منح بك اللبناني، العربي، العثماني

الأربعاء 2014/10/15

كان منح الصلح من الشخصيات اللبنانية القليلة التي يصلح إطلاق صفة مفكّر عليها. كان لبنانيا حتّى العظم، وعروبيا، بالمعنى الحضاري للكلمة، حتّى العظم أيضا. قلائل هم الذين استطاعوا التوفيق بين عشقهم للبنان وعشقهم للعروبة في الوقت ذاته، من دون تجاهل إيجابيات الدولة العثمانية على صعيد المشرق العربي.

قد يكون ذلك عائدا إلى أنّه لم يكن لديه أي تعصّب من أيّ نوع كان، باستثناء أنّه كان بين أوائل الذين أدركوا باكرا، بل باكرا جدا، خطورة النظام السوري على لبنان وتركيبته، وعلى المنطقة ككلّ، وذلك منذ تولي حافظ الأسد السلطة كلّها في العام 1980.

ربّما كان غياب التعصّب لدى منح الصلح عائدا أيضا إلى أنّه ابن مدينتين هما بيروت، حيث ولد، وصيدا التي تعود إليها أصول العائلة، مع خلفية عربية وعثمانية (والدته من أصول تركية). وهذا يولّد لدى المرء شعورا أكيدا وعميقا بالطمأنينة في هذا البحر السنّي.

عفوا، كان “البك”، كما كان يُعرف منح الصلح، الذي غيّبه الموت السبت الماضي، متعصبا. تعصّب لرأس بيروت التي لم يفارقها طوال حياته. لازم رأس بيروت لأنّه كان متعصّبا لفكرة العيش المشترك بين اللبنانيين، هذا العيش الذي شاركته فيه، في مرحلة معيّنة، صفوة من الشخصيات العربية من كلّ حدب وصوب.

كانت شخصيات من فلسطين وسوريا والعراق والأردن والكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين وكلّ دول الخليج قرّرت الانتماء إلى مجتمع رأس بيروت.

كان هناك أيضا يمنيون وليبيون ومغاربة وآخرون. كانت تلك شخصيات التحقت بالجامعة الأميركية (تأسّست في العام 1866) أو بما يحيط بها وما ارتبط بها.

بين الأماكن التي ارتبطت بالجامعة، والتي كادت أن تكون جزءا لا يتجزّأ منها، “مطعم فيصل” الذي كان عنوان “البك” في بيروت. كان المطعم في شارع بلسّ قبالة المدخل الرئيسي للجامعة.

كان هناك منح الصلح دائم الحنين إلى الشرق الكبير، والذي كان يزور إسطنبول مرّة في السنة لقضاء بعض الوقت فيها لأسباب مرتبطة بأملاك عائلية جرى تأميمها في مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية.

كان “البك” يشيدُ باستمرار بالمدن العربية وتركيبتها في أيام العثمانيين، ولكن من دون أن يتجاهل، في أي وقت، البعد العربي لتفكيره، ودور آل الصلح على رأسهم رياض وتقي الدين وكاظم وعادل الصلح في النهضة العربية، وفي بناء لبنان المستقلّ وصياغة الصيغة اللبنانية، خصوصا الميثاق الوطني (النص لتقيّ الدين الصلح) الذي هو بمثابة عقد اجتماعي بين اللبنانيين. كان الميثاق بمثابة الدستور الحقيقي الذي يوفّر الضمانات التي يحتاجها الجميع من مسلمين ومسيحيين وأقلّيات.

لم يكن منح الصلح شخصا عاديا بأي مقياس. كان استثنائيا، إن في تواضعه وبساطة العيش، وإن في فهمه للواقع اللبناني والعربي، وإن في سخريته اللاذعة التي تنمّ عن معرفة بالأشخاص ونفسياتهم.

لذلك، اختار منح الصلح- الصحافي أن يكون مقاله الحقيقي مقالا من دون توقيع في مجلة “الحوادث” التي عرفت عصرها الذهبي أيّام كان سليم اللوزي، الذي اغتاله النظام السوري، صاحبها ورئيس تحريرها ولولبها.

كان منح الصلح وراء غلاف مشهور لأحد أعداد “الحوادث” صدر بعيد اندلاع أحداث الثالث عشر من أبريل 1975 في لبنان. كان على الغلاف ياسر عرفات وبيار الجميّل في صورتين لهما. وكانت تحت الصورتين كلمة واحدة هي “المظلومان”.

أدرك منح الصلح منذ اليوم الأوّل لبدء الحرب في لبنان أن النظام السوري كان خلفها، وأن الفلسطينيين والمسيحيين كانوا، في البداية، مجرّد أدوات استخدمها النظام السوري في تلك الحرب التي استهدفت وضع اليد على الوطن الصغير.

كشف منذ البداية لعبة النظام السوري القائمة على تشكيل حلف الأقليات في المنطقة كي يتمكّن من البقاء في سوريا نفسها. كان كلام سليم اللوزي عن هذا الموضوع وعن الفتنة بين السنّة والعلويين في طرابلس كفيلا بقتله. وثمّة من يقول أن الكاتب الحقيقي للمقالين اللذين يرويان كيف صار هناك فجأة تفريق بين السنّي والعلوي والمسيحي في طرابلس هو منح الصلح نفسه، وذلك انطلاقا من تجربة شخصية وعائلية لسليم اللوزي.

كان منح الصلح، الذي عمل مع الرئيس فؤاد شهاب، شغوفا بملاحقة الأخبار اللبنانية والعربية بأدق تفاصيلها. كان يمرّ، في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، بشكل شبه يومي على مكاتب “النهار” في أوّل شارع الحمراء في رأس بيروت. كان يزور في معظم الأحيان ميشال أبو جودة رئيس التحرير، الذي لم يكن يمارس هذا الدور بمقدار ما أنّه كان صاحب صالون سياسي تحضر فيه شخصيات مرموقة من بينها الرئيس حسين الحسيني، أطال الله عمره، والرئيس تقي الدين الصلح، فيما كان العميد ريمون اده يحضر بين حين وآخر، إلى أن اضطرّ إلى الانتقال إلى منفاه الباريسي.

كان لمنح الصلح الساخر تلامذته وخلّانه الكثر. كانوا يتحلّقون حوله في مطعم “فيصل”، ثمّ في “سيتي كافي”، وفي مقاه أخرى. كان يتناولهم أحيانا فور إدارة ظهورهم، ولكن بطريقة خاصة تمزج بين التهكّم والفكاهة والودّ…

كان من بين التلامذة ثلاثة بعثيين. كانوا يأتون معا ويذهبون معا. كان يسمّيهم “الدورية”. لم يوفّر حتى بعض الذين كانوا يُعتبرون من أصدقائه. قال، مازحا، عن أحدهم لدى سؤاله عن رأيه في مقالات هذا الصديق: “إذا كانت الفلسفة تحويل المجهول إلى معلوم، فإنّ الكلفسة (المشتقة من اسم الشخص المعني) هي تحويل المعلوم إلى مجهول”.

لمن كان معروفا باسم “البك” أو “منح بك” عبارات ومزحات كثيرة تختصر شخصا ما. لا مجال لذكر ما كان يقوله عن هذا الشخص أو ذاك، نظرا إلى أنّه كان حادا ولاذعا في بعض الأحيان.

أمّا أهمّ ما تميّز به “البك” فهو حسه السياسي الذي لم يكن يخطئ من جهة، ومعرفته بالناس في العمق من جهة أخرى. كان يعرف، تماما، ما في داخل الذين يتقرّبون منه ومآرب هؤلاء. لم يكن يرفضهم، بل كان يسايرهم. كان فقط يتحفّظ في الكلام في أثناء وجودهم قربه.

لم يقل كلاما صريحا وجدّيا إلّا أمام أشخاص محددين قليلين جدا يثق بهم، هذا إذا وثق بأحد، أو في مقالاته غير الموقّعة في “الحوادث”. أمّا معظم مقالاته الأخرى التي حملت اسمه، من بينها مقالاته في “النهار”، فلم تكن تدخل سوى في إطار العلاقات العامة. كان منح الصلح أحد معالم رأس بيروت عندما كانت رأس بيروت عاصمة العالم العربي، والجامعة الأميركية، التي درس فيها، عاصمة رأس بيروت.

رحيل “البك” ليس مجرّد رحيل لشخص استثنائي. رحيله أكثر من ذلك بكثير. يطوي رحيله صفحة من تاريخ لبنان ومن تاريخ بيروت ورأس بيروت في وقت هناك من يسعى إلى إعادة كتابة تاريخ بيروت على طريقته عبر تغيير طبيعة المدينة وتركيبتها السكّانية، بما في ذلك رأس بيروت.

إنّها بيروت، المدينة التي لا تزال تقاوم بعدما أعاد الحياة إليها رفيق الحريري، ابن بيروت وابن صيدا في آن. هل صدفة أن في طليعة المدافعين عن بيروت ولبنان، وعن ثقافة الحياة أبناء هاتين المدينتين اللتين هما صيدا وبيروت؟


إعلامي لبناني

9