منصات التواصل الاجتماعي تسعى للحفاظ على مستخدميها بعد انتهاء كورونا

شركات التكنولوجيا تطور تطبيقات لتعزيز الحياة الترفيهية للأفراد افتراضيا.
الاثنين 2021/09/20
الحياة اليومية تستسلم للمنصات الاجتماعية

شكلت منصات التواصل الاجتماعي في ظل الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها العديد من الدول حول العالم للحد من تفشي فايروس كورونا، فضاء للترفيه عن بعد، حيث أصبحت حياة الكثيرين مرتبطة بشبكة الإنترنت، وهو ما جعل بعض الشركات التكنولوجية تطور تطبيقات تساعد العاجزين عن الالتقاء بأصدقائهم أو الراغبين في ممارسة أي نشاط خارج منازلهم، على التواصل الاجتماعي الافتراضي، ويعملون على اجتذاب المزيد من المستخدمين حتى بعد انتهاء الجائحة.

واشنطن – أدّت جائحة فايروس كورونا إلى تراجع اهتمام الناس بالحفلات أو التجمع في المطاعم والمقاهي، وبدلا من ذلك اتجه معظمهم إلى مشاركة أنشطته ومواهبه مع أصدقاء افتراضيين على منصات التواصل الاجتماعي.

وعلى الرغم من أن فترة الإغلاق بسبب جائحة كورونا وفترات الحظر الجزئي المفروضة في الكثير من الدول لم تكن أمرا جيدا بالنسبة إلى دور السينما أو للأنشطة الاقتصادية بشكل عام، فإنها بالنسبة إلى بعض التطبيقات ومن بينها “تيليبارتي” الذي يجمع الأصدقاء على مشاهدة ما يحلو لهم من بث مباشر معا، شكلت دفعة هائلة وفقا لما يقوله شاوريا جين المدير التنفيذي للتطبيق، ويضيف “حققنا نموا كبيرا”.

ولم يكن هذا التطبيق هو الذي حقق وحده هذا النجاح وسط المنصات الرقمية الأخرى.

مايا واتسون: عندما تنتهي الجائحة ستتمكن الشركة التابعة لها {كلوب هاوس} من استكشاف طرق جديدة لاستخدام المنصة
مايا واتسون: عندما تنتهي الجائحة ستتمكن الشركة التابعة لها "كلوب هاوس" من استكشاف طرق جديدة لاستخدام المنصة

وتعد مثل هذه المنصات التي يطلق عليها وصف “الترفيه عن بعد”، نظيرا لمنصات العمل عن بعد، فبعد يوم طويل من العمل باستخدام المواقع الرقمية واستقبال الرسائل على موقع “سلاك” لتبادل الرسائل، والذي يشتهر بتخصصه في عالم الأعمال، يستطيع العاملون العاجزون عن الالتقاء بأصدقائهم في مقهى بسبب الجائحة أو الذين لا يرغبون في ذلك، أن يدخلوا على منصة أخرى للاستمتاع بنوع من التواصل الاجتماعي الافتراضي، على تطبيقات مثل “ديسكورد” أو “كلوب هاوس” وهي شبيهة بتطبيق زووم.

وأعطت الجائحة دفعة لهذه الظاهرة المتنامية، مما اجتذب شرائح جديدة من المستخدمين لمثل هذه التطبيقات، التي كانت في السابق حكرا على ممارسي الألعاب الإلكترونية والجنود المرابطين في دول أخرى، وغير ذلك من الفئات التي تشكل أقليات في مجتمعاتها.

ويعتبر تطبيق “تيليبارتي” الذي يستخدم للمشاهدة الجماعية للأفلام والبرامج مع الأصدقاء منذ بضع سنوات، من بين التطبيقات التي كان من المعتقد أنه يقتصر مستخدموه على شريحة صغيرة من الأفراد الصفوة.

ويتيح التطبيق أن ينسق الأصدقاء حساباتهم على خدمة نتفليكس للبث المباشر للأفلام والبرامج، بحيث يستطيعون مشاهدة مختلف أنواع البث معا في نفس التوقيت، وكان التطبيق صيحة جديدة بين الشركاء الذين يقيمون علاقات عن بعد، وبخلاف هذه الشريحة من المستخدمين لم يسمع بهذا التطبيق سوى عدد محدود من الأفراد.

وفجأة وجد التطبيق نفسه في مارس 2020، وقد اجتذب عددا لا يحصى من المستخدمين في مختلف أنحاء العالم.

ويبدو أن كل فرد أصبح يعيش في الوقت الحالي حياته على شبكة الإنترنت وعن بعد.

وعلى الرغم من أن مستقبل العمل عن بعد يقع إلى حدّ كبير بين أيدي أرباب العمل، فإن مستقبل الترفيه عن بعد سيكون مرهونا بسلوك المستخدمين، عندما تصبح لديهم الحرية في استئناف الأنشطة السابقة، التي كانوا يستمتعون بها مع الآخرين وجها لوجه على أرض الواقع منذ نحو عامين.

وشهدت الكثير من شركات التكنولوجيا الرقمية العاملة في مجال الترفيه إقبالا كبيرا من جانب المستخدمين.

مستقبل الترفيه عن بعد سيكون مرهونا بسلوك المستخدمين
مستقبل الترفيه عن بعد سيكون مرهونا بسلوك المستخدمين

وكانت منصة “ديسكورد” التي تتيح خليطا من طرق التواصل الاجتماعي بالرسائل النصية والصوتية ومقاطع الفيديو، تواجدا على الساحة قبل ظهور الجائحة ببضعة أعوام.

غير أن متحدثا باسم الشركة التابعة لها المنصة، قال لصحيفة التايمز البريطانية عبر البريد الإلكتروني، إن الجائحة أسهمت في الإسراع بمعدلات نموها حيث إن المستخدمين الجالسين في منازلهم، “بحثوا عن طرق للتواصل مع الآخرين وتمضية وقت ممتع مع معارفهم”، عن طريق أندية الكتاب ومجموعات الدراسة وشبكات هواة الألعاب الرياضية، وليس فقط عن طريق ممارسة الألعاب الإلكترونية التي تشتهر بها المنصة.

وأضاف المتحدث أنه نتيجة لذلك زادت الإيرادات في عام 2020 بنسبة ثلاثة أمثال، وتضاعف عدد المستخدمين.

وتابع “نحن على ثقة كبيرة في قوة نشاطنا التجاري وفي اتجاهنا للنمو، كما نشاهد أن المستخدمين يواصلون الدخول على ديسكورد للعثور على المعارف والأصدقاء ومن يشاركونهم الاهتمامات، حتى مع بدء العالم في فتح الأنشطة مرة أخرى بعد أن أغلقتها كورونا”.

أما بالنسبة إلى تطبيق “كلوب هاوس” الذي تُجرى المحادثات فيه عن طريق الاستماع فقط، فقد شهد إقبالا متزايدا، بعد أن كانت المحادثات التي تتسم بالصراحة بين المستخدمين تمثل تحديا في منصات أخرى.

وتم تدشين هذه المنصة وسط فترة الإغلاق وأثارت موجة من الإعجاب، وكانت تعتمد سياسة المشاركة فيها عن طريق الدعوة فقط، وبرغم أن المنصة أصبحت الآن مفتوحة أمام الجميع، وبرغم أن نجاحها دفع منصات أخرى راسخة إلى استنساخها، فإن كثيرا من المراقبين شعروا بخيبة الأمل من جراء معدلات نموها الحالية، وإن كانت مقاييس نجاحها الدولية لا تزال قوية.

ورغم أن الإقبال الكبير الذي حظيت به “كلوب هاوس” في البداية، يرجع أساسا إلى حالة العزلة والوحدة والملل التي عاشها الناس في ظل فترة الإغلاق بسبب الوباء، فإن مايا واتسون رئيسة التسويق الدولي للشركة التابعة لها المنصة، أكدت لصحيفة التايمز “أنه لم يتم تدشين المنصة لتكون حلا لتداعيات كورونا”، وقالت “أحيانا يكون هناك منتج مناسب في الوقت المناسب”.

وأشارت واتسون إلى أنه عندما تنتهي الجائحة ستتمكن الشركة من استكشاف طرق جديدة لاستخدام المنصة.

على الرغم من أن فترة الإغلاق بسبب كورونا لم تكن أمرا جيدا بالنسبة إلى دور السينما أو الأنشطة الاقتصادية بشكل عام، فإنها بالنسبة إلى بعض التطبيقات شكلت دفعة هائلة
على الرغم من أن فترة الإغلاق بسبب كورونا لم تكن أمرا جيدا بالنسبة إلى دور السينما أو الأنشطة الاقتصادية بشكل عام، فإنها بالنسبة إلى بعض التطبيقات شكلت دفعة هائلة

ومن ناحية أخرى وبالعودة إلى تطبيق “تيليبارتي”، كانت الجائحة دليلا على ظهور مفهوم يشير إلى ما قد يكون عليه حال التوسع في الإقبال على المشاركة في منصات التواصل الاجتماعي مستقبلا.

وبعد مرور عام ونصف العام على ممارسة الناس حياتهم على شبكة الإنترنت، يتوقع جين المدير التنفيذي لتطبيق “تيليبارتي” أن يظل جذابا بما فيه الكفاية للاحتفاظ بالكثير من المستخدمين، ويقول “سيعود إليه البعض كما سيستمتع البعض بما يتيحه من فوائد، ومن الصعب الابتعاد عن الراحة التي يوفرها العمل عن بعد والترفيه عن بعد”.

وتتفق مع هذا الرأي جوليا ألكسندر كبيرة المحللين الاستراتيجيين بشركة “باروت أناليتكس” لعلوم البيانات، الذي يتركز عملها على مجال منصات البث المباشر الرقمية.

وأوضحت ألكسندر أن “الأفراد الذين لم يكونوا مولعين بتكنولوجيا منصات التواصل في عام 2018 أو 2019 -مثل الآباء على سبيل المثال- والأشخاص الذين لم يكونوا يتطلعون بالضرورة إلى ممارسة تجربة التواصل الاجتماعي مع شخص ما عبر شبكة الإنترنت، بينما هم يشاهدون فيلما سينمائيا أو برنامجا تلفزيونيا، وجدوا فجأة أن هذا التواصل أصبح ممكنا ومتاحا بدرجة أكبر ويكون مجانا في الغالب”.

وأضافت “وحتى في عالم ما بعد الجائحة، وقتما يحدث ذلك، فإن ما ابتكرته منصات التواصل سيظل مستمرا”.

ويقول جين إنه استلهم فكرة تطبيق “تيليبارتي” أولا من طلبة الجامعة، الذين كانوا يشاهدون ما يبثه موقع نتفليكس أثناء تواجدهم في الجامعة، ولكنهم بعد ذلك أقاموا علاقات عن بعد بعد عودتهم إلى منازلهم لتمضية العطلات، أو انتقالهم إلى مدن أخرى لتلقي دورات تدريبية، ويضيف “أدركت أن ثمة فرصة لبناء تجربة أفضل لهم”.

ويعد بن كلاسه الذي يبلغ من العمر 25 عاما نموذجا لهذا الاتجاه، فهو لم يستخدم أبدا تطبيق “تيليبارتي” قبل الجائحة، ولكن بعد أن نزله على هاتفه الذكي أصبح التطبيق بمثابة منفذ يطل به من آن إلى آخر على معارفه، ويتواصل من خلاله بشكل آمن من منزله مع أصدقائه حيث إنه من الفئات المعرضة لخطر العدوى بكورونا، ويؤكد الآن أنه لن يتخلى عن استخدام هذا التطبيق.

فتح المزيد من المنصات للاجتماع بالأصدقاء افتراضيا
فتح المزيد من المنصات للاجتماع بالأصدقاء افتراضيا

وتابع كلاسه “التقيت مع صديقتي من خلال موقع رديت أثناء تفشي الجائحة، وهي تقيم في ولاية مينيسوتا، وبالتالي أصبح تطبيق ‘تيليبارتي’ شيئا لطيفا يجمعنا معا”.

وأضاف “كما أن أخي يعيش في نيويورك، وأحيانا نشاهد فيلما أو برنامجا معا على التطبيق، وأحيانا أخرى نمضي الوقت في لعبة إلكترونية مشتركة، ومن هنا أؤكد أنني سأواظب على استخدامه”.

ومع استمرار جائحة كورونا، أصبح الناس يتطلعون أكثر من أي وقت إلى إيجاد تطبيقات ومجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي لاستنباط النصائح والمعلومات منها، وتبادل المعارف ومشاركة الأنشطة.

وبفضل التطورات التكنولوجية، باتت إجراءات العزل، أمرا سهلا ومريحا مع إمكانية العمل من المنزل والحصول على التشخيص الطبي عن بعد وممارسة الرياضة وتعلم الرقص وحتى الطبخ والمحافظة على اللياقة البدينة عبر التطبيقات أو الأجهزة الموصولة ووسائل الترفيه بالبث التدفقي.

كما أن مواقع التواصل الاجتماعي فتحت أبواب الشهرة على مصراعيها أمام الكثير من الموهوبين، من مختلف بلدان العالم، لم يلقوا حظهم سابقا ليكونوا مشاهير في زمن فايروس كورونا.

وهذا ما يدعم توقعات بعض الشركات التكنولوجية القائمة على تطوير تطبيقات تساعد على تنمية التواصل عن بعد، أن منصات التواصل الاجتماعي ستواصل ازدهارها بعد انتهاء الوباء.

12