منحاز وغير موضوعي ومتطرف

الثلاثاء 2013/09/03

الشعر هو سلاحي وفأسي الوحيدة التي أحاول بها تحطيم الجدران التي تصرح بمحدوديتي… هو وسيلتي الحميمة لتوسيع حدود هذا العالم والإفلات من أسواره الضيقة.

لا يمكنني أن أتصور الشاعر موضوعيا في علاقته بالشعر! فالشاعر منحاز "مع سبق الإصرار"، ما دام يحاول اقتراح فضاء جديد للشعر، يعتقد أنه إضافة نوعية لكل ما كتب حتى الآن. وإلا فلماذا يقدم على كتابة نص جديد، إن لم يراوده هاجس كسر حدود هذا العالم الرتيب.

كلما كان الشاعر موضوعيا في علاقته بالشعر كلما وهن مشروعه وقوة الدفع الداخلية لكتابة نص شخصي مختلف! والعكس أجمل! فكلما كان الشاعر محلقا في أفق ذاتي مختلف وغير منطقي وغير مؤسَّس، كانت ذخيرته أمضى وذهابه أبعد!

الشعر هو سلاحي وفأسي الوحيدة التي أحاول بها تحطيم الجدران التي تصرح بمحدوديتي… هو وسيلتي الحميمة لتوسيع حدود هذا العالم. لكن في الوقت نفسه، فإن تلك المساحة الشخصية هي أوسع قاسم مشترك بين كل من يجد هذا العالم ضيقا ومتوقعا لدرجة محبطة.

الشعر هو وسيلتي الوحيدة التي اتقدم بها إلى أفق مفتوح ولانهائي.

أعتقد أن الشعر لا يكون! إلا إذا تخلى عن كافة الوظائف النفعية والاجتماعية! الشعر الحقيقي كان على مر التاريخ إفلاتا من الوظائف ومن شروط المنجز الضاغطة، ذلك المنجز الذي خلط تلك الوظائف بهوية الشعر، حتى أصبح معظم متلقي الشعر ينتظرون من القصيدة ما ليس من الشعر في شيء، وأصبح للمنجز مناخاته ودروبه الضيقة.

أعتقد بذاتية مطلقة أو بتعسف، لا فرق، أن "وظيفة" الشعر الوحيدة الخالصة، هي مواجهة الحصار الوجودي وجعل محدوديتنا محتملة، فهو كما يقول وليم بتلر ييتس "استعداد لانهائي لشيء لن يحدث قط".

وظيفة الشعر الوحيدة هي التوغل في الهم الوجودي للشاعر. الشعر هو السبيل الوحيد للتقدم إلى الداخل، وهو الإكسير الذي يطلقني في مهمة دون كيشوتية أزلية لإيقاظ عماء الطبيعة. إنه محاولة للإمساك بـ"الآن" الذي يساوي الأبد.

هو ذهاب إلى مادة الوجود الأولى وتشكيل ما لم يتشكل.

أنا أكتب عن خط تماسّي مع الكون، أكتب جسدي ورحلة حواسي.

الشعر لا يمكن اختزاله في صور شعرية منمقة ومتجاورة، ولا هو قصائد جميلة تتراكم، إنه مشروع شاعر، راءٍ يريد أن يقول أنا أرى العالم من زاوية مختلفة، ألمسه وأرى طريقا شخصيا للإفلات من أسواره.

لهذا فإن أول ما أبحث عنه عند قراءة الشعر هو حضور الشاعر ككائن ينبض خلف سطح النص، وإذا لم أعثر على ذلك فإني لا أستطيع مواصلة القراءة.

في النص الجيد أجد الشاعر يتقدم بيقين إلى دواخله، وهو في الوقت نفسه يتقدم بي إلى دواخلي. في النص الرديء يتحرك بعشوائية على سطوح الأشياء والكلمات، يكتب ما لا يجد له مرادفا في أعماقه، فيأتي النص جثة هامدة.

جميع القصائد هي محاولات فاشلة للقبض على الشعر لكنني:

"بيقين دون كيشوتي

أواصل انتظار القصيدة

التي ستوقع الأبدية في شراكي".

_____________


كاتب وشاعر عراقي مقيم بلندن

14