منصات أجنبية ناطقة بالفارسية والتركية تفك حصار المعلومة

المنصات الأجنبية الناطقة بالتركية والفارسية تمثل استفزازا لطهران وأنقرة المتخوفتان من تأثير القوة الناعمة على وعي الجمهور.
الأربعاء 2019/05/22
قلق تركي واضح

توجهت مؤخرا العديد من وسائل الإعلام الدولية إلى الجمهور التركي والإيراني بلغتهما، لكن هذا التوجه يثير قلقا كبيرا لدى سلطات البلدين اللذين يمارسان تضييقا واسعا على وسائل الإعلام المحلية، الرسمية والمستقلة، مع الحرص على احتكار المعلومة وإبقاء المتلقي ضمن دائرة اهتمام محددة.

لندن - لن يخرج ردّ الفعل الإيراني المتوقّع على إطلاق موقع بالفارسية لصحيفة الإندبندنت البريطانية برعاية سعودية، عن رد الفعل التركي: نوجه لكم خطابا إيرانيّا وتركيّا باللغة العربية، ولكن لا نريد أن توجهوا لنا خطابكم بلغاتنا.

ويأتي إعلان المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق عن إطلاق موقع الإندبندنت الفارسية Independentpersian.com في إطار مشروعها لإطلاق مواقع الإندبندنت باللغات العربية والتركية والأردية والفارسية، ليضاف إلى العديد من المنصات الأخرى التي وجدت طريقها إلى المتلقي التركي والإيراني.

هذه المشاريع وإن كانت تأخرت كثيرا، إلا أن توقيتها يتلاءم مع الوضع السياسي الصعب الذي تمرّ به المنطقة، كذلك مع تصاعد حدة الحرب الإعلامية فيها، فقد بدا واضحا انزعاج كل من طهران وأنقرة من الاهتمام العربي والعالمي باللغتين، إثر اتجاه مؤسسات إعلام دولية إلى إطلاق منصّات رقمية موجهة للمواطن التركي والإيراني اللذين أصبحا مقيدين بخطاب إعلامي ذي لون واحد في وسائل الإعلام المحلية بما فيها المستقلة.

وتكتسب المرحلة الراهنة حساسية شديدة بالنسبة للسلطات الإيرانية في ظل التوتر القائم مع الولايات المتحدة والتهديد بنشوب حرب، لذلك من المهم بالنسبة لها محاصرة المواطن الإيراني بمعلومات وأخبار محددة، تصب لصالح أجندتها السياسية وتضخم قدراتها في مواجهة “الشيطان الأكبر”.

ومؤخرا، أطلقت مؤسسة “دويتشه فيله” الألمانية، وبالتعاون مع ثلاث مؤسسات إعلامية دولية أخرى قناة باللغة التركية على موقع يوتيوب تهدف إلى “تعزيز حرية التعبير والإعلام في تركيا”.

والقناة الجديدة “90 +”، مشتركة بين “دويتشه فيله” الألمانية، والـ”بي.بي.سي” البريطانية، و”فرانس 24” الفرنسية ومؤسسة “صوت أميركا” الأميركية.

وتعمل القناة على “تغطية مجموعة واسعة من القضايا الاجتماعية والسياسية على شكل تقارير مصورة تحليلية ومقابلات”، بحسب إعلان المؤسسات الإعلامية الدولية الأربع.

كما أطلقت مجموعة “إم.بي.سي” السعودية في أكتوبر الماضي، قناة فضائية باللغة الفارسية، تحت شعار “الترفيه بلا حدود”.

وتستهدف القناة الشباب الإيراني، ورغم أن المحتوى ترفيهي بالدرجة الأولى إلا أنها تعتبر خطوة مهمة باتجاه تغير النظرة السلبية التي يفرضها الإعلام الإيراني على الشعوب العربية.

ويعتبر إطلاق هذه المنصات تلبية للحاجة الملحة لتعدد المنابر الإعلامية والانفتاح على شعوب المنطقة الناطقة بالفارسية والتركية، وتوجيه خطاب يُراعي المهنية والمصداقية ويشرح وجهات نظر أخرى تجاه القضايا لا تتيحها وسائل الإعلام المحلية.

المنصات الأجنبية الناطقة بالتركية والفارسية، تمثل استفزازا لطهران وأنقرة، اللتين تريدان السيطرة على معلومات الإعلام

كما يأتي ذلك بعد انتقادات عديدة وجهت للقائمين على الإعلام السعودي بضرورة التوجه إلى المتلقي الإيراني والتركي، ومخاطبته بلغته لإيصال وجهة النظر العربية بشأن القضايا العديدة الساخنة في المنطقة، لاسيما وأن هذا المتلقي يتعرّض لكمّ كبير من المعلومات يوميا عبر إعلام بلاده، يتم من خلالها تشويه حقائق وإخفاء أخرى بغرض الإساءة إلى دول في المنطقة، وتكريس العداء بين الشعوب.

ويهيمن الخطاب الرسمي في إيران وتركيا على الساحة الإعلامية، وتمارس السلطات ضغوطا وقيودا على وسائل الإعلام الأجنبية بشكل متزايد، فحكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وجّهت حملة ممنهجة  ضد الصحافيين والمراسلين المحليين والأجانب، وقلصت وسائل الإعلام المستقلة إلى أدنى حد بعدة طرق عبر الترهيب والترغيب.

وبات المشهد الإعلامي التركي بيد حكومة العدالة التنمية، التي تروج لخطاب يخدم مصالحها عبر وسائل الإعلام التابعة لها أو تلك المستقلة التي ذهبت بعد التضييق على أصحابها إلى رجال أعمال يدورون في فلك الحكومة، وتربطهم مصالح اقتصادية وتجارية مشتركة.

إلى جانب حظر العشرات من المواقع الإلكترونية الإخبارية التركية أو الناطقة بها التي تكشف عن قضايا سياسية وملفات فساد تورط فيها مسؤولون وسياسيون، وتسببت في سجن صحافيين أو نفي آخرين إلى خارج البلاد، لتكون النتيجة احتكار كامل للمعلومات للتحكم بما يصل للجمهور المحلي.

وتروّج أنقرة لخطاب مضاد لوسائل الإعلام الأجنبية الناقدة لسياستها، وتشنّ حملات ضد الإعلام الأجنبي الناطق باللغة التركية، وعلى سبيل المثال خصّصت صحيفة يني شفق التركية ملفا كاملا، الثلاثاء، لمهاجمة منصات أجنبية، منها موقع أحوال تركية وإندبندنت تركية.

ويعكس هذا الهجوم القلق التركي من وسائل إعلام صارت تصل الجمهور التركي بلغته تكشف الحقائق والقضايا، بعيدا عن الإعلام الرسمي الذي يمارس تعتيما عليها.

في المقابل تلجأ السلطات الإيرانية إلى ترهيب الصحافيين والمراسلين المحليين العاملين لصالح وسائل الإعلام الأجنبية، وتقييد أي عمل صحافي داخل البلاد، وسبق لها أن مارست انتهاكات عديدة بحق الصحافيين العاملين في “بي.بي.فارسي”، بالتضييق على عائلاتهم ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم.

وتشير هذه الممارسات من قبل السلطتيْن التركية والإيرانية إلى مخاوفهما من حجم تأثير القوة الناعمة على شعوبهما، وقدرتها على كسر الصورة الثابتة التي يحاول الإعلام المحلي تثبيتها في أذهان المواطنين، إلى جانب المحظورات والخطوط الحمراء التي تزداد مع تردي الأوضاع السياسية والأزمات الاقتصادية المتلاحقة في كل من تركيا وإيران التي تعاني تحت ضغط العقوبات الاقتصادية.

كما تمثّل المنصات الأجنبية الناطقة بالتركية والفارسية، استفزازا لطهران وأنقرة، اللتين استغلتا الفوضى السياسية والإعلامية العربية لكي تسجلا انتشارا إعلاميا بالعربية بشكل مباشر عبر قنوات تركية وإيرانية، أو بشكل غير مباشر عبر قنوات مدعومة أو ممولة منهما.

وتمارس هذه القنوات وخصوصا الإيرانية الدعاية والتضليل بشكل ممنهج بهدف نشر الفوضى والفتنة في المنطقة.

ويؤكد مراقبون أن المنظومة الدعاية الإيرانية تمارس التضليل بالعالم العربي، من خلال قناتيْ “المنار” و”العالم” الناطقتين بالعربية منذ عام 1982.

وتعمل هذه المنظومة وفق خطة موجهة للتأثير في المكونات الشيعية في البلدان العربية، ثم الارتباط بجهات محسوبة على المكوّن السنّي، كجماعات “الإخوان” و”الجهاد” و”حماس”، واستمالتها من خلال المال والمصالح الاقتصادية وسياسية.

18