منديل غريب في بيتي

نمت كما لم أنم من قبل أبدا، وعندما نهضت في اليوم التالي اكتشفت أن السعادة ليست أكثر من سقف نعرف تفاصيله جيدا، وضجيج محبب يأتي من الغرف الأخرى.
الجمعة 2018/05/11
السعادة ليست أكثر من سقف نعرف تفاصيله جيدا

تجربة صعبة مررت بها منذ يومين، عندما صدمت أحدهم بسيارتي. وكما يحدث غالبا عندما يرفض العقل أن يصدق الحقيقة لأنها فوق تخيله أو احتماله، اعتقدت لوهلة أن ما أعيشه هو كابوس مزعج لن ألبث أن أفيق منه. في عشر ثوان فقط مرت أمامي حياتي كلها: الطفلان، والبيت، والقطة، والعمل، وأمي المتوفاة منذ عشرات السنين…

لم أصدم في حياتي حشرة، وكنت كلما رأيت حمامة في الطريق توقفت إلى أن تعبر، فكيف أصدم رجلا من لحم ودم، وأرى دمه ينزف على الأرض؟

من حسن الحظ أن عقلي عاد إليّ سريعا وتمكنت من الاتصال بسيارة الإسعاف. في الأثناء كنت أنظر إلى الرجل ولا أجرؤ على الاقتراب منه، كان لدي شعور بالخزي والخجل من أن أواجهه أو ألمسه باليد التي صدمته منذ قليل.

أخذت ركنا تحت الجدار وتركت العابرين يساعدونه، ويكلمونه ليتيقنوا من أنه لم يفقد وعيه. رد الرجل على أسئلتهم، ثم نهض، وأمسك بهاتفه ليتصل بسيارة الإسعاف، سمعته يمزح مع موظفي الإسعاف قائلا “هناك الكثير من النساء الجميلات يتحلقن حولي، تستطيعون أن تتأخروا براحتكم”.

الدقائق التي تلت ذلك كانت مزيجا من الخوف والقلق والانتظار، جاء رجال الشرطة ليطلبوا هويتي، ثم عمال الإسعاف ليتأكدوا من أنني بلا ضرر، ثم بعض فاعلي الخير ليخبروني بما يجب علي قوله أو ادعاءه للنجاة من هذه المحنة، غير أنني ظللت أردد جملة واحدة طول الوقت وأنا أسند رأسي إلى الجدار وأطرافي مرتخية “أنا من صدمه.. أنا من صدمه”.

دخلت مكتب الشرطة بملابسي الملوثة وشعري المنكوش ويدي المغلولتين، بعد قليل جاء من يأخذني إلى زنزانة مغلقة، سمعت صرير بابها وهو يفتح، قبل أن يدفعني إلى داخلها ويغلق الباب بمفاتيح ضخمة. عاد لاحقا ليضع أمامي أكلا يشبه أكل الكلاب من دون أن يكلمني كلمة واحدة. رأيت سجنا مكتظا بالبشر، ونساء يتعاركن بالأيدي، وعصي، وأسقفا مليئة بالحشرات، وأَسرّة ملوثة، تداخلت الصور والأصوات وتناهى إلي صوت أمي من بينها وهي تنهرني لأنني تركت الحنفية مفتوحة في المطبخ…

بين الكابوس والحقيقة حدثت أشياء مغايرة تماما؛ جميع من كانوا موجودين على الرصيف عاملوني بلطف، وحرصوا على معرفة أنني بخير، طبيب الإسعاف صافحني وسألني عن اسمي، ربما ليتأكد من أنني لم أفقد ذاكرتي، أو ليساعدني على استعادة واقعي، رجال الشرطة أرجعوا لي أوراقي، وأخبروني أنهم لن يفتحوا محضرا، لأن الإصابة طفيفة، قالوا بالحرف الواحد “لقد نلت عقوبتك من الفزع الذي أصابك، ومن ترتيبات التأمين المعقدة التي تنتظرك”، العابرون بللوا وجهي وأطرافي بالماء، وهناك من تطوع بمنديله المبلل ليضعه على جبيني، الرجل المصاب نفسه أرسل إليّ من داخل سيارة الإسعاف رقم هاتفه مع أحد رجال الشرطة، لأتصل به لاحقا وأطمئن على صحته، ليس من أجله، وإنما من أجلي، من أجل أن أستكين وأهدأ.

انتهى كل شيء إذن، وصار بإمكاني أن أنهض من على الأرض وأعود إلى البيت؛ لا سجن ولا تحقيق ولا أكل ملوثا ولا أبواب مغلقة ولا حنفيات تقطر بالماء. استكثرت هذا على نفسي، شعرت أنهم جميعا أفضل مني، وأكثر تسامحا. تمنيت لو أنهم عاقبوني بنظرة لوم أو كلمة.

تركت السيارة المتضررة في مكانها وعدت إلى البيت مشيا على الأقدام، في سريري استعدت المشهد كمن يشاهد فيلما يحدث خارجه، قبل أن أخلد إلى نوم عميق استمر اثنتي عشرة ساعة متواصلة بلا توقف. نمت كما لم أنم من قبل أبدا، وعندما نهضت في اليوم التالي اكتشفت أن السعادة ليست أكثر من سقف نعرف تفاصيله جيدا، وضجيج محبب يأتي من الغرف الأخرى، ومنديل غريب يجف فوق أحد الكراسي.

21