منحوتات ساحل العاج تزاوج متناسق بين التقنية والجمالية

منذ زمن طويل، قرن الغرب منحوتات الخشب المنتجة في أفريقيا الغربية، وخاصة في ساحل العاج، مجرد قطع من الصناعات التقليدية، ولكن تلك النظرة بدأت تتغير منذ خطاب أندري مالرو عام 1966، بمناسبة المهرجان العالمي للفن الزنجي، حين أكّد أنه، من خلال نحتها، تستعيد أفريقيا موقعها في عقول البشر، دون أن يفلح في رفع الغبن عن مبدعي هذا الفن، إذ ظلوا مجهولين خارج بلدهم. للتعريف بهم وبتنوع فنهم، يقيم متحف رصيف برانلي بباريس حتى موفى الشهر الجاري معرضا لأربعين فنانا.
الاثنين 2015/07/13
المنحوتات الأفريقية ليست أدوات طقوسية، بل فن قائم بحد ذاته

مئتا قطعة فنية تاريخية لأربعين فنانا من ساحل العاج، هم من أعلام القرنين التاسع عشر والعشرين وتلاميذهم، جيء بها إلى متحف رصيف برانلي بباريس من متحف الحضارات بأبيدجان، ومتحف الفن الحديث بنيويورك، ومؤسسة باربييه مويلر ومتحف ريتبرغ بزيوريخ.

ولم تعرض كما جرت العادة في مثل هذه التظاهرات موزعة وفق نوع المنحوتات (أقنعة، تماثيل مصغرة، بكرات نسج، دعائم، ملاعق مراسم)، أو المواد المستعملة (خشب مجنزر أو مطلي، عاج، سبائك مخلوطة بالنحاس)، ولا حتى حسب الانتماء الجهوي أو الإثني (شعوب السنوفو، لوبي غورو، دان، باولي )، بل حاول المفوضان السويسريان إرهارد فيشر ولورنز هومبرغر تقديمها ما استطاعا حسب الفنانين.

مثل هونلين هيين وويبريكا بالي وكيبومي يول الملقب ببويو من طائفة لوبي، ويوبي وسرا وتامي من طائفة دان، وصابو بي بوتي من قبائل غورو، وأتسان نشو من شعوب البحيرات، وكل منهم له أسلوبه وأدواته وتجربته المتفردة. هؤلاء الفنانون استأنسوا ببعض من كان قبلهم يمارس النحت على المواد الصلبة كالأبنوس والعاج والنحاس الأصفر، لأغراض احتفالية شعائرية أو جمالية زخرفية، ثم حذقوه وطوروه واختطوا فيه أسلوبا يميّزهم عن سواهم، حتى صاروا مفخرة قبائلهم، حيث يحظ كل فنان بمكانة مخصوصة داخل قبيلته، تماما كالمطببين والسحرة والرواة الشعبيين والمغنين.

فـ”سرا” مثلا يعني “ربّ” بلهجة شعوب دان، وهو لقب أطلقه عليه بنو قومه لقدرته الفائقة على تحويل كل ما يقع بين يديه، من خشب النخل ونبات الكسافا والصلصال، إلى تحف فنية.

وهم إلى ذلك لا يكتفون بالنحت، بل يزاولون أعمالا أخرى، فهونلين هيين كان مزارعا، وصابو بي بوتي كان ضابط إيقاع في الباليه الوطني العاجي في السبعينات. أما تامي (ومعناه مسافر) فقد “كانت له ألف وظيفة في طائفته وخارجها، تقريبا مثل ليونادو دا فينشي في بلاط ميلانو”، كما يقول إرهارد فيشر.

حسب الزائر للمعرض أن يتملى زخم الأعمال المعروضة وثراءها وتنوعها وتعدد أشكالها ليتأكد أنه أمام مبدعين حقيقيين

فتامي كان يكلف بطلبيات، أو يؤتى به من بعيد لإنجاز أقنعة ومنحوتات وقلائد وأصنام، ينال عنها مكافآت في شكل ماعز وغنم وأبقار، ما جعله هو أيضا يؤسس ورشة تضم تلامذة ومريدين يساعدونه في إنجاز قطع فنية تحمل بصمته، على طريقة فناني الغرب من دا فينشي إلى الأميركي جيف كونس. وكان إلى ذلك مصارعا وتقنيا ماهرا في تصليح البنادق ومستحضرا لسموم خاصة تغمس فيها سهام الصيادين والمحاربين.

وبالرغم من استفادة كبار الفنانين الأوروبيين من الفنون الفريقية، مثل ماتيس وأندري دوران وصديقه مويس فلامنك وخاصة بيكاسو الذي رافقته تلك المنحوتات منذ العام 1906، ظل الغرب ينظر إلى المنحوتات الأفريقية، ليست كقطع فنية، بل كأدوات طقوسية نشأت عن فكر جماعي وصاغها حرفيون مهرة.

وانعكست تلك النظرة الاستعلائية في الرأي القائل إن براكسيتيل وميكيل أنجلو ورودان لم يولدوا في جنوب المتوسط، لتكريس فكرة مفادها أن أمة لا تملك مبتكرين ومبدعين هي أمة متخلفة بالضرورة، مما فتح الباب واسعا أمام المبشرين ثم القوات الغازية، التي ما قدمت إلاّ “لنقل الحضارة الأوروبية”، ولا شيء غير ذلك، كما شاع إبان المرحلة الكولونيالية.

وكان عالم الإثنولوجيا الألماني هانس هيمّلهيبر (1908/2003) أول من فنّد تلك المزاعم، عقب بحوث ميدانية في الغرب الأفريقي (ساحل العاج، ليبيريا، غينيا، وبوركينا فاسو، حسب الحدود الحالية) خلال ثلاثينات القرن الماضي، وانتقد ادعاء الغرب غياب فنانين في المجتمعات الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، وأثبت وجود نحاتين كبار معترف بهم داخل مجتمعاتهم بصفتهم تلك، وأنهم يوقعون أعمالهم بعلامة مميزة تدل عليهم.

واستطاع بعد لقائه بأكثر من عشرين فنانا شابا أن ينشر دراسة عن مراحل تدرب النحات في تلك الجهة، وموقعه داخل مجتمعه، والطرق التي يلجأ إليها لبيع أعماله. واستخلص فوق ذلك معطيات جديدة حول دور التقاليد ودور الإبداع الفردي في الفن. وحسب الزائر أن يتملى زخم الأعمال المعروضة وثراءها وتنوعها وتعدد أشكالها ليتأكد أنه أمام مبدعين حقيقيين، لم ينل منهم ما يستحق الانتشار العالمي إلاّ القليل.

يسجل للمعرض حرصه على الناحية البيداغوجية لإيناس الزائر الغربي بما لم يعتد مشاهدته، من خلال تقديم أدق التفاصيل عن مختلف التقنيات المستخدمة من قبل هذا الفنان أو ذاك، كالطلي بالذهب والإذابة والنسج، وخصوصية كل جهة أو قبيلة أو فنان. فيكتشف الزائر أن المنحوتات العاجية ليست مجرد فسيفساء لبعض الحرفيين المحليين، بل هي فن يقوم على المزاوجة المتناسقة بين التقنية والجمالية.

16