منحوتات تثير الجدل حول مفهوم البساطة والتجريد

سام شندي فنان مصري – بريطاني يجنح بالتجريدية إلى عوالم الصغار.
الأحد 2020/11/15
سام شندي تمادى بعيدا في التجريد والترميز ما يجعل أعماله تحتاج إلى شرح طويل

فتح معرض فني بالقاهرة أقامه الفنان المصري ـ البريطاني سام شندي تساؤلات عديدة حول حدود البساطة في النحت، والمدى الذي يجب تركه للمتلقي لإعمال عقله في الأعمال التي يشاهدها، بعدما جاءت مجسماته شديدة البساطة، وتحوي تركيبات لونية غير مألوفة شبيهة بألعاب الأطفال. لكنه حمّل أعماله العديد من الأفكار العميقة، التي تحتاج إلى قراءة من زاوية مختلفة، لتجاوز بساطتها المخاتلة والولوج إلى الرسالة الفنية والفلسفية التي يسعى الفنان إلى بثها ولو عبر الصدمة.

أصيب زوار معرض الفنان سام شندي بقاعة “غاليري آرت” بالزمالك بصدمة من الوهلة الأولى لرؤية المعروضات، واتخذ البعض خطوات إلى الخلف للتأكد من أن أقدامهم لم تضل الطريق داخل قاعة مخصصة لمعروضات الأطفال.

مال المعرض، الذي اختتم فعالياته أخيرا، تحت عنوان “الوطن.. الأم”، إلى التجريدية في تناول أفكاره ليحمل كل من معروضاته معنيين في آن واحد، أحدهما مباشر بمشهد للعلاقة الفريدة بين الأم وأبنائها، والآخر رمزي للوطن كحيز مكاني ورابطة نفسية، لا تنقطع ثمرة إنتاجه من البشر الذين يقطنونه أو يرحلون عنه.

وشارك شندي بمنحوتة أخرى في صالون القاهرة 59 بقصر الفنون بدار الأوبرا بالقاهرة، الذي اختتمت فعالياته في السابع من نوفمبر، بعنوان “صائد الأحلام” جذبت الانتباه أيضا لكنها تتسم بجودة على المستوى الشكلي من منحوتات معرضه الخاص فتبتكر كائنا خرافيا بعين واحدة وقرون حيوانية تحمل فوقها طائرا مغردا في رؤية تتماشى مع عالم لا مادي يعيشه الإنسان في  سباته.

مقارنات فنية

لا نحتاج إلى الأيدي
لا نحتاج إلى الأيدي

فتحت طبيعة الخامات المستخدمة في المعروضات بالاعتماد على مادتيّ الفيبر غلاس والراتنجات (زجاج أكريليك) والمعادن، وبساطتها الشديدة في التركيب، الباب للمقارنة بالتماثيل المعروضة في مناطق الألعاب المائية أو الموضوعة في باحات مدارس المراحل الابتدائية، خاصة مع تركيباتها اللونية غير المعتادة بالجمع بين الأحمر والأصفر والأزرق والوردي والقرمزي في مجسم واحد.

تتسم أعمال شندي، الذي تخرج من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ويعيش في لندن منذ قرابة العقدين، بالاقتضاب المفرط في عناصر التصميم، ويمنح قدرا كبيرا من الارتباطات المجازية والرمزية، برد الشكل البشري لأبسط صوره، واختصاره أحيانا في أشكال مجردة، فما يهمه في النهاية هو الأبعاد الإنسانية والنفسية.

يبدو التأثر كبيرا بأفكار النحات الإنكليزي الشهير هنري سبنسر مور، الذي تميزت أعماله بالتجريدية والحداثية، وتقديم الإنسان دون تفاصيل كثيرة مع عناية بالفراغ وتوظيفه في تماثيله ذات الطابع الأسري، وصولا إلى التمثال اللغز الذي يجب أن يتوقف المشاهدون أمامه كثيرا للتدبر في معانيه.

لكن أعمال مور المعروضة في العديد من الميادين الشهيرة في العالم اعتمدت على خامات تقليدية من الحجر والأخشاب وليس خامة واحدة، مع تنويعات شكلية للفكرة التي سيطرت عليه في فترات طويلة من حياته التي لم تخرج عن الأمومة، بما يتماشى مع فنان مرهف عايش الحرب العالمية الثانية، وشاهد الكم الهائل من الخسائر.

أعمال بلا أرجل أو أياد، للإيحاء بأن الإنسان لا يحتاج إلى إظهار عضلات أو قدرات على الرسوخ في الأرض

وشارك شندي في عدد من المعارض الدولية منذ قرابة عشرة أعوام، وجذب الانتباه حينها بطبيعة المعروضات المغايرة التي يقدمها، ودفعت إلى الاستعانة به في مجال التصميمات الافتراضية في بعض أفلام الخيال العلمي الأميركية أشهرها “أفنجرز”.

ربما تمادى الفنان في معرضه الأخير بعيدا في التجريد والترميز بما يجعل أعماله تحتاج إلى شرح طويل لإيصال معانيها بتحويل الأجساد إلى أوعية تحوي أفكاره فقط.

جاءت أجساد النساء خالية من الأنثوية بنهود صغيرة دون تفاصيل للوجوه أو أشكال بيضاوية، فلا يريد توظيفا للمرأة كمحرك للغرائز أو تجسيدا للجمال المادي، لكن بالمشاعر الداخلية التي تحملها أيا كان شكلها أو لونها، ليعزل جمهوره عن وسائل التشتيت التي تبعده عن الرسالة التي يسعى لتوصيلها.

 يرى شندي أن معرضه يحمل تساؤلات حول معنى الوطن، فهل هو مكان نقيم فيه ماديا فقط، أم مكان نشعر داخله بالأمان، أم ثقافة نرتبط بها، أم ذكرى نظل نحنّ إليها حال ابتعادنا، أم مشاعر تحرك ما داخل النفوس أم عواطف موصولة ببشر شكلوا وجداننا في الصغر؟

ويجيب عن أسئلته ببساطته، فالوطن بالنسبة إليه يحمل معاني وجدانية أكثر من المادية، فإذا كان الموطن الذي نشأ به وأثر فيه، لكنه في الوقت ذاته هو الرائحة المألوفة للأنوف، ولمسة أنامل اليد للأشياء المحببة، ومكان خال من القلق، فالوطن هو الأخوة والأقارب والأصدقاء، الوطن في النهاية هو الأم.

أشكال غير مألوفة
أشكال غير مألوفة 

يعتبر شندي الألوان النقطة الأساسية التي يستخدمها لتوصيل أفكاره والتعبير عن المشاعر الإنسانية، ربما تتنافى مع المعاني العميقة التي يستهدف توصيلها فدمج جسد المرأة وطفلها في المركب ليصبحا كيانا واحدا كما لو كانت تبحر به بحرا هائجا في الحياة، وامرأة أخرى تتحول إلى سمكة تحمل صغيرها في أحشائها وتنظر إليه دون أي اكتراث بالمخاطر، وحملت تركيبات لونية مبهجة لا توصل الرسالة المشوبة بقدر من الحزن والقلق والتوتر.

ويشير إلى أنه “يريد أن  يعطي الأجيال الجديدة شيئا ملونا وليس صادما وأن يفهم الناس أن الفن يمكن أن يكون تعليما ويغير نفسية الشخوص، وينظرون ويفكرون ويعرفون أن منحوتاته تأتي من الواقعية”.

يجمع بين النساء في منحوتات شندي ارتداؤهن جميعا غطاء للرأس، في دلالة على معاناة النساء العربيات كثيرا من مصاعب الحياة والإحباطات، وعجز الكثير منهن عن تغيير واقعهن الصعب في مجتمعات يسيطر عليها الذكور، وتضع قائمة طويلة من المحاذير التي تقيد انطلاق النساء في الحياة واستمتاعهن بها.

ويضع شندي عنوانا واحدا مقتضبا لجميع منحوتاته لخلق رابطة بصرية ونفسية تجمعها لتخلق معا قصة مصورة من مجموعة مشاهد متتالية بتوقيتات زمنية متباينة، بمشهد لأم حامل بجنينيها ثم أخرى تحمل وليدها على يديها وثالثة يلهو رضيعها على رأسها في سعادة وخامسة يتشبث طفلها بطرف جلبابها.

رؤية جدلية

تركيبات لونية غير معتادة
تركيبات لونية غير معتادة

 تفتح رؤية الفنان التشكيلي أسئلة جدلية حول مفهوم البساطة في الفن وحدود التجديد والفواصل التي تفرق العمل الفني والأنشطة الحياتية المعتادة، فورش صناعة الفايبر غلاس تنتج يوميا عشرات التماثيل من الخامة ودرجة الألوان ذاتها، وتفتح جدلا حول الحدود التي يجب على المتلقي أن يعمل فيها عقله وصولا إلى الاستمتاع بما يشاهده.

يمثل الجنوح اللوني للفنان إلى عمله لمدة أربعة أعوام في مجال الديكور، ما يجعل أعماله قريبة الشبه بتماثيل لتزيين المنازل، في ظل اعتمادها على نمط من الدهانات المستخدمة في طلاء السيارات والأثاث المنزلي، لمنحه نعومة وبريقا يظهر بانعكاس الإضاءة على خطوطه.

وشارك شندي خلال الأعوام السبعة الأخيرة في 17 معرضا جماعيا وفرديا في بريطانيا واسكتلندا وألمانيا وبلجيكا والبرتغال، وحصل على ثلاث جوائز أهمها جائزة للجمعية الملكية البريطانية للنحاتين، لكن أعماله المشاركة في تلك المعارض كانت مختلفة وتجنح نحو التركيبات الصالحة للاستخدام كعنصر تجميلي في الميادين.

وما يجذب الأنظار في تلك النوعية من التماثيل هو غموض صناعتها، مع تأكيد شندي أنها لم يتم صبها داخل قوالب شبيهة بأعمال الجص، لكن صاحبها يوضح أنه يتم نحتها كأي عمل تقليدي والتخلص بكفاءة من الشوائب والزيادات ودهانها بصورة تمنحها شكلا مغايرا.

تخلو أعمال شندي من الأرجل أو الأيدي، للإيحاء بأن الإنسان لا يحتاج إلى إظهار عضلات أو قدرات على الرسوخ في الأرض، لكن قوته تنبع في ما يضمه صدره وعقله من مشاعر وأفكار، وأن الحنين للوطن لا يمكن خلعه من القلوب مهما طالت سنوات الغربة، أو بعدت المسافات أو زادت الحواجز الجغرافية.

تعبر مشاركاته عن أسلوب متطور يجمع بين النحت والتصوير والتجديد والحداثة، ففي قرارة نفسه يؤمن كثيرا بأن أعماله ترد فكرة النحت الأكاديمي التقليدي إلى معان رحبة من الإنسانية، لكن غياب التفصيلات والملامح عن جميع تماثيله جعلها تحمل الشكل والفكرة ذاتها، إلا في استثناءات بسيطة.

صورة

 

14