منحوتات من الإسمنت تحول الجدران في مصر إلى لوحات فنية

لا ضوابط للفن، إنه مجال لا يمكن حصره في مواضيع محددة أو أدوات وألوان بعينها، أو ضمن محامل دون غيرها، هذا ما أثبته مبدعان مصريان من خلال نحت مجسمات مختلفة لورود وحيوانات وأشكال مزخرفة على الحيطان بالإسمنت، تلك المادة التي لم نكن نعرف عنها إلا وظيفتها في عملية البناء دون غيرها.
الاثنين 2017/10/23
الفن ينتصر للتراب الأسود

القاهرة- ربما لا يعرف الكثيرون أن للإسمنت، أو ما يطلق عليه البعض في مصر “التراب الأسود”، استخدامات أخرى بخلاف الاستعمال في عملية البناء اليومية، فالموهبة الفنية للمصريين محمد العسال وعماد البوشي، صنعت من هذه المادة البسيطة لوحات فنية رائعة ومتنوعة.

بأناملهما التواقة إلى الفن، يستطيع العسال والبوشي، تحويل الحيطان الصماء المطلة على الشارع أو في داخل المنازل، إلى لوحات فنية لنباتات وحيوانات مختلفة تسرّ الناظرين، عبر وضع كمية من الإسمنت المخلوط بالماء، أو المخلوط بالماء والرمل على الحائط ثم نحت الشكل المطلوب بدقة عالية وسرعة متناهية.

وخلال تنفيذه إحدى هذه المنحوتات، على حائط بمحافظة الشرقية (دلتا النيل في الشمال)، يقول محمد مصطفى العسال (28 عاما)، إن تميزه في الرسم العادي، مهّد له طريق الامتياز في النحت الإسمنتي، لكن بأدوات مختلفة كليا عن الفرشاة والألوان.

يعتمد العسال في فنه على أدوات معدنية تشبه ملاعق وسكاكين الطعام، صغيرة الحجم وحادة الحواف، من أجل نحت لوحته بتفاصيل فنية مميزة وبأعلى سرعة.

ليست للفن حدود

تختلف نوعيات الإسمنت المستخدم في النحت، إذ ينقسم إلى نوعين، الأول عادي، يتم خلطه بالرمل والماء، ويستخدم للنحت على الحيطان التي لم يتم طلاؤها بعدُ، والآخر عبارة عن معجون الإسمنت، الذي يُخلط بالماء ثم يُستخدم في أشكال بارزة لتلك التي تمّ طلاؤها، بحسب العسال.

ويشير إلى أن سُمك المادة الإسمنتية المستخدمة يختلف من منحوتة إلى أخرى، لكنها في الغالب تبلغ 5 سنتيمترات، وكلما كان الُسمك أكبر كان الحائط أكثر إبرازا لتفاصيل المنحوتات، وكذلك بالنسبة إلى الإضاءة التي يتم تركيبها لاحقًا.

ورغم صعود وهبوط جسده خلال العمل، تماشيا مع تفاصيل المنحوتة التي ينفذها، يقول العسال بصوت ثابت إن تكلفة مواد النحت الإسمنتي، لا تختلف بشكل كبير عمّا في الجبس. وما يميز النحت الإسمنتي، عن هذه المادة، بحسب العسال، التنوع الكبير في المجسمات والأشكال التي يتم نحتها.

ويُرجع العسال ذلك إلى كون المنحوتة هي عبارة عن رسم، بينما الجبس الأبيض تُصنع من خلاله أشكال منسقة عبر قوالب مٌعدّة مسبقا ومحددة الأشكال، تُصب فيها المادة البيضاء بعد خلطها بالماء لتتحول إلى الشكل المطلوب.

وعقب انتهائه من تصميم المنحوتة تأتي مرحلة الطلاء، التي تستخدم خلالها مواد الدهن العادية ذاتها. وحول سعر المتر الواحد من المنحوتة الإسمنتية، يوضح العسال أنه يتراوح بين 200 و600 جنيه (11 و33 دولارا أميركيا تقريبا)، ويختلف حسب نوع المجسم المستهدف نحته.

ويلتقط طرف الحديث شريك العسال في العمل عماد البوشي (47 عاما)، والذي يعمل بالنحت الإسمنتي منذ 15 عاما، وقد اتجه إلى هذا النوع من النحت لكونه فكرة جديدة يعتمد فيها على خامات مختلفة عن خامات الديكور التقليدية.

فكرة النحت الإسمنتي، بدأت في الانتشار بعدة محافظات مصرية، كما يروي البوشي، مشيرا إلى أنه انتقل من النحت على الطين الصلصال الذي يسهل تشكيله لصغر المنحوتة إلى النحت الإسمنتي، ثم تعرف على شريكه في العمل محمد العسال، من خلال موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ليقررا التعاون سويا.

خطوط غامضة تنتهي إلى لوحة فنية

كان واقفا على سلم خشبي، وممسكًا بأدوات النحت الصغيرة، يقول البوشي “رغم كون الإسمنت بعد تجهيزه يصبح مادة صلبة وقاسية، إلا أنني أتعامل معه كصديق له لا يفارق يدي طوال النهار، لذلك أستطيع بسهولة تطويعه كما أريد والحصول منه على منحوتات ممتازة”. تنتهي مرحلة النحت الإسمنتي بالنسبة إلى البوشي، لتبدأ مرحلة التشريح وهي مرحلة إبراز وتحديد زوايا المجسم.

وفي فترة لم تتجاوز 4 ساعات تحوّل حائط مسطح، إلى لوحة فنية رسم داخلها أسد يغري شموخه المارة، بتفاصيل تجعله كما يبدو حقيقيا. الأكثر قدرة على الإبداع من يحقق النجاح حينما يفشل من حوله، بهذه النظرية يواصل البوشي تصميم منحوتاته، التي تستغرق أوقاتا مختلفة من منحوتة لأخرى.

وينهي البوشي حديثه قائلا “نبحث عن التميز والاختلاف عن المعروض في السوق المصرية، ونتجه إلى إحياء تراث مصر عبر حوائط منحوتة من الإسمنت، تتناول الحكايات الشعبية وجلسات المقاهي”.

وطلبا للرزق، فإن العسال والبوشي في تنقل دائم بين محافظات مصر المختلفة، يستقبلان عروض العمل من خلال موقع الفيسبوك، إلى جانب انتشار صيت التصميمات التي ينفذانها لدى المواطنين، وفق قولهما.

وعلى الطريق تمرّ السيارات فيتوقف أصحابها أمام مكان عمل العسال والبوشي. محمد إسماعيل (30 عاما) هو أحد المارة تستوقفه المنحوتات، فيعبر عن إعجابه الشديد بهذه المنحوتات التي جعلت من الحيطان شيئا جميلا يلفت الأنظار.

وبملامح تدل على الدهشة، يتابع محمد، أنه لم ير من قبل منحوتات إسمنتية على الحوائط، فالديكورات من الشائع أن تستخدم لها مادة الجبس الأبيض، لكن هذه التجربة مختلفة وجديدة.

“الإقبال صار شديدا على هذا النوع من النحت”، بتلك الجملة بدأت آيات طاهر، مهندسة ديكور، التعبير عن إعجابها بعمل الشابين في رسم حوائط تستطيع أن تخطف اهتمام من يمر من أمامها.

وتضيف، أن “النحت الإسمنتي يتعلق بشكل أكبر بالمشاهد الخارجية للمنازل والمنتجعات السياحية، ورغم أنه لا يستخدم بكثرة داخل المنازل، غير أن بعض المواطنين بدأوا في طلبه لتصميمات داخلية”. وبذلك يصبح البيت وكأنه معرض فني دائم خاصة إذا كانت المنحوتات متناسقة.

20