة المالية، التي تنتهجها البلاد، في ضل أزمتها الخانقة، والتي ترتكز على المديونية، سياسة غير حكيمة وغير رشيدة، وهي بمثابة سياسة الهروب إلى الأمام ولا تحتكم إلى التصرف والمالية والحوكمة التي تأخذ بعين الاعتبار السياسة المالية بالنسبة إلى المديونية.

ولفت النائب في مجلس الشعب إلى أن هناك فروقا في المديونية، فالمديونية الموجهة للاستثمار تدر الثروة وتخلقها، أما المديونية التي تتبعها تونس، فلا تملك أثرا إيجابيا، بل لها دور عكسي على الاقتصاد، حيث تعد سببا للتضخم المالي وتنعكس على مستقبل الأجيال القادمة وتؤدي إلى ارتهان القرار السيادي الوطني لما تكرسه من تبعية اقتصادية وتجعل البلاد إحدى الحلقات للتبعية بالنسبة إلى المؤسسات المالية العالمية.

وأكد الرحوي أن الظروف التي مرت بها تونس نتج عنها تطويقها بمثل هذا الظرف حيث سمح للبلاد بالتداين بشكل متواصل دون أن تتجه إلى تحسين مواردها الذاتية، والتي لم تعمل الحكومات المتعاقبة على تحسينها وتطويرها، مضيفا إلى أن الجهود التي يتم بذلها اليوم في هذا السياق لا تزال غير كافية، فنسبة الموارد الذاتية من الميزانية بشكل عام تتراوح بين 70 و75 بالمئة وهي نسبة ضعيفة مقارنة بالمعايير الدولية.

المناخ في تونس مشجع للاستثمار، فالوضع الاجتماعي هادئ وأكثر استقرارا رغم الأزمات

حكومة الشاهد

بخصوص أداء حكومة يوسف الشاهد، والانتقادات التي واجهتها بخصوص مشروع الميزانية بالأساس، يرى ممثل الجبهة الشعبية في مجلس نواب الشعب، أن الحكومة تواجه ضغوطا داخلية وخارجية، باعتبار أن تواجدها كان في إطار انتقالي بين حكومة قديمة أعدت المشروع وبين الاستحقاقات الدستورية التي يجب عليها أن تعرض القانون في إطارها.

والإشكال هنا هو إشكال خيارات، وفق منجي الرحوي، الذي قال “أعتقد أن الحكومة لم تهتد بعد إلى إجراء القوانين الضرورية والتي تحدث الرجة الإيجابية وتترك الانطباع الجيد بما يمكنها من أن تتحول من حكومة ائتلاف حزبي إلى حكومة ائتلاف شعبي”.

سياسة القروض

بخصوص القرض الذي تسعى تونس للحصول عليه لتدعيم الميزانية المقبلة، بين الرحوي أنه وقع إصداره بواحد مليار أورو، أي ما يعادل ألفين وخمسمئة مليون دينار تونسي، وسيتم دفعه على حصة واحدة. وقال إن “ظروف إصداره شبيهة بظروف الحصول على القرض من قطر الذي اضطررنا إلى تأجيل دفعه إلى السنوات القادمة”.

ويضيف الرحوي أن هذا التأجيل، القسري، سينعكس عنه ضغط في تسديد الدين، ومثل هذا الوضع يربك الاقتصاد ويجعل تونس في ضائقة مالية حيث تم إصداره في وقت وجيز لغلق ميزانية 2016، دون أن تتوفر الفرصة لمناقشة شروط القروض وكيفية الخروج بشكل مريح للسوق المالية. ويصف الرحوي، ممثل تيار اليسار في مجلس نواب الشعب، سياسة صندوق النقد الدولي بمثابة القوة والأداة التي تمارس بها السياسات الأجنبية ضغوطها على الدولة التونسية وتصورها الاقتصادي وإصلاحاتها الاقتصادية. ويعتبر أن كل الإصلاحات التي تتم في تونس هي من إملاءات صندوق النقد الدولي، كإملاءاته في سياسة الصرف وتغييرها، والتي كانت من عوامل تراجع قيمة الدينار التونسي.

وأضاف أنه في الفترات السابقة تم إحداث مجموعة من القوانين حسب المثال التنموي كما يراه صندوق النقد الدولي لا كما يراه التونسيون، كقانون البنوك والقانون الأساسي للبنك المركزي والشراكة بين القطاع العام والخاص وأيضا قانون المزاحمة والأسعار، والقوانين المتعلقة بالشركات التي تعاني من صعوبات اقتصادية.

الحلول البديلة للخروج من المأزق الاقتصادي والاجتماعي تتمثل في تحسين الموارد الذاتية من خلال مقاومة الفساد والتهرب الجبائي

ويرى النائب التونسي أن سياسة الرضوخ للصندوق فيها إجحاف وخروج من المسار العام والتصور الذي يجب أن تعتمده الحكومات، ويضعف قدرتها على تنفيذ استحقاقات الثورة المنادية بمقاومة البطالة والفقر والتركيز على الجهات والعمل على توفير عدالة اجتماعية.

وحمّل الرحوي صندوق النقد الدولي جانبا كبيرا من ارتفاع التكلفة الاجتماعية في البلاد، نتيجة شروط الإقراض التي يفرضها على الدول التي تضطر لسبب ما إلى التداين من المؤسسة الدولية. وقال إن التداين أجبر القائمين على رفع الدعم الحكومي ما يؤدي إلى المزيد من التفقير والتباين بين الطبقات ويؤدي حالة من الغليان الشعبي خاصة أن الخمس السنوات التي مرت كشفت أن القدرة الشرائية للمواطن اهترأت بالرغم من ارتفاع الزيادة في الأجور.

ويرى منجي الرحوي أن الحلول البديلة للخروج من المأزق الاقتصادي والاجتماعي يتمثل في تحسين الموارد الذاتية من خلال مقاومة الفساد والتهرب الجبائي، وهذا أمر يتطلب عمل سنوات، مضيفا “لو بدأنا هذا العمل من ثلاث سنوات لكانت النتائج اليوم موجودة”. وأضاف الرحوي أن الاقتصاد التونسي فيه ما يكفي من موارد لتحسين الوضع وقادر على عدم اللجوء إلى سياسة الاقتراض، خاصة بهذا الحجم من التداين الخارجي.

وكشف أن تونس تمتلك ثروة هامة يجب أن تحرص على تحسينها، وعلى قدر هذا التحسين ترتفع نسب النمو، وهو ما سيكون له مردود مباشر على الموارد الذاتية للميزانية.

ومن الحلول التي اقترحها الرحوي ضرورة تحسين الحوكمة، خصوصا في ما يتعلق بالصناعات الاستخراجية كالنفط والغاز والفسفاط، حيث تقدر موارد ربح الدولة من هذه الثروات الطبيعية قرابة مليار دولار، وهو مبلغ في غاية الأهمية، ويمكن أن يرتفع عند تحسين إدارة هذه الصناعات وتتخلص من اللوبيات وتكون بعيدة على الفساد.

مؤتمر الاستثمار

ستشهد تونس مؤتمرا دوليا للاستثمار أواخر نوفمبر الجاري وتراهن عليه لدفع عجلة اقتصاد البلاد، ويرى منجي الرحوي أن على الحكومة الاستعداد بشكل إيجابي لهذا المؤتمر، مقترحا أن تستثمر الدولة في المؤسسة الاقتصادية وفي الجهات وتحسين المؤسسات الاقتصادية الوطنية وجعلها في تنافسية دولية عالية حتى تتمكن من أن تلعب دورها في مناخ المنافسة المحتدم وتكون لها قدرة تنافسية كبيرة. ويرى الرحوي أن على المؤسسات العمومية والخاصة المشاركة في خلق هذا المناخ الإيجابي لتحقيق النتائج الربحية المطلوبة، وأن تكون أحد محركات الاستثمار بشكل عام.

وقال إنه خلال المؤتمر المزمع انعقاده في تونس يومي 29 و30 نوفمبر ستقدم تونس مشاريع تسوق للاستثمار جيدا، وهو ما سيتطلب تحسين قانون المالية حتى يكون من إحدى نقاط الجاذبية، وكذلك سيتم إصدار مجلة الامتيازات الجبائية خلال الندوة الوطنية للاستثمار وتقديم المشاريع القادمة للسنوات الخمس المقبلة.

وأكّد منجي الرحوي في حديثه، الذي طغى عليه الجانب الاقتصادي بسبب خصوصية المرحلة التي تمر بها البلاد، على أن المناخ في تونس مشجع للاستثمار، فالوضع الاجتماعي هادئ وأكثر استقرارا رغم الأزمات، كما أن الأمن التونسي حقق نجاحا على مستوى السيطرة على التهديدات الإرهابية، ما يشجع على الاستثمار ودفع عجلة السياحة.

ليعرج، في ختام حواره، على رهاناته السياسية ضمن الائتلاف اليساري، خاصة وأنه وجه انتقادات أثارت جدلا كبيرا، لأن المستهدف بها كانت الجبهة الشعبية، وهو تحالف يساري، ينتمي إليها حزب الوطنيين الديمقراطيين، المنتمي إليه الرحوي، الذي يرى أن الجبهة بحاجة إلى تطور وتحسن أدائها أكثر لتكون قوة أساسية فاعلة في المشهد السياسي وتكون في مستوى انتظارات الشعب والمنخرطين فيها، مشيرا إلى حزب الوطنيين الديمقراطيين في انتظاره مستقبل مهم في البلاد.

وعمّا يتردد في شأن قيام الرئيس الباجي قائد السبسي بتكوين جبهة سياسية منافسة لحركة النهضة في الانتخابات القادمة، خاصة وأن حزب نداء تونس يشهد خلافات حادة، قال إنه “سيدلي برأيه عن الجبهة في حال تأسيسها”، وحول متى يتم الإعلان عن ذلك رسميا من قبل رالجهات المعنية، قال إن ذلك يبقى مجرد تخمينات.

صحافية من تونس

12