منح الصلح مفكر لبناني كان من آباء العروبة

السبت 2014/10/18
الصلح عاش العصر وشهد له وعليه

كثيراً ما يسمع المرء من المفكرين العرب المخضرمين في السنوات الأخيرة، تنهيدة تنم عن القول: “إن الأمة تعيش يتماً فكرياً كبيراً، بعد رحيل قاماتها الكبرى، دون أن تقوم بتعويضهم”، والواقع أن المناخ في نصف القرن الماضي بما شهده من تحولات، لم يسمح بتعويض أي من الراحلين الكبار، ممن أرسوا دعائم فكرية قوية، يمكن أن يستند إليها فكر عروبي غير أيديولوجي، غير متعصب، يرى الآخر ويحترمه وينظّر للتعايش معه.

منح الصلح، أحد هؤلاء، الذين شهدوا العصر الحديث كاملاً، منذ صعود المشروع العربي بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وحتى انهيار العروبة بمشاريعها السياسية وتفكك أنظمتها، فقد ولد في بداية العشرينات، ودرس في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم توجه إلى باريس لتحضير أطروحته في الدكتوراه في الأدب العربي، التي لم يتابعها، فعاد إلى بلاده التي كانت تشهد فوران المشاريع الفكرية المتضاربة، نذر الصلح نفسه للعمل العربي، وكان يتقصّد العطاء أكثر من الأخذ، حتى أصبح أباً للبنانيين من كل الملل والنحل والطوائف، مستنداً إلى إرث عائلته الكبير في العمل الوطني، حتى صار مظلة للسنة والشيعة والمسيحيين والعلمانيين والمتدينين، فبات يعرف بنزعته العروبية الوحدوية على مرّ العقود التي أثر فيها في الحياة السياسية والثقافية والصحفية اللبنانية والعربية.


راهب العروبة


ابتعد الصلح عن المناصب، رغم ثقافة العوائل السياسية اللبنانية التي تتوارث المناصب، فبقي نائياً وحده يقيس مساحة لبنان الولاية والجبل، المتصرفية والساحل، بين تاريخين صعبين عثماني ولبناني، رأى الصلح أن اللوم في ما يمر بالعرب ولبنان يقع على “المفكرين والفئات المثقفة”، لتقصيرهم في البحث عن حلول وتصّور الطريق وتجنب الأخطاء والمزالق، التي أدت إلى استفحال ظاهرة العصبيات، “حتى بات رأيك يعرف من خلال اسمك” كما يقول، ولكنه في الوقت نفسه، يلقي اللوم الأكبر على العهود التي مرّت بها المنطقة، والتي كان قد امتدحها كعهد عبدالناصر وسواه، “كنا نتصورها عهود ديمقراطيات وآراء، يظهر أنها لم تنضج الواقع السياسي”، وكان يتمتع بالقدرة على إعادة النظر في كل ما آمن به، دون تردّد، معيداً شباباً فكرياً إلى شيخوخته التي جعلت منه شاهداً حياً على تلك العهود.


يأس المفكر


كان الصلح يرى أن النخبة المثقفة العربية تمتعت بوعي قومي عربي، بينما تركت الناس للشيوخ، فازداد تدينهم، ولم يشتغل عليهم قادة الرأي بما يكفي لرفع مستوى قاعدة الأمة

يسأله الصحفيون ورفاق المقهى: “هل أنت مصاب باليأس من حال البلاد والعباد؟” فيجيب: “قد يكون هكذا. لكن بالأساس أنا أرى أن الأمة نجحت في فترات وفشلت في أخرى، لكنها كانت تتجه الوجهة الصحيحة”، ولكنه كان يرجع كثيراً من أسباب ذلك اليأس النابع من تدهور لبنان مجتمعياً وفكرياً، إلى عهد الهيمنة السورية على لبنان، فلبنان من حقه أن يكون “سيداً مستقلاً” كما يقول، ولكن المثقف العربي مأزوم بالقضية المركزية للعرب، فلا يستطيع التوقف لحظة بعد نقد النظام السوري، دون أن يقول: “لكنني لا أطعن في المقاومة التي قاتلت إسرائيل” رغم اعترافه أن تلك المقاومة دمّرت ديمقراطية لبنان، الذي كان “محسوداً لأن فيه ديمقراطية وحرية وكتابة وصحافة وجامعات”.


أحلام العرب


صعبٌ أن يفقد المفكر المنظّر للعروبة إيمانه العميق بفكرته، وحلمه الواسع، رغم اليأس والتداعيات، ولكن الصلح كان يعتقد أن “الوحدة العربية هدف كل عربي، وهي هدف عزيز نظرياً، وقد جاءت عثراته وضعفه من الذين نادوا به، لأنهم لم يكونوا بحجم المهمة، وهؤلاء آذوا الوحدة أكثر من أعدائها. لم يكونوا في حجم التحدي”، ولكن المفكر يبحث عن مخرج، “ما من أمة حوربت كما حورب العرب، الأمة حوربت من قبل البعيد والقريب ومن قوى عالمية كبرى، شنت عليها حربا ضارية وتوقفت وسط الطريق، بسبب تقصير فكري وعملي عانت منه”.


غياب العراق


كان منح الصلح ينعي غياب العراق، قبل أن ينعيه أحد، غير أن الصلح لا يستسلم، فقد تلمّس بوادر الصحوة من جديد: “هناك تيار في العراق، بدأ ينادى بكرامة الهوية الوطنية ويدافع عنها وقدّمها على غيرها. وهذا التيار يعوّل عليه.

وقد سمعنا مقتدى الصدر يقول: (أنا عراقي.. أنا عراقي) وهذا الصوت يعبر عن حالة موجودة في العراق، هو صوت شريحة عراقية واسعة. ويجب أن يسجل للعراق أنه هو الذي ألقى الضوء على نقائص وعيوب (الوصفة الدولية) للوضع العراقي. من هذه الناحية، من المهم أن يكون هناك أشخاص في أميركا وفي إنكلترا يشعرون بالعجز عن تسيير الأمور في العراق بالشكل الذي يريدون”.

كان الصلح من المدرسة التي تضع الحق على القوى الذاتية للمنطقة، “ولستُ من الذين يعلقون أخطاءهم وذنوبهم على كاهل القوى الخارجية، أنا أقول بتقوية العنصر الذاتي داخل الأمة العربية، ولا أشك بوجود تقصير عند العرب عن تصور كم هم مهمون بالنسبة إل العالم. هناك (قلّة) خيال عند العرب، بأن يتصوروا أنفسهم، كانوا يرون أنفسهم ضعافا فيما كان الآخرون يعاملونهم على أنهم أقوى الأقوياء”.


إيران والبعث


ابتعد الصلح عن المناصب، رغم ثقافة العوائل السياسية اللبنانية التي تتوارث المناصب، فبقي نائياً وحده يقيس مساحة لبنان الولاية والجبل

نظر الصلح إلى إيران بصورة مختلفة، كان يقول: “إسرائيل هي الشر المطلق كما يسميها الإيرانيون، ونحن عرب، والقومية العربية فكرة لا يجوز أن نقبل بهزيمتها، هذا تخلّ، والهزيمة الذاتية أفظع أنواع الهزائم”، ويرى أن على العرب أن يدركوا دور إيران، مع تمسكّهم بهويتهم، فيقول: “كلما ظهر شيء من التماسك في الوضع العربي، وبرزت إمكانية لسياسة توجه صادق نحو فلسطين، انفتحت جبهة على الأمة العربية الطرف الآخر فيها (دولة اسلامية) في فترة من الفترات كانت تركيا هي تلك الدولة، أما اليوم، ومنذ فترة غير قصيرة، فهي إيران. وتفوق الجهة المفتوحة، الآن من إيران، على الخليج والعراق كل جبهة مماثلة جرّت إليها أمتنا في الماضي”.

“لم أكن بعثيا ولم أنتسب إلى حزب البعث، ولست عروبيا قديما، أنا عربي كنت ولا أزال، أنا من الحركة القومية العربية التي تؤمن بالوحدة وتكوين الإرادة الذاتية للأمّة في مواجهة الخارج”. ومع تناقض المشروعين العربي والإيراني، يذهب الصلح إلى القدرات الذاتية القادرة على إصلاح التخريب من الداخل، ليتماسك الجسد العربي في الإنسان والمكان، فعلى العرب أن “يعوا أهمية العنصر الإيجابي في العمل القومي والنشاط العربي والنشاط الديمقراطي”.


جلد الذات


يطالب الصلح العرب بالتوقف عن “جلد الذات”، والالتفات إلى العمل، فلم يكن هناك أي فترة سهلة في الماضي، ولن يكون، ولذلك لا يجب أن يحمّل العرب أنفسهم أكثر من اللازم، وليعلموا أنهم دوماً كانوا في ظروف صعبة، لأن الأمة العربية “وعت على مشروعها القومي مع انتهاء عهد الدولة العثمانية. وكان العرب يعتبرون أن سقوط الدولة والنصر العربي أمران متلازمان، لكن سرعان ما حمل المثقفون والرواد الطليعيون في الأمة العربية نظرة معتدلة في هذه الناحية، نقول إننا عرب والقومية العربية حق، والمطلوب إنشاء كيان عربي، لكن الإسلام يمكن أن يكون عاملا مساعدا في النهوض وفي إنجاح المشروع العربي. وهذا الطرح الإسلامي ليس معادياً، وان كان للعروبيين ملاحظات عليه، لكنه ليس جداراً وليس خصماً أو عدواً مثل الاستعمار والقوى المعادية”.


مشاريع الصلح للحوار


آمن الصلح أنه كلما ظهر شيء من التماسك في الوضع العربي، وبرزت إمكانية لسياسة توجه صادق نحو فلسطين، انفتحت جبهة على الأمة العربية الطرف الآخر فيها «دولة إسلامية» في فترة من الفترات كانت تركيا هي تلك الدولة، أما اليوم، ومنذ فترة غير قصيرة، فهي إيران

أسس منح الصلح “دار الندوة” التي ترأس مجلس إدارتها منذ العام 1987، و”اللقاء اللبناني الوحدوي” الذي أسسه وترأسه أيضاً منذ العام 1992، وشارك في تأسيس كل من “المنتدى القومي العربي” في العام 1992، و”المؤتمر القومي – الإسلامي” في العام 1994، وتابع ما فعلته أسرته وجدّه منح أحمد الصلح، الذي كان لعب دوراً سياسياً كبيراً في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكتب الصلح وأصدر عدداً كبيراً من المؤلفات الهامة، مثل “المارونية السياسية”، و”الانعزالية الجديدة في لبنان”، و”الإسلام وحركة التحرر العربي”، وغيرها.

كان الصلح من رجالات لبنان في مجال المعرفة والفكر، فاقترن اسمه باسم غسان التويني مؤسس جريدة النهار، قالوا عنه: “كان شاغل منح الصلح الأساسي هو كيف يضيف شيئاً إلى إرث عائلة عريقة قدّمت للبنان أربعة رؤساء وزراء، وكان ممكنا لمنح أن يكون الخامس في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، لولا أنه قال للموفد الرئاسي إليه يومها، والذي جاء يعرض عليه الكرسي الثالث في البلاد، وأن يقيم لأسباب أمنية في الشطر الشرقي من العاصمة: “كيف تريدني أن أمثّل المسلمين في رئاسة الوزراء، وأنا لاجئ في منطقة لا أسمع فيها كلمة (الله اكبر)”.


عروبة النخبة وإسلام الجماهير


في بدايات السبعينات أصدر الصلح كتيباً عنوانه “عروبة النخبة وإسلام الجماهير”، شهد كتابه هذا، مرحلة ما بعد عبدالناصر، وأيلول الأسود وتحول المقاومة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان، وحرب العام 1973، وموقف الملك فيصل بن عبدالعزيز بإيقاف ضخ النفط، وكان يرى فيه أن النخبة المثقفة تمتعت بوعي قومي عربي، بينما ترك الناس للشيوخ، فازداد تدينهم، ولم يشتغل عليهم قادة الرأي بما يكفي لرفع مستوى قاعدة الأمة، وبقي الصلح محافظاً على عقله التجديدي التنويري حتى آخر لحظات حياته، متسلحاً بالرؤية النقدية للتجربة العربية خلال مئة عام خرج العرب فيها من احتلال الأتراك ولم يدخلوا أبواب الحرية بعد.

13