منصب وزير داخلية العراق يشعل الصراع داخل ميليشيا بدر

أهمية وزارة الداخلية العراقية في السيطرة على مقاليد الحكم بالبلاد تجعل الصراع على قيادتها يشتد في داخل الفصيل الشيعي الواحد الذي يعتبرها حقّا أصيلا له، الأمر الذي يرجّح سيناريو بقاء المنصب شاغرا، أو شغله من قبل رئيس الحكومة ذاته حسما للنزاع.
الاثنين 2016/08/01
رحل "الفاشل" وبقيت أسباب الفشل

بغداد - عاد التنافس الحادّ على قيادة وزارة الداخلية في العراق ليظهر إلى العلن مجدّدا، كون هذه الوزارة تعتبر أحد مفاتيح السيطرة على مقاليد الحكم في العراق لما تتمتع به من مقدّرات مادية وبشرية ضخمة وما يمتلكه الممسك بزمامها من سلطات واسعة، فضلا عن كون ضخامة ميزانيتها تمثل بابا من أبواب نهب المال العام، إضافة إلى أنّ أدراجها ودهاليزها تعتبر مستودعا لأسرار خطرة بشأن كيفية إدارة الدولة العراقية بعد سنة 2003 بما في ذلك وثائق عن تصفية خصوم سياسيين والتنكيل بالآلاف وتعذيبهم.

وخصوصية الصراع على منصب وزير الداخلية هذه المرّة أنه يدور، ليس فقط بين فرقاء الأحزاب والميليشيات الشيعية المتقاتلة على المناصب والمكاسب، ولكن في صلب ميليشيا بدر وبين قطبيها أيضا.

وكشفت مصادر نيابية مطلعة في بغداد، أن ترشيح وزير جديد لوزارة الداخلية خلفا لوزيرها السابق محمد سالم الغبان الذي استقال من منصبه على خلفية حادثة تفجير الكرادة مطلع الشهر الماضي، بات يواجه صعوبة داخل ميليشيا بدر الشيعية التي تعد الوزارة من حصتها، بسبب خلافات ظهرت بين أمينها العام هادي العامري ونائبه أبومهدي المهندس الذي يوصف بالرجل القوي والقائد الفعلي لقوات الحشد الشعبي المؤلفة من عشرات الميليشيات الشيعية.

ووفق ما تسرب من معلومات مصدرها كتلة بدر البرلمانية وتابعتها وكالة العباسية نيوز في بغداد، فإن المهندس مازال مصرا على عودة الغبان لتسلم وزارة الداخلية من جديد ومنحه صلاحيات واسعة كان قد طالب بها قبل استقالته، وهو أمر يرفضه رئيس الحكومة حيدر العبادي معتبرا عودة الغبان إلى الوزارة التي استقال منها بمحض إرادته بعد إخفاقه في إدارة الملف الأمني مسألة لا نقاش فيها، في حين يسعى هادي العامري إلى تهدئة الأمور ورشّح بالاتفاق مع رئيس ائتلاف دولة القانون رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، النائب قاسم الأعرجي القيادي في ميليشيا بدر وعضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية ليتولى الوزارة بدلا من الغبان.

ويشغل العامري سياسيا وتنظيميا موقع الأمين العام لمنظمة بدر، وهي عبارة عن ميليشيا كانت تشكل الجناح العسكري للمجلس الأعلى الإسلامي قبل انشقاقها عنه في العام 2009، فيما يتولى المهندس، واسمه الحقيقي جمال محمد جعفر، مهام نائب الأمين للشؤون العسكرية.

تسرب الاعتبارات الطائفية والحسابات الحزبية إلى وزارة الداخلية العراقية يمثل أحد عوامل فشلها في القيام بمهامها

واستنادا إلى أوساط نيابية مقربة من الأعرجي، فإن اعتراض المهندس على توليه وزارة الداخلية يأتي بسبب كون الأخير من خط العامري ومحسوب عليه، وسبق له أن نقل إلى قيادة منظمته اعتراضات عدد كبير من النواب من ضمنهم نواب شيعة على ظهور أبومهدي في ساحات العمليات العسكرية وكأنه القائد العام لقوات الحشد الشعبي، رغم أن منصبه في الحشد هو النائب الثاني لقائده الرسمي فالح الفياض ويأتي اسمه بعد الفريق محسن الكعبي، محذرا مما يترتب على ذلك من إهمال وتهميش لقادة فصائل أساسية باتوا يشعرون بالإحراج أمام مقاتليهم.

ويهوّن النائب عن بدر محمد ناجي، من شأن الخلافات بين العامري والمهندس حول وزارة الداخلية، ويقول إنها مجرد اختلاف في وجهات نظر “القائدين”، مؤكدا أن الوزارة استحقاق انتخابي لمنظمته قبل أن تكون حصة لها، ومتوقّعا أن يشغلها بالوكالة وزير الاتصالات الحالي ومسؤول بدر في محافظة البصرة، حسن الراشد إلى حين ترشيح وزير لها بالاتفاق بين قيادة المنظمة ورئيس الحكومة حيدر العبادي.

ويرى عدد من النواب العراقيين أن خلافات العامري والمهندس حول وزارة الداخلية تصب في صالح رئيس الحكومة الذي لا يُستبعد أن يلجأ إلى الإبقاء على الوزارة تحت إشرافه المباشر كما فعل سلفه نوري المالكي طيلة الفترة من سنة 2010 إلى سنة 2014 مع تفويض بعض صلاحياته لوكيلها الحالي عقيل الخزاعي لإدارتها.

ومن جهتهم يرى متابعون للشأن العراقي أنّ تسرّب الاعتبارات الطائفية والحسابات الحزبية إلى وزارة الداخلية العراقية يمثّل أحد عوامل فشل الوزارة في القيام بمهامها، وخصوصا ما يتصل بالجانب الأمني الذي بات يمثّل معضلة حقيقية ومظهرا من مظاهر الفشل الحكومي العام في إدارة شؤون الدولة، وأيضا مبعث غضب العراقيين من حكومة بلادهم التي يتهمونها بالعجز عن حماية الأرواح، حيث ماتزال التفجيرات والهجمات الانتحارية تحصد أرواح العراقيين بشكل يومي وتطول أكثر المناطق تحصينا في العاصمة بغداد وغيرها من المناطق والمدن، فضلا عن انتشار الجريمة بما في ذلك الجريمة المنظمة وكثرة عصابات القتل والسطو على الأموال والممتلكات.

ويؤكّد خبراء الشؤون الأمنية أنّ وزارة الداخلية العراقية غدت مثقلة بالآلاف من الموظفين والمنتسبين المنتدبين خارج معيار الكفاءة وعلى سبيل المحسوبية والمكافأة، الأمر الذي انعكس على أداء الوزارة ككل. وكان التفجير بالغ الدموية الذي ضرب حي الكرادة بالعاصمة بغداد مطلع شهر يوليو الماضي موقعا المئات من الضحايا بين قتلى وجرحى، قد سلّط الضوء مجدّدا على المشاكل التنظيمية والهيكلية التي تنخر وزارة الداخلية العراقية، وتوجّهت في إطار ذلك اتهامات مباشرة لوزير الداخلية محمد سالم الغبان بتعيين أقربائه ومقربيه في المناصب المهمة بالوزارة ومن ذلك تعيين شقيقين له موظفين بمكتبه. وقد اضطر الوزير إلى تقديم استقالته تاركا المنصب شاغرا وفاتحا الباب للتنافس الشرس على ملئه.

3