منحدرات أممية في طريق الليبيين نحو حوار جنيف

بعثة غسان سلامة متهمة بمحاولة شق الصف البرلماني بسبب ميولاتها لدعم أحد أطراف النزاع.
الأحد 2020/02/16
دور يثير الكثير من الشك والريبة

تواجه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اتهامات معلنة من قبل مجلس النواب وقيادة الجيش الوطني بالتواطؤ مع أحد أطراف النزاع، في إشارة إلى قوى الإسلام السياسي المرتبطة بحكومة فايز السراج المعزولة في 5 في المئة من المساحة الجملية للبلاد.

ويسعى جانب من المجتمع الدولي والقوى الإقليمية إلى إعادة تدوير هذه الحكومة كما حدث في ديسمبر 2015 من خلال اتفاق الصخيرات، عندما أعيد إحياء المؤتمر الوطني المنتهية شرعيته بنتائج انتخابات 2014 للدفع به من جديد إلى الحكم عبر ما سمي بالمجلس الأعلى للدولة، في فرض لسياسية الأمر الواقع على ضوء معركة الانقلاب التي قادتها ميليشيا فجر ليبيا بدعم قطري تركي، وبتواطؤ من بعض الأطراف الأوروبية الفاعلة في الملف الليبي.

اليوم، وبعد خمس سنوات، شهدت فيها ليبيا الكثير من الأحداث، وفي مقدمتها إطلاق الجيش الوطني لعملية الكرامة التي حررت شرق ووسط وجنوب البلاد من الإرهاب، وحصنت منابع الثروة من ميليشيات المرتزقة ولصوص المال العام، وجعلت الحكومة المنبثقة عن البرلمان برئاسة عبدالله الثني تدير الشأن العام في مدن وقرى لا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن مقر حكومة الوفاق في طريق السكة، يحاول غسان سلامة العودة إلى نقطة الصفر.

ويشير مراقبون إلى أن مشكلة البعثات الأممية تبدو واحدة في المنطقة العربية، من العراق إلى سوريا واليمن وصولا إلى ليبيا، حيث أن أدوارها في مختلف الملفات بدت أقرب إلى وجهات نظر القوى المتمردة والميليشيات والجماعات الخارجة عن القانون، وتخدم مصالح قوى بعينها في ظل توازنات يراد لها أن تتشكل على حساب العرب بخرق سيادة الدول والتلاعب بوحدة المجتمعات والشعوب.

ولا شك أن الليبيين، يدركون طبيعة الدور الأممي في بلادهم، وما يقوم به غسان سلامة المبعوث الأممي السادس إلى ليبيا منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في 2011، بعد الأردني عبدالإله الخطيب، والبريطاني إيان مارتن، واللبناني طارق متري، والإسباني برناردينو ليون، والألماني مارتن كوبلر.

تميزت محاولات المبعوثين الأمميين بتجاهل أساسيات المجتمع المحلي وخصوصياته وتاريخه وصلته بمؤسسة الحكم وتكوينه الثقافي المتنوع، والانحياز إلى منظومة بعينها تمثلها أسر وتيارات محدودة العدد والتأثير والقابلية الشعبية تكاد تكون منحصرة في طرابلس ومصراتة، وهو ما جعل الأمم المتحدة تعجز عن تحقيق أدنى قدر من المصالحة الوطنية، بينما حققها الجيش بدعم قبلي واسع في المناطق الخاضعة لنفوذه.

واليوم، تحاول البعثة الأممية الانقلاب على ما حققته القوات المسلحة ومن ورائها الأغلبية الساحقة على الميدان، من خلال عملها على الدفع نحو حوار جنيف (26 فبراير) وهو أحد مخرجات مؤتمر برلين المنعقد في 19 يناير الماضي، بدعوة ما يسمى بلجنة الأربعين، التي تقرر تشكيلها من 13 عضوا يمثلون مجلس النواب المنتخب والمعترف به دوليا باعتباره السلطة الشرعية الأولى في البلاد، مقابل 13 عضوا يمثلون مجلس الدولة الذي يمتلك صفة استشارية لا غير، وفق اتفاق الصخيرات، وليست له صفة تشريعية، في مساواة بعيدة عن الواقع يراد لها أن تكون حصان طروادة للتلاعب بالواقع السياسي الفعلي، مع 14 عضوا يتم اختيارهم وفق ميولات البعثة.

مجلس النواب أدرك حقيقة الطبخة الأممية والتي لا تختلف عمّا طبخ في الصخيرات في 2015 عندما تم الضغط على ممثليه  للدفع نحو اتفاق مشبوه، من أبرز معالم الشبهة المحيطة به المجيء بفايز السراج إلى صدارة الحكم
مجلس النواب أدرك حقيقة الطبخة الأممية والتي لا تختلف عمّا طبخ في الصخيرات في 2015 عندما تم الضغط على ممثليه  للدفع نحو اتفاق مشبوه، من أبرز معالم الشبهة المحيطة به المجيء بفايز السراج إلى صدارة الحكم

أدرك مجلس النواب حقيقة الطبخة الأممية والتي لا تختلف عمّا طبخ في الصخيرات في 2015 عندما تم الضغط على ممثليه سواء بالترهيب أو الترغيب واستغلال الجنسيات المزدوجة لعدد منهم من قبل حكومات غربية بعينها، للدفع نحو اتفاق مشبوه، من أبرز معالم الشبهة المحيطة به المجيء بفايز السراج إلى صدارة الحكم رغم أنه لم يكن معروفا كفاعل سياسي لا في العهد السابق ولا في مرحلة ما بعد الإطاحة بالنظام.

لذلك أطلق مجلس النواب أربعة شروط للمشاركة في حوار جنيف وهي:

  • يختار المجلس ممثليه من قبله.
  • إحالة قائمة الأربعة عشر من المستقلين الذين ستختارهم البعثة إلى المجلس لإعطاء رأيه.
  • يتم بشكل واضح تحديد مهمة اللجان وآليات عملها والمدة الزمنية للحوار.
  • لا يتم إقرار واعتماد أي حكومة إلا بعد المصادقة عليها من مجلس النواب.
  • عدم مساواة عدد الممثلين لمجلس النواب المنتخب بعدد ممثلي مجلس الدولة الاستشاري.

لكن يبدو أن البعثة الأممية لم تعجبها شروط البرلمان المنتخب فقررت اختراقه لتهميش دوره، والانقلاب على شرعيته. ووفق ما قاله مصدر مطلع لـ"العرب" فإن البعثة اتجهت للاتصال بالنواب فرادى لإغرائهم بالمشاركة في الحوار ومحاولة الدفع بمن يبدي الاستعداد للخروج عن الصف والالتحاق بالأعضاء المنشقين الذين يجتمعون تحت غطاء جماعة الإخوان بطرابلس.

ودعا عضو مجلس النواب إبراهيم الزغيد المبعوث الأممي إلى الأخذ في الاعتبار أن مجلس النواب هو الجسم التشريعي الوحيد المعترف به دوليا في البلاد، متهما سلامة بمحاولة سحب البساط من تحت البرلمان.

وقال عضو مجلس النواب محمد العباني إنه تلقى اتصالا هاتفيا، من سيدة عرّفت نفسها أنها من البعثة الأممية للدعم في ليبيا، طلبت منه ملء استمارة الترشح لمؤتمر جنيف، فكان رده “الترشح وقرار الحضور من عدمه يتخذ تحت قبة البرلمان”. ونفس القصة رواها النائب علي السعيدي، الذي رد بنفس رد العباني، موضحا أن مجلس النواب سبق وأن أرسل 5 نقاط للبعثة الأممية تضمنت الكثير من النقاط التي تتعلق بالحوار، إلا أن البعثة لم ترد عليها حتى الآن.

وقال السعيدي إن رسالة وصلته عبر تطبيقي “فايبر وواتساب” تتضمن نموذجا خاصا بالدائرة الانتخابية بغرض الحوار، معتبرا أن هذه الخطوة تعكس خروج البعثة عن اختصاصاتها وهي الدعم والمساندة وإقحام نفسها في شؤون مجلس النواب الذي هو أعلى سلطة في ليبيا.

ولفت إلى أن هذه ليست المرة الأولى حيث سبق للبعثة وأن تواصلت في ديسمبر مع النواب طالبة منهم اختيار شخص عن كل دائرة، مشددا على ضرورة عدم التخلي عن سيادة مجلس النواب واختصاصه الأصيل في المشاركة بالحوار واختيار ممثليه.

 أحمد المسماري: تصريحات سلامة في مجلس الأمن تهدف لتشويه صورة القوات المسلحة أمام الأصدقاء في المجلس
 أحمد المسماري: تصريحات سلامة في مجلس الأمن تهدف لتشويه صورة القوات المسلحة أمام الأصدقاء في المجلس

وجاءت تصريحات النواب، لتكشف عن أساليب البعثة الأممية في محاولات اختراق للبرلمان تبدو أقرب إلى التصرفات الإخوانية التي تم تجريبها في أكثر من بلد، من خلال شق صفوف القوى المنافسة بالإغراءات المالية والسياسية ووعود المناصب والكراسي والتبني الدولي.

وما يزيد من حالة الغموض حول دور البعثة، اتهامها من قبل الجيش الوطني بمحاولة تشويه صورته أمام مجلس الأمن بـ"ادعائه عدم سماح القيادة العامة لرحلات البعثة الجوية بالهبوط في ليبيا"، وفق ما ورد على لسان المتحدث باسم القيادة العامة أحمد المسماري الذي قال إن تصريحات سلامة الأخيرة هي "رسالة لمجلس الأمن الذي يناقش الأزمة الليبية الليلة، تهدف إلى تشويه صورة القوات المسلحة أمام الأصدقاء في المجلس".

وأعرب المسماري عن استغرابه لهذه التصريحات، خصوصا أنها تأتي في وقت "ترحب فيه القيادة العامة بالبعثة الأممية في مناطق سيطرتها"، وآخرها زيارة المبعوث الأممي لبنغازي، وقال "لدينا 45 مطارا ومهبطا وقاعدة يستطيع سلامة استخدامها"، لافتا إلى استقباله في بنغازي على "أعلى مستوى".

كما استهجنت القيادة العامة للقوات المسلحة بيان البعثة الأممية حول عدم منح الإذن لطائراتها بالهبوط في المطارات الليبية، موضحة أن القيادة مستعدة لاستقبال طائرات الأمم المتحدة في كل المطارات التي تؤمنها في أرجاء البلاد.

وأكدت القيادة في بيان لها أن ما جاء في بيان بعثة الأمم المتحدة لا يعبر عن حقيقة الأمور، ولا ينقل الصورة الحقيقية للرأي العام المحلي والدولي وصانعي قرار الأمم المتحدة، مشيرة إلى أنها لا يمكن أن تعطي ضمانات لهبوط الطائرات في مطاري معيتيقة ومصراتة اللذين ليسا تحت تأمين القيادة العامة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، فالبعثة الأممية تواجه انتقادات بسبب ميولاتها لدعم أحد أطراف النزاع، وعدم سعيها للوقوف عند الشرط الأساس لحل الأزمة، وهو تفكيك الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية وجمع السلاح والاعتراف بمؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش الوطني، وكذلك صمتها غير المبرر أمام تدفق السلاح والمرتزقة والخرق المفضوح لاتفاق برلين وعدم تنديدها المباشر بالتدخل التركي والتحشيد الميليشيوي في مختلف الجبهات، واعتمادها في تقاريرها على مصادر أحد أطراف النزاع دون غيره، وأحيانا على ما تورده الميليشيات على صفحات الفيسبوك، مثل فضيحة الحديث عن تهجير عدد من الموالين من النظام السابق من سرت بعد تحريرها من قبل القوات المسلحة في السادس من يناير الماضي، بينما كان العديد من أبناء المدينة يحتفلون رافعين صور القذافي والأعلام الخضراء أمام قوات الجيش التي لم تقمعهم وإنما وفرت لهم فرصة للتعبير عن عواطفهم المكبوتة منذ العام 2011.

بات دور البعثة الأممية في ليبيا وخاصة رئيسها غسان سلامة محل شك من قبل أغلبية الليبيين، وخاصة من حيث محاولته ترجيح كفة حكومة السراج المعزولة في طرابلس وقوى الإسلام السياسي المسيطرة عليها في حوار جنيف المرتقب، وسعيه إلى تجاهل ما يدور على الأرض، فالبرلمان المنتخب وإن كان يواجه خللا داخليا بسبب تنوع الولاءات وتعددها، فإنه يبقى الطرف الشرعي في المعادلة الحالية، وهو الغطاء السياسي للجيش الذي يسيطر على أكثر من 95 في المئة من مساحة البلاد، وللقبائل التي لم يستطع أي طرف قمع إرادتها عندما قررت إغلاق حقل وموانئ النفط، كما أنه الغطاء التشريعي والدستوري للحكومة الفاعلة على أغلب مناطق البلاد.

4