منصات رقمية تبثّ أخبارا لا تنتهي

المدونات السابقة التي قلّ الاهتمام بها حلت محلها الصفحات الشخصية وصارت هي نفسها المدونات وهي التي تعجّ بالأخبار؛ زائفها ومفبركها وصحيحها.
الثلاثاء 2018/06/26
فيسبكون يقتفي أثر الأخبار ومقاطع الفيديو المزيفة

على مدار 24 ساعة هنالك أخبار وهنالك محرر لا ينام، وليس عنده فارق بين ليل أو نهار ولا فارق في التوقيت بين شتى بقاع الأرض. محرر فريد وغير مسبوق وببساطة شديدة: إنه يحرر لنفسه تلك الأخبار.

هذه الظاهرة الفريدة هي التي أنتجتها وسائل التواصل الاجتماعي. وفرت لملايين البشر بيئة رقمية مبسطة، المحرر الصامت وجد تحت تصرفه أدوات كتابية بسيطة مدعومة بالصور ومقاطع الفيديو وتعبيرات الإيموجي.

يلتقط ما يروقه من أخبار وإشاعات ويبثها إلى من يشاء من بشر متلقين. هو محرر ووكالة أنباء غير معلنة، وبعض من المحررين استقطب جمهورا عريضا وصار يتمتع بثقة ومصداقية أكثر من مصادر إخبارية مشكوك فيها.

كنت أقرأ خلال إحدى المرات في صفحة من يطلق على نفسه صفة خبير أمني ومحلل سياسي، والناس تلتف من حوله يستشيرونه في قضايا بعضها من الصعب الإجابة اليقينية عنها لأنها غالبا ما تتعلق بسياسات دولة وإجراءاتها الأمنية، ولكنه يعرف ويحلل ويجيب ويأتي بأدلة وأرقام وجمهوره يكبر. هذا مثال من أمثلة كثيرة جدا ولا حصر لها مما وفرته هذه المنصات من تداول لقصص إخبارية بعينها يعنى بتحريرها وبثها هواة أو محترفون على السواء.

هي ظاهرة غير مسبوقة على صعيد وسائل الاتصال ومصادر الأخبار. في المقابل هنالك السرعة العجيبة في نقل آخر الأخبار ومما لم يظهر بعد لا على الشاشات ولا في متن الصحافة فإلى أين نحن سائرون؟

المحرر الذي لا ينام والذي ينشر لنفسه وللآخرين ما يشاء وليس بالضرورة ذكر المصدر يقابله المحرر المفبرك والذي يحرف أو يفتعل الأخبار ويزيف الصور

واقعيا نحن أمام تطور نوعي في محطات استخدام الرقمنة في الصحافة ونشر الأخبار، يوما ما كانت هنالك المدوّنات وكان ياهو ماسنجر وسيلة للتواصل، ضعفت الآن المدونات وتقاعد الياهو ماسنجر مؤخرا وحلت محله ماسنجرات أخرى كثيرة.

المدونات السابقة التي قلّ الاهتمام بها حلت محلها الصفحات الشخصية وصارت هي نفسها المدونات وهي التي تعجّ بالأخبار؛ زائفها ومفبركها وصحيحها.

واقعيا وبسبب عدم وجود ما يمنع من بث الأخبار وتداولها حتى لو لم تكن صحيحة ولا دقيقة راجت سوق الأكاذيب الإخبارية وهو الأمر الذي تكافح هذه المنصات من أجل القضاء عليه أو الحد منه لما له من تأثير بالغ في تحديد مسارات المستخدمين وتوجهاتهم وتفضيلاتهم.

فيسبوك، المنصة العملاقة تتحالف مع وكالة الصحافة الفرنسية في حملة اقتفاء أثر الأخبار ومقاطع الفيديو المزيفة والمحرفة. أموال طائلة تنفق لملاحقة هذا الوباء ومع ذلك من الصعب السيطرة على الموقف فالأمر لا يقتصر على الأخبار السياسية مما تسعى فيسبوك للتصدي له ولكنه يشمل قطاعات واسعة متأثرة بالظاهرة.

فيسبوك تحدثت عمّا تسميه “مؤشر الثقة” وهو ما تروج له كمفتاح لملاحقة الأخبار الكاذبة. ومؤشر الثقة هو رمز يمكن استخدامه لمعرفة المزيد عن الناشر والمقالات المنشورة في فيسبوك وهو طموح يراد الوصول من خلاله للناشر أو الناشرين الأصليين ومصادر الخبر وسياسات الاستخدام والملكية.

تبدو هذه المصطلحات غريبة تماما في ظل العشوائية ولا نقول الفوضى التي تضرب المنصات التواصلية فضلا عن مضي المحرر الذي يحرر لنفسه في ما هو فيه بعيد عن الأنظار، مخاطبا جمهورا صغيرا من المقربين منه.

وفي وسط ذلك هنالك تلك الفبركات العجيبة للصور ومقاطع الفيديو التي تعد أكثر إقناعا من الكلام ولهذا يتم اللجوء إليها في هذه المنصات بكثافة غير مسيطر عليها هي الأخرى ما لم يجر الإبلاغ عنها وهو أمر لا يحدث كثيرا.

المحرر الذي لا ينام والذي ينشر لنفسه وللآخرين ما يشاء وليس بالضرورة ذكر المصدر يقابله المحرر المفبرك والذي يحرف أو يفتعل الأخبار ويزيف الصور وبذلك تتكامل الظاهرة.

18