منذر الزنايدي.. رجال الدولة لا ينهارون بانهيار أنظمة الاستبداد

الأحد 2014/09/28
الزنايدي حظي باستقبال شعبي كبير عند عودته من فرنسا

تونس - لم يكن يتوقع “الثورجيون” التونسيون وقياداتهم الرافعة لرايات الأيديولوجيا العلمانية والشيوعية والإسلامية أن يحظى منذر الزنايدي آخر وزير للصحة في نظام الرئيس الأسبق زين العبدين بن علي خلال عودته من باريس يوم الأحد الماضي بعد أكثر من ثلاث سنوات من الغياب باستقبال شعبي كبير في مطار تونس قرطاج ما بدا مؤشرا قويا على أن “رجال الدولة نظيفي الأيادي” قادرون على العودة إلى واجهة الحياة السياسية مسنودين بدعم قطاعات واسعة من المجتمع التونسي.

وقد أعاد الاستقبال الشعبي الذي شارك فيه طيف كبير من مختلف فئات المجتمع التونسي إلى الأذهان ذلك الاستقبال الذي تجندت لتنظيمه حركة النهضة الإسلامية لاستقبال رئيسها راشد الغنوشي حين عاد من منفاه في لندن، على الرغم من أن الفرق بين الرجلين شاسع، إذ تقف وراء الغنوشي حركة إسلامية لم تحشد لاستقبال زعيمها نشطاءها فقط بل جاست خلال المساجد وشحنت الناس وعبأتهم للنفير العام فيما بدا استقبال الزنايدي استقبالا شعبيا “عفويا” لم تقف وراء تنظيمه أيّ جهة سياسية أو حزبية.


فشل الدولة


ويقول المحللون السياسيون إن ما حظي به الزنايدي من استقبال شعبي عفوي يحمل في طياته عديد المؤشرات لعل أهمها أن التونسيين، الذين أنهكهم الإحباط جراء السياسات الفاشلة التي قادها حكام تونس الجدد خلال أكثر من ثلاث سنوات وزجت بالبلاد في أتون أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، باتوا مقتنعين اليوم بأن إدارة شؤون البلاد بنجاح تحتاج إلى “رجال دولة” يمتلكون الخبرة والكفاءة لا إلى “قادة أحزاب” أغلبها فاشلة سياسيا واجتماعيا حتى أنها باتت تقود “مشروعا لتقسيم التونسيين” على أساس مرجعيات أيديولوجية مختلفة وبغيضة.

ويضيف المحللون أن منذر الزنايدي الذي تمرس بالعمل الإداري والسياسي في عدة مواقع قرار حساسة أكثر من 30 سنة دون انقطاع هو “أحد رجال الدولة” الذين تحتاج إلى كفاءتهم وخبرتهم تونس في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها خاصة وأن الرجل نأى بنفسه خلال فترة نظام بن علي عن التجاذبات السياسية واللوبيات الجهوية والمالية ونجح في نحت صورة نظيفة لدى التونسيين الذين يطلقون عليه “وزير الشعب” في إشارة واضحة إلى أنه وعلى خلاف عديد الوزراء كان قريبا من مشاغل الناس وهمومهم.


ضد بن علي


ويتحدث التونسيون بكثير من التقدير عن أن “وزير الشعب” الذي كان باب مكتبه مفتوحا للإصغاء إلى مشاغل كل من يطرقه يمتلك جرأة نادرة أحرجت الرئيس بن علي في أكثر من مناسبة حتى أنه كان يبادر بإجراء زيارات ميدانية إلى الجهات التي تشهد احتقانا اجتماعيا ويجري اتصالات ولقاءات مع أبناء الجهة من مسؤولين ومواطنين عاديين ولا يتردد في التعبير عن تعاطفه معهم على الرغم من أن مثل هذه المبادرات كانت تعد “خطا أحمر” لأنها من مشمولات الرئيس بن علي دون سواه.

هكذا جمع الزنايدي بين خاصيتين اثنتين قلّ أن تتوفرا لدى أغلب وزراء بن علي، “رجل الدولة” الذي ينتصر لهيبتها ومؤسساتها، و”رجل المجتمع″ الذي لا يخاف الانتصار لنبض شعب يتوق إلى آفاق أرحب من الحرية والتنمية والديمقراطية.


توازن الدولة والمجتمع


ويدرك من درس تاريخ تونس الحديث وتعرّف على تضاريس مجتمع مسيّس إلى حد النخاع أن الذين تركوا بصماتهم من السياسيين هم الأكثر قدرة على التوفيق بين “منطق الدولة” وبين “منطق المجتمع″، ويبدو الزنايدي واحدا من الوزراء التونسيين الذين شقوا تجربتهم محافظين على هذا الخيط الرفيع من التوازن.

ولد منذر الزنايدي يوم 24 أكتوبر 1950 في تونس العاصمة من أب تعود أصوله إلى بلدة سبيبة التابعة لمحافظة القصرين المتاخمة للحدود الغربية مع الجزائر ومن أم تنحدر من إحدى العائلات الأرستقراطية في تونس العاصمة ما جعله يجمع “المجد” بطرفيه، مجد الانتماء لأرياف تونس ومجد الانتماء لـ”الأرستقراطية المدينية” التي يطلق عليها “البَلْدِية".

ويبدو أن هذا الانحدار الاجتماعي المزدوج، الريفي والمديني، قد ساهم إلى حد كبير في نحت ملامح شخصية الزنايدي، شخصية تعكس روح تفتح المجتمع التونسي كما تعكس وشائج العلاقات بين مختلف الفئات ريفية كانت أم مدينية.

كانت تونس في الخمسينات والستينات من القرن الماضي تشهد تحولا اجتماعيا كبيرا يقوده مصلحون وسياسيون في إطار “مشروع وطني” يوحد التونسيين ويزيل تابوهات التمييز بين “المدينة” و”الريف” وكان من أبرز ملامح ذلك المشروع “كسر” حاجز الفوارق الاجتماعية من أجل بناء “شخصية تونسية” بما يعنيه ذلك من تنشئة جيل جديد مسكون بهاجس “الثقافة الوطنية” من خلال انتهاج سياسات تراهن على توحيد نظام التعليم ونشره في مختلف أنحاء البلاد.

جمع الزنايدي بين خاصيتين قل أن تتوفرا لدى أغلب وزراء بن علي، "رجل الدولة" الذي ينتصر لهيبتها ومؤسساتها، و "جل المجتمع" الذي لا يخاف الانتصار لنبض الشعب


المشروع الوطني


كان الزنايدي واحدا من هذا الجيل المسكون بالمشروع الوطني التونسي وبناء دولة قوية ذات مؤسسات مهابة وهو ما يفسر اختياره لدراسة علوم الإدارة حيث تخرج عام 1976 من المدرسة القومية للإدارة بفرنسا في وقت تقود فيه دولة الاستقلال جهودا مضنية لبناء إدارة تونسية تضطلع بتنفيد الخطط التنموية على جميع الصعد الاقتصادية والاجتماعية.

وعلى الرغم من انتشار الفكر الماركسي اليساري في صفوف طيف كبير من النخب التونسية التي كانت تعارض الزعيم الحبيب بورقيبة خلال السبعينات من القرن الماضي فقد بدا الزنايدي عصيا على تيارات وأحزاب لم ير في أفكارها سوى إسقاطات على الواقع التونسي، مفضلا المشاركة في بناء تونس الحديثة من خلال الانخراط في العمل داخل المؤسسات الإدارية للدولة.

وساهمت رهانات دولة الاستقلال الناشئة على نخبة الشباب الحامل لشهادات عليا والمثقف ثقافة عصرية إلى حد كبير في فتح الآفاق أمام جيل الزنايدي حتى أن نخبة ذلك الجيل بدأت حياتها المهنية بتولي مراكز قرار إدارية وسياسية لتجد نفسها تقود مؤسسات الدولة الوطنية التي رفعت شعار الحداثة عنوانا لمشروع وطني سياسي وتنموي يقطع مع الإرث التقليدي.

خلال العشرية 1976-1987 شغل الزنايدي مراكز قرار في مؤسسات حكومية هامة تراهن عليها الدولة اقتصاديا وسياسيا حيث عمل مكلفا بمهمة بديوان وزير الاقتصاد ومدير عام مساعد بالديوان التونسي للسياحة وكاهية وزارة الاقتصاد ورئيس مدير عام الديوان التونسي للتجارة ثم وكيل وزارة مكلفا بالصناعة في حكومة الرئيس الأسبق بن علي أواخر نظام بورقيبة.

وتعد تلك العشرية من أصعب الفترات التي شهدتها تونس اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا حيث دخلت البلاد في أزمة حادة على جميع الصعد بعد أن وقف التونسيون، بعد عشرين سنة من الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، على أن نتائج المشروع الوطني كانت محدودة ودون تطلعاتهم السياسية والتنموية وواجهت الدولة موجات من الاحتجاجات الشعبية من أخطرها أحداث 26 جانفي 1978 التي قادها الاتحاد العام التونسي للشغل ضد الحكومة وخلفت حوالي 500 قتيل وكذلك أحداث جانفي 1984 أو ما يعرف في تونس بـ”انتفاضة الخبز".

ويقول المحللون السياسيون إن العشرية الأخيرة من حكم بورقيبة مثلت محرارا لقياس مدى نجاعة أداء المسؤولين وقدرتهم على إدارة ملفاتهم واختبار كفاءتهم وأنها عصفت بغالبية رجال الدولة وكبار المسؤولين ولم تنج منها إلا قلة قليلة تسلحت بالكفاءة والخبرة.


الكفاءة والإدارة


وتكشف قراءة المسار المهني للزنايدي خلال تلك الفترة أنه واحد من تلك القلة التي تسلحت بخبرتها وكفاءتها حتى أنه كان ينتقل من مركز قرار إداري إلى آخر طيلة عشرية كاملة.

بدا الزنايدي خلال 17 سنة متسلحا بخبرته وتكنوقراطيته ولكن أيضا متسلحا بسياسة الوزير النظيف الذي لم ينزلق في الفساد المالي والسياسي

وعلى الرغم من أن المهام التي تقلدها تمثل مدخلا للظهور الإعلامي وتسويق الصورة إلا أن منذر الزنايدي فضل أن يعمل من داخل مكتبه بعيدا عن الأضواء شأنه شأن غالبية “التكنوقراط” الذين نأوا بأنفسهم عن الصراعات السياسية والمؤامرات والدسائس التي كانت أقصر المسافات لكسب “ثقة” الزعيم بورقيبة ومن ثمة الصعود إلى المناصب السياسية.

بقي الزنايدي بعيدا عن الأضواء السياسية حتى التسعينات من القرن الماضي حين عينه الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وزيرا للنقل في مايو 1994 ليشغل مناصب وزارية متعددة دون انقطاع حتى العام 2011.

وطيلة 17 سنة شغل الزنايدي دون انقطاع مناصب 6 وزارات هامة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا منها النقل والتجارة والسياحة والصحة ولم يغادر الحكومة إلا يوم 14 جانفي 2011 تاريخ حل الحكومة إثر الانتفاضة التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي.

ولم يكن الحفاظ على منصب الوزارة الواحدة ولمدة سنة أو حتى أشهر معدودات أمرا سهلا في نظام بن علي الذي لم يكن يكتفي بمراقبة عمل الوزراء ومحاسبتهم بنفسه بل أيضا من خلال “حكومة ظل” تعمل في قصر قرطاج، لكن شخصية منذر الزنايدي التي تجمع بين نجاعة أداء التكنوقراط ونضال السياسي ساهمت إلى حد كبير في “انتزاع″ ثقة الرئيس.

وفي الواقع لم تكن تلك “الثقة” مجانية ولا هي نتيجة تموقع الزنايدي ضمن التجاذبات السياسية وإنما كانت “اقتناعا” بأن الرجل نجح في إدارة الوزارات التي تولاها في ظروف أقل ما يقال عنها إنها صعبة خاصة بالنسبة إلى وزارات التجارة والسياحة والصحة.

فقد كانت تونس في بداية التسعينات من القرن الماضي تواجه عديد الصعوبات الاقتصادية والسياسية منها ما يرجع إلى طبيعة سياسات بن علي نفسها ومنها ما يعود إلى دقة الأوضاع الإقليمية والدولية وكان الوزراء يتجرعون العلقم وهم يديرون ملفاتهم الشائكة، في مجتمع تعوزه الثروات الطبيعية ولا يراهن إلا على الاستثمار في الموارد البشرية.

وبدا الزنايدي خلال 17 سنة متسلحا بخبرته وتكنوقراطيته ولكن أيضا متسلحا بسياسة الوزير النظيف الذي لم ينزلق في الفساد المالي والسياسي حتى أنه بات يعرف لدى التونسيين بـ”وزير الشعب” تقديرا لتواضعه وحرصه على أن يكون قريبا من هموم الناس ومساعدتهم على حل مشاكلهم في المساحة التي يسمح بها القانون.

ولا يخفي المقربون منه أنه كان لا يتردد في نقد النظام والأسلوب الذي ينتهجه في التعاطي مع حالات الاحتقان أو الاحتجاج الاجتماعي مشددا على أن “الوضع العام بالبلاد كان يمكن أن يكون أفضل لو توفرت مبادرات سياسية تنبني على تشخيص دقيق".

وعلى خلاف العديد من الوزراء نسج الزنايدي علاقات وثيقة مع مواطنين بسطاء بما في ذلك المنحدرون من الأرياف، يستقبلهم في مكتبه ويصغي إليهم ويقدم لهم المساعدة الأمر الذي كان يثير حفيظة زملائه الذين كانوا يرسمون “مسافة” فاصلة بينهم وبين المواطنين.


الأداء لا الولاء


وفي أواخر سنوات حكم الرئيس بن علي دخلت البلاد في حالة من الاحتقان الاجتماعي والسياسي فاشتد ضغط الدولة على المجتمع وكان التونسيون في أمس الحاجة إلى ما يعرف في العلوم السياسية بـ”الرجال الجسورين” الذين يخففون على المجتمع ضغط مؤسسات الدولة وبدا الزنايدي واحدا من أولئك الرجال حتى أنه حافظ على “صورته” لدى الناس في وقت كان يزايد فيه الوزراء على “الولاء الأعمى” لا للدولة وإنما لشخص الرئيس بن علي.

وتعترف قيادات المعارضة التونسية نفسها أن صورة “وزير الشعب” لم تهتز لدى التونسيين خلال انتفاضة يناير 2010 على الرغم من أنه “جزء” من نظام بن علي وأحد أبرز وزرائه.

وحفاظا على تلك الصورة فضل الزنايدي عام 2011 مغادرة تونس باتجاه باريس والإقامة بها إذ لم يتحمل رؤية مؤسسات الدولة التي خدمها طيلة أكثر من 30 سنة وهي تتعرض للنخر والاستخفاف من قبل حكام تونس الجدد.

وكان الرجل يشدد على أن “الانتفاضة قامت ضد خيارات النظام ولم تقم ضد الدولة، ونظام بن علي شيء، والدولة التونسية شيء آخر".

وبعد أكثر من ثلاث سنوات قضاها في باريس حيث اشتغل مستشارا لمؤسسات اقتصادية ومالية كبرى عاد الزنايدي ليكتشف أنه يحظى بشعبية لا تقل عن شعبية قادة الأحزاب الكبرى وليعيد إلى الأذهان أن وزراء بن علي ليسوا في سلة واحدة وأنه قادر على العودة إلى واجهة العمل السياسي.

ويبدو أن الجدل الذي أثارته عودة منذر الزنايدي والتعبير عن رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية هو مؤشر قوي على أن التونسيين نفضوا أيديهم من “الثورجيين” وقياداتهم وباتوا أكثر اقتناعا بأن “رجال الدولة” هم الأكثر قدرة على تحقيق تطلعاتهم وحل مشاكلهم.

7