منصات للتواصل الاجتماعي أم حلبة للصراعات السياسية؟

انعكاسات السياسات وأصداؤها صارت تجد لها مكانا في جرائد الناس وفي حياتهم اليومية. والقصد هو أنك ترى الخبرات والأخبار اليومية حاضرة بقوة في منصات التواصل الاجتماعي.
الثلاثاء 2018/12/18
منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى فضاء ضخم لضخ الأفكار والمواقف السياسية

هي يوميات متجددة، تلك (الجرائد) الرقمية التي صارت برسم ملايين المستخدمين. فلكلّ جريدته التي يسطّر فيها تفاصيل يومياته من دون قيد ولا شرط.

ذلك المستخدم المجهول والغارق وسط طوفان من مليارات البشر، وكلّ يحمل جريدته، وقد صار يجد في فيها منبرا يطلق عقيرته من خلالها بما شاء من أفكار ومواقف وتفاصيل.

لكن ذلك المكسب الرقمي- التكنولوجي، لم يعد مجردا ولا بعيدا عما يجري من حول المستخدم من ضجيج وتحولات سياسية يعج بها العالم اليوم من جراء الأزمات المتفاقمة التي تعصف بكل بلد على حدة.

وعلى هذا صارت انعكاسات السياسات وأصداؤها تجد لها مكانا في جرائد الناس وفي حياتهم اليومية. والقصد هو أنك ترى الخبرات والأخبار اليومية حاضرة بقوة في منصات التواصل الاجتماعي؛ بما في ذلك الصراعات السياسية السائدة اليوم.

اقرأ مثلا أصداء ثلاثة مواقف وهزّات سياسية قوية وابحث عن حضورها في (جرائد) المستخدمين، أقصد صفحاتهم الخاصة. هذه المواقف/ الهزّات، هي مأزق البريكست ومظاهرات أصحاب السترات الصفراء في فرنسا ومأزق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع المشرّعين.

في كل حالة من الحالات الثلاث هنالك انقسام مجتمعي تلقائي. هنالك بريكستيون حتى النخاع يؤيدون الخروج البريطاني من الجسد الأوروبي مهما كان الثمن، يريدون لبريطانيا استعادة (عظمتها) التي يرون أنها قد فقدت من جراء الذوبان في وسط تكتل يقدّرون أنه لا يربطه بهم رابط، وإلا كيف يتساوى البريطاني مع الروماني والبلغاري والبولوني وحتى الفرنسي؟

صراعات سياسية بكل تأكيد، واحتقانات مجتمعية تجد لها متنفسا عبر تلك المنصات التواصلية، حتى أنها صارت ظاهرة يومية من الصعب السيطرة عليها وعلى تشعباتها ونموّها المطّرد

وهنالك في المقابل من يرى أن هذا الاندفاع المتهور نحو حافة الهاوية بالطلاق من أوروبا، لن يجلب لبريطانيا سوى الخراب وأن البريكستيون ليسوا في الغالب إلّا شعبوين يطربون للحن العزلة، فيما العالم يسير قدما نحو الانفتاح وذوبان الحدود.

منصات التواصل الاجتماعي تغص بمن هم مع ومن هم ضد، ولا يكاد يخرج تصريح من مسؤول بريطاني أو أوروبي بصدد دوامة بريكست حتى يتجلى الخلاف وصراع الأفكار جليا.

في المقابل، تعرضت فرنسا ولا تزال إلى هزة اجتماعية عنيفة وغير مسبوقة من خلال المظاهرات الغاضبة لأصحاب السترات الصفراء وهم غالبا من الطبقة العمالية الأكثر تضررا وهم من أصحاب البلد الأصليين وليسوا بالضرورة المهاجرين.

على وقع تلك الاحتجاجات العنيفة وموقف من يعرف بأنه رئيس الأغنياء لا الفقراء، ويقصد به الرئيس الفرنسي الحالي، انقسم المغردون ومنشئو الصفحات في منصات التواصل الاجتماعي على شكل الإصلاح المطلوب، لكن في كل الأحوال انتقل الموقف السياسي بكل تداعياته إلى تلك المنصات التواصلية.

الظاهرة تتسع وتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء ضخم لضخ الأفكار والمواقف السياسية. عربيا مثلا، صرتَ تقرأ تغريدات لسياسيين عرب وصناع قرار من وزراء وغيرهم تقابلها تعليقات لا تخلو من شراسة  الاختلاف وأحيانا من السخرية بأطروحة الوزير وحتى سياسات حكومة بلاده.

هي بالفعل ظاهرة غير مسبوقة حتى أنه لم يعد لدى المسؤول العربي ما يفعله إزاء تلك التغريدات والمواقف الشعبية، وحتى إذا أراد أن يمحوها أو يبلغ عنها فلسوف تظهر غيرها أضعافا مضاعفة أو أن يعزل الوزير أو المسؤول نفسه ويكف عن الكتابة والتغريد.

يلفت نظري أيضا ما يسطره برلماني عراقي مثلا، فهو يحسب واهما أن الكتابة (بلغة الشارع) باستخدام اللهجة العامية وأحيانا الأقرب إلى السوقية، سوف تقربه من الناس لا سيما وأنه يطرح قضايا سياسية تمس الرأي العام ولكن بأسلوب لا يخلو من الفجاجة ولهذا لا يلبث أن يتلقى سيلا من التغريدات والردود الشرسة التي تنتقده وتفند أطروحته وأحيانا أكثر من ذلك…

هي صراعات سياسية بكل تأكيد، واحتقانات مجتمعية تجد لها متنفسا عبر تلك المنصات التواصلية، حتى أنها صارت ظاهرة يومية من الصعب السيطرة عليها وعلى تشعباتها ونموّها المطّرد.

18