منسيات الفن التجريدي العالمي يجتمعن في معرض باريسي

معرض باريسي يقدم تجارب نسائية لم تلق حظّها من الحضور رغم جدّتها وتميزها.
الاثنين 2021/05/31
جمع أصيل بين الإبداع والتنظير الفني

حدث الساعة في فرنسا معرض ضخم ينظمه مركز بومبيدو للفن المعاصر بباريس، بعد رفع الحجر الصحي جزئيا، لأكثر من مئة فنانة تشكيلية من الفنانات اللاتي برعن في الفن التجريدي، أغلبهن لم ينلن الحضور المستحق في تاريخ الفن.

استأنف مركز بومبيدو بباريس نشاطه، بعد رفع الحجر الصحي، بمعرض ضخم عنوانه “يصنعن التجريدية”، وهو معرض يقدّم قراءة جديدة لتاريخ التجريد، منذ نشأته وحتى ثمانينات القرن الماضي بالتركيز على مساهمات نحو مئة فنانة تشكيلية، وفق مسار كرونولوجي يسلّط الضوء على فنانات تمّ التعتيم عليهنّ رغم قدرتهنّ على المزج بين الفنون التشكيلية والرقص والتصوير الفوتوغرافي والسينمائي والفنون الزخرفية في أعمال رائعة، ويقدّمهنّ كفاعلات نشطات في الحداثة الفنية وما تلاها من حركات طلائعية.

وتقول كريستين ماسيل مفوضة المعرض “منهجيتي تقوم على طرح مسألة القوانين الجمالية وضرورة إعادة الطرق التي نقارب بها تاريخ الفن، من جهة حدوده الجغرافية وتراتبيته، فقد جرت العادة أن يركّز مؤرخو الفن على الفضاء الغربي وحده، والحال أن ثمة تجارب أخرى خارج هذا الفضاء، لها قواعدها ومقارباتها الخاصة، ومن الواجب توسيع الرؤية حتى يدرس المؤرخ كيف يبدع كلّ فضاء ثقافي لغتَه التجريدية، وبذلك يمنح الفنانات موقعا في سجل هذا التاريخ”.

والانتقاء مردّه إلى عوامل كثيرة، أهمها الوسط الاجتماعي الذي تنتمي إليه الفنانة، والعلاقات التي تربطها بأعلام الوسط الفني، إضافة إلى أن تاريخ الفن يكتبه الذكور فيفضّلون في الغالب سرد تجارب الفنانين وغمط تجارب زميلاتهم.

المعرض يقدّم قراءة جديدة لتاريخ التجريد منذ نشأته وحتى الثمانينات، بالتركيز على مساهمات مئة فنانة تشكيلية عالمية

من هنا كان التوجه في الأعوام الأخيرة حريصا على إنصاف كل التجارب بصرف النظر عن جنس أصحابها، ذكورا كانوا أم إناثا. وما هذا المعرض إلاّ دليل على ثراء التجربة النسوية في الفن التجريدي.

من بينهنّ مثلا الإنجليزية جورجيانا هاوتن التي تخلت عن الفن التصويري باكرا وأنجزت منذ عام 1861 رسوما تجريدية مستوحاة من دلائل روحانية تنتمي إلى ما يعرف بالرمزية المقدسة، وكانت واعية هي نفسها بجدة تجربتها، إذ كتبت ماسيل تقول “ألا سبيل لنقد أعمالها وفق القوانين الفنية المعهودة”. وهذه الفنانة لم تُكتشف على مستوى عالمي إلاّ عام 2015، وقد عدّها النقاد من أوائل المبشرين بالفن التجريدي.

ثمّ مواطنتها بربارا هيبوورث التي درست الفن التشكيلي في الكلية الملكية للفنون في لندن، ثم انخرطت في التيار الحداثي، وكان لاكتشافها فنانين مجددين أمثال قسطنطين برانكوزي، وجان أرب، وبيت موندريان في أواسط الثلاثينات ما شجعها على التجريد، فالتحقت بمجموعة “تجريد – إبداع” مع زوجها بن نيكولسون، لتصبح هي والمجموعة من العلامات البارزة في الفن التجريدي العالمي. ولكنها لم تحظ بمعرض استعادي إلاّ عام 1967.

وكذلك السويدية هيلما أَفْ كلينت التي درست الفن في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة، ثم انتقلت إلى الروحانيات، فأنجزت أولى أعمالها التجريدية منذ عام 1906، وكانت تعتبر التجريد تجليا طبيعيا للفكر الحيّ الذي يصل كل الكائنات، ومنذ مطلع الثلاثينات، توقفت عن الرسم والعروض، وظلت منسية حتى مطلع الثمانينات، حيث أنصفها النقاد وعدّوها من رواد التجريدية الرمزية.

أو الروسية أولغا روزانوفا التي جمعت بين الإبداع والتنظير، وكانت تنظر إلى اللوحة كواقع مستقل، وتدافع عن الحدس والذاتية في عملية الخلق. وقد جمعت مقارباتها النظرية في كتاب بعنوان “التكعيبية، المستقبلية، التفوقية”، رغم أنها تميزت عن كاسيمير ماليفيتش من جهة الدور المركزي الذي ينهض به اللون أكثر ممّا تنهض به المادة التصويرية، لاسيما في اللوحات التي أنجزتها ما بين 1916 و1918.

تنويعات تجريدية لفها النسيان
تنويعات تجريدية لفها النسيان

أو مواطنتها ليوبوف بوبوفا التي درست الفن في موسكو عام 1906، قبل أن تسافر إلى باريس وتكتشف الحركات الطلائعية الناهضة، ولما عادت إلى موسكو انخرطت مع فلاديمير تاتلين في ممارسة التكعيبية المستقبلية، وتعرفت على ماليفيتش، ولكنها لم تتبع مقاربته التفوقية، رغم أنه ساعدها ماديا، بل أعدّت سلسلة من الأشكال التكتونية.

كذلك السويسرية فيرينا لوفينسبرغ التي التحقت بمدرسة الفنون والصنائع في بازل منذ سن الخامسة عشرة وساعدها الفنان ماكس بيل عام 1935 على ربط علاقات وطيدة مع مجموعة “تجريد – إبداع ” بباريس، وقد تميزت أعمالها بالجدة من جهة الشكل والألوان، ما مكنها من الانخراط في حلقة فناني المحسوس بزيورخ إلى جانب ماكس بيل وجيرار بول لوسه وكميل غريزر.

ومن الشرق الأوسط يمكن أن نذكر أيضا اللبنانية سلوى روضة شقير التي تميزت لوحاتها بالمزج بين عناصر التجريدية الغربية والجماليات الإسلامية، وكان لها دور هام في مرسم الفن التجريدي لإدغر بيي عند قدومها إلى باريس، قبل أن تنتقل منذ الأربعينات إلى التجريدية الهندسية. كذلك التركية فهرلنيسا زيد التي درست الفن في إسطنبول قبل قدومها إلى باريس، وقد تميزت لوحاتها التجريدية بتوليفات هندسية ملونة وصفتها بكونها أضواء مقطَّعة إلى عدة أوجه.

وليست الغاية من وراء هذا المعرض التركيز على هذه الفنانة أو تلك بقدر ما هي محاولة للتعريف بتجارب نسائية لم تلق حظّها من الحضور رغم جدّتها وتميزها وإسهامها في حركات الطليعة، بل إن أغلبها لم يتم اكتشافه إلاّ في الأعوام الأخيرة من القرن الماضي.

16