منذر مصري: صدَّقت وهلَّلتُ فمن أنا حتى لا أصدق ربيع أهلي

الأربعاء 2014/11/12
مصري: سأغدو غصنا صغيرا أخضر ينبت من جذع شجرة حياتي اليابسة، بل المقطوعة

منذر مصري شاعر وفنان تشكيلي سوري من مواليد اللاذقية 1949، تدرج في دراسته بمدارس مدينته الثلاث: الأرض المقدسة والوطنية الأرثوذكسية، وثانوية جول جمال. مجاز في العلوم الاقتصادية من جامعة حلب، ومتحصل على دبلوم في التخطيط الإقليمي بوارسو - بولونيا. من أهمّ أعماله، “آمال شاقة” (1978)، “أنذرتك بحمامة بيضاء” (1984)، “مزهرية على هيئة قبضة يد” (1997)، “الشاي ليس بطيئا” (2004)، والجزء الأول من الأعمال الشعرية الذي ضمّ مجموعاته الأربع الأولى.

يكتب منذر مصري قصيدة النثر بدرجة أولى، وهو من الشعراء والمثقفين السوريين الذين خيّروا البقاء في سوريا رغم ما تشهده من مآس، عن تجربته والأحداث التي اقتحمت حياته كشاعر وحياة أبناء شعبه كان للعرب هذا الحوار مع الشاعر.


خرائط العميان


نبدأ من قصيدة النثر اليوم وأين وصلت، وكيف يجد منذر تجربته الشخصية بعد كل هذه السنوات، وأين هو من خارطة الشعر العربي المعاصر، يقول الشاعر: «إن قصيدة النثر العربية وصلت إلى زاد كمي كبير وتنوّع شديد، وتعدّد أصوات وتجارب، منها ما أعتبره، دون مبالغة، يصل إلى مستوى العالمية.

ثانيا، أين منذر مصري من خارطة الشعر العربي المعاصر؟ أنا شاعر، إذا قبلنا بهذه الفرضية، سوري بالتأكيد، بدأت منذ سبعينات القرن الماضي، وقدّر لتجربتي من الظروف الجيدة والسيئة أن تستمر، كواحدة من التجارب الشعرية العربية المعاصرة، لا أقل ولا أكثر».

وعن رأيه في ما قاله يوما: إن النثر أفضل طريقة لكتابة الشعر، ورؤيته اليوم أن قصيدة النثر وصلت ربما إلى حائط مسدود، إذ تشابهت القصائد، وتشابه الشعراء. يشير الشاعر إلى أنه مازال عند رأيه هذا.

مصري: ما بالك بربيع يصنعه أهلي وشعبي

ويعتقد أن هذا هو التفسير الحقيقي، لقصيدة النثر، التي لا يرى أنها وصلت إلى حائط مسدود أبدا. لكن حتى وإن واجهت شيئا كهذا، فهو واثق أنها ستجد طريقة ما لتتجاوزه، إما أن تقفز فوقه وإما أن تنعطف وتدور حوله، أو ربما تحطمه.

كما أنه في كل فترة، أو في كل مرحلة شعرية، تتشابه تجارب كثيرة ويتشابه شعراء وتتشابه قصائد. هذه طبيعة الأشياء، في نظر مصري.

وعن كونه فنانا تشكيليا مأخوذا بالصورة والألوان، وهو ما أدّى إلى تقشفه في استخدام الصورة بالقصيدة، وجنوحه نحو السرد، أم أنه منشغل برؤية وفق مشروع خططه لنفسه، يقول منذر مصري: « أفضل الاقتصاد والتقشف في كل أدوات الشعر والبديع، كالصور، والاستعارات، وحتى الصفات. ولكني لا أقتصد ولا أتقشف في القص والسرد والشرح.

خلال إحدى مراحل تجربتي، في نهاية الثمانينات، ظننت أني وقعت على أسلوب جديد في الشعر، أسلوب مبتكر لم يسبقني إليه أحد، هو أن أضع صورة شعرية ما، جملة ما، كعنوان، ثم أكتب قصيدة تقوم على عرضه من كل زواياه وتفسيره بكل احتمالاته.

قصائد مثل “كلما رأيت غرابا طائرا تذكريني” و”جميلة لدرجة تدفع النساء للارتماء على أول رجل يقابلنه”. كما أني لا أستطيع الادّعاء أني منشغل برؤية ما».

يلفت الشاعر إلى أنه رغم حملقته الشديدة في الكلمات، وربما بسبب ذلك، يكاد يكون أعمى. فهو يكتب الشعر بيد عمياء، أمضي بقدمين عمياوين. لا مخططات ولا خرائط، وقد قال هذا في مجموعته “الشاي ليس بطيئا”، في قصيدته لعباس بيضون “تبعا لإحساس أعمى في الاتجاه”. الشعر في رأيه: خرائط للعميان.

عن الافتعال الذي اعتبره الشاعر أكثر ما يضرّ بالفن، وأنه على كل شاعر حقيقي أن يتجنبه. وإن كان يرى التبسيط أيضا والإغراق في الوضوح والأشياء اليومية، يؤكد منذر مصري قائلا: « نعم، الافتعال أكثر ما يضرّ بالشعر، وبكل شيء، ولنا أن نتصوّر الافتعال في الحب مثلا.

يقول ييتس، إنه يعيد كتابة السطر أربعين مرة، ليبدو وكأنه مكتوب لأول مرة. إلا أن مقابلة فكرة الافتعال بفكرة البساطة أو الوضوح، وهذا خطأ، لأن ما يقابل الانفعال هو الصدق والعفوية.

مصري يفضل الاقتصاد والتقشف في كل أدوات الشعر والبديع

ما زلت على مبدئي، علينا إبعاد الكذب عن الشعر كما نبعده عن الحياة، وإن رحت مع الأيام أفهم الصدق والكذب بصورة أكثر تعقيدا عن السابق بكثير. وصار الشعر بالنسبة إليّ توثيقا دقيقا للأكاذيب، أي ربما بتفسير مباشر، تحويل الأكاذيب إلى حقائق».


الغصن الأخضر


وعن قوله ذات مرة: البلد الذي تحدث فيه ثورة لا يمكن أن يكون ذا حظّ سعيد، وانطلاقا من هذا الكلام وعن موقفه ممّا سمي بالربيع العربي، ورأيه في الحراك الشعبي السوري، يقول الشاعر: «من أنا حتى لا أصدق بالربيع، بأيّ ربيع.

وما بالك بربيع يصنعه أهلي وشعبي. منذ البداية، ولشوط بعيد، صدّقت وآمنت وأيّدت وهللت لكل شيء.

ولليوم، وإذا مت غدا، أو لم يبق من عمري إلا خمس دقائق لينقضي، أو بعد سنة، أو بعد دهر، سأشعر بأني كنت سعيد الحظ لأني عشت ورأيت ما كنا ننتظره، أنا والماغوط، وحامد بدرخان، ورياض الصالح الحسين وغيرهم».

يتابع قائلا: «أجد أن الحروب والأبطال والثورات والشهداء دلائل واقع مزر يعاني منه الناس، ويريدون تغييره مهما كان الثمن.

وكما قال جاليلو بعد محاكمته، “بئس المدينة التي ليس بها أبطال”، والتي قالها له أحد تلامذته “بئس المدينة التي تحتاج إلى أبطال”.

الحروب والثورات والشهداء دلائل واقع مزر يعاني منه الناس

نعم، بئس البلاد التي تحتاج حروبا وثورات، الثورات ذات كلفة إنسانية باهظة، يدفعها الناس. الفقراء والبسطاء غالبا، خراب وموت وتشرّد. من يقول سوريا غير محظوظة بموت ما بات يقارب نصف المليون، وتشرد 9 ملايين. والدمار الذي أصاب حمص وحلب ودرعا ودير الزور والرقة ومئات المدن والبلدات والقرى السورية، لا أدري بأي وصف يمكن لي أن أصفه ».

وعن الأحداث الجارية في سوريا وما الذي كشفته حسب رأي منذر، وإن كان يتفق مع مقولة، انهيار النخبة، التي يرددها الكثيرون يقول: «لم أكن أتوقع أن تصل سوريا إلى هذا الخراب وأن تحل بالسوريين هذه المأساة، كنت أتوقع أن يحدث حل ما بطريقة ما، يحول دون هذا المصير الكارثي الذي نعانيه.

ولكن، ليس لديّ ما ألوم به النخبة، أصدقائي الذين أعرف أغلبهم، أظنهم فعلوا وكتبوا وقالوا ما ينبغي عليهم وأكثر. لوم النخبة السورية، كأنه لوم للشعب السوري بأكمله، كان هذا موقفي قبل الأحداث، فما بالك الآن؟».

يتابع: «لا أدري ماذا غيّرت فيّ تلك السنوات الأربع، ما أعرفه أني لم أستطع أن أبقى ذلك الشخص الذي كنت عليه، وفي نفس الوقت، ولليوم، لم أستطع أن أكون شخصا آخر، ربما في المستقبل، المستقبل القريب، سأغدو ما آمله، منذر مصري جديدا؛ غصنا صغيرا أخضر ينبت من جذع شجرة حياتي، اليابسة!؟ لا ليست اليابسة أبدا، بل المقطوعة والمحطبة، أظنه التشبيه الأدق.

لكنني أذكر ما كتب لي ياسين الحاج صالح بعد طلبي منه المشاركة في الحوار: “منذر، لا تغادر! لا تفعل شيئا ولكن لا تغادر!”. هو فعل وغادر، لكن أنا لن أدير ظهري وأغادر».

15