منصة الشارقة للأفلام تعرض ستين فيلما

في دورتها الثالثة تضمنت منصة الشارقة للأفلام إلى جانب العروض السينمائية جلسات نقاش دارت حول قضايا سينمائية حساسة وإشكالية بالنسبة إلى العاملين في حقل السينما.
الخميس 2020/11/26
فيلم "بؤرة الزلزال" وثائقي من نوع خاص

ارتأت بعض مهرجانات السينما في العالم إلغاء دوراتها أو تأجيل موعد انعقادها، بينما اختارت مهرجانات أخرى تحويلها إلى منصات عرض بديلة، من تلك المهرجانات تأتي منصة الشارقة للأفلام التي انتهت فعاليات دورتها منذ أيام، وشهدت عروضاً جماهيرية محلية سواء في قاعات السينما أو ضمن منصات عرض رقمية بديلة.

انتهت منذ أيام عروض منصة الشارقة للأفلام في دورتها الثالثة، والتي شارك فيها قرابة 60 فيلما سينمائيا ما بين الروائي الطويل والقصير والوثائقي، وكانت دورة هذا العام قد أقيمت دون توجيه دعوة حضور للضيوف، واختصرت على العروض السينمائية للجمهور المحلي، بينما تمكن المتابعون في كل أنحاء العالم من مشاهدتها عبر بوابات عرض رقمية.

وأعلنت المنصة الفائزين بجوائزها في الفئات الروائية والوثائقية والتجريبية حيث اختارت لجنة تحكيم الأفلام الروائية المكونة من أليس كروبي وكرم أيان كلا من “أسماء الورود” إخراج بهمان تافوسي كأفضل روائي طويل و”تيقّظ واستعد” إخراج فام ثين كأفضل روائي قصير فيما حصل فيلم “النساء” إخراج إيمان فاخر على تنويه خاص وحظي فيلم “عار” إخراج عبدالله البن حمضة بثناء لجنة التحكيم.

كما اختارت لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية المكونة من جون أكومفرا وافتخار دادي وفيولا شفيق كلا من “أمهات الأرض” إخراج دييغو وألفارو سارمينتو كأفضل وثائقي طويل و”لم أرَ شيئاً رأيت كل شيء” إخراج ياسر قصاب كأفضل وثائقي قصير، وحصل فيلما “كيف يشعر الهواء” إخراج خولة مالك و”شجرة الراغبين” إخراج سيلفينا دير ميغيرديتشيان على تنويه خاص.

وفي فئة الأفلام التجريبية اختارت لجنة التحكيم المكونة من أبيتشاتبونغ ويراسيثشكول ودلفين غارد مروة ومنير فاطمي كلا من “مرجل الساحرة” إخراج برانسلاف جانكيك كأفضل تجريبي طويل و”اربطوا أحزمة مقاعدكم عند الجلوس” إخراج سمير رضوان كأفضل تجريبي قصير وحصل فيلم “التهديد الوهمي” إخراج جريمي أرنفيلد على تنويه خاص.

قضايا وأفلام

مشهد من فيلم "أسماء الورود"
مشهد من فيلم "أسماء الورود"

 تضمنت دورة هذا العام إلى  جانب العروض السينمائية بعضا من جلسات النقاش التي دارت حول قضايا سينمائية حساسة وإشكالية ليس فقط بالنسبة إلى منطقتنا العربية، بل بالنسبة إلى كل العاملين في حقل السينما في أرجاء العالم، بسبب انتشار جائحة كورونا وتأثيرها على كل مناحي الحياة وفي مقدمتها السينما.

 فجاءت جلسة “تأثير منصات البث الرقمي في توزيع الأفلام”، التي شارك فيها كل من مدير مهرجان إسطنبول السينمائي كريم أيان، ومدير مهرجان أيام البندقية جايا فورير، ومايك هوهن مدير مهرجان كرزفلم هامبورغ، وأدارها يزن الغزاوي رئيس قسم السينما في المنصة، لتناقش خطر النمو المتزايد لاستخدام منصات العرض البديلة، في ظل الحاجة الملحة لذلك، وتأثير هذا النمو بشكل مباشر على العاملين في قطاع السينما من مدراء وموزعين للأفلام، وهي واحدة من الجلسات الهامة على اعتبار أن الجائحة ربما ستستمر لأكثر من عام وستفرض بالتالي شروطا خاصة بعرض الأفلام وتوزيعها، قد يكون لها انعكاسات سلبية على العاملين فيها.

كما شهد المهرجان جلسات نقاش حول “حقوق نشر الأفلام وتوثيقها وإنتاجها”، و”تحديات كتابة وإنتاج الأفلام الطويلة والمستقلة”، و”استدامة مصادر التمويل السينمائي”، وجلسة حول موضوع “المرأة في السينما” شاركت فيها كل من المخرجة التونسية بثينة بوسلامة الحاصلة على الجائزة الكبرى في أيام سولوتورن السينمائية في سويسرا عن فيلمها الوثائقي ”رحلة البحث عن أسامة”، والمخرجة السعودية هناء العمير التي سبق وأن حصلت على النخلة الذهبية من مهرجان أفلام السعودية عن فيلمها “شكوى”، إلى  جانب المخرجه خوله مالك، وأدارها المخرج والمنتج السينمائي ريشيل شاه.

 وتأتي أهمية تلك الجلسة ليس فقط بسبب تطرقها للتجارب الشخصية لتلك المخرجات وتوضيح دور المرأة ومكانتها في حقل صناعه السينما، بل لأن موضوع المرأة وأفلامها من المسائل التي باتت هامة بحد ذاتها، لدرجة خصصت فيها بعض الدول مهرجانات سينمائية تُعنى فقط بالمرأة وأفلامها، نذكر من تلك المهرجانات على سبيل المثال لا الحصر عربيا ً كل من مهرجان سلا في المغرب، ومهرجان أسوان لأفلام المرأة في مصر.

الفيلم الباكستاني "إليزابيث" فيحاول المخرج عبر 4 دقائق زمن الفيلم، تصوير إليزابيث، الفتاة التي تعاني من رهاب الأبواب الدوارة، ورغبتها المتكررة والجادة للتخلص منها

لم تتح المنصة أو ربما بطلب من صناع الأفلام أنفسهم، مشاهدة جميع الأفلام بشكل متوازن وعادل للجمهور عبر المنصات البديلة، فبعض الأفلام التي كانت متاحة للعرض مثلا في أميركا وأوروبا لم تكن كلها متاحة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والعكس صحيح، بينما أتيحت بشكل كامل جميع الأفلام افتراضيا للجمهور المتواجد داخل دولة الإمارات، وذلك وفق أجور عرض تكاد تكون رمزية، في حين منح ضيوف المهرجان من مشاركين ونقاد بوابات عرض مجانية.

كما أن المنصة لم تكتف بعرض الأفلام على المنصات الرقمية فقط، بل أتاحت عرضها للجمهور في إمارة الشارقة ضمن بعض قاعات السينما، وفق شروط صحية صارمة.

أما بالنسبة إلى الأفلام المشاركة في دورة هذا العام، فتعتبر متميزة جدا، ليس فقط لحداثة تاريخ إنتاجها والذي في معظمه ما بين 2020 أو 2019، وإنما لكون بعض من تلك الأفلام تعرض إما للمرة الأولى في العالم، أو للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما في فيلم “بؤرة زلزال” الذي عرض في الافتتاح ومباشرة بعد عرض الفيلم الروائي القصير “في زمن الثورة” للمخرجة اللبنانية سهى شقير، وهو الفيلم الحاصل من منصة الشارقة، على منحة لإنتاج الأفلام القصيرة في العام 2020، وتدور أحداثه في بيروت بعد ثورة 17 أكتوبر من العام 2019.

أهم الأعمال

المهرجان يقدم إطلالة على أهم الأفلام العالمية
المهرجان يقدم إطلالة على أهم الأفلام العالمية

في جردة سريعة لبعض الأفلام الهامة والتي كانت متاحة للمشاهدة في منطقة الشرق الأوسط، يأتي فيلم الافتتاح “بؤرة الزلزال” وهو فيلم وثائقي طويل للمخرج هوبرت ساوبر، من إنتاج مشترك ما بين فرنسا والنمسا 2020، وتدور أحداثه حول كوبا في مرحلة ما بعد الاستعمار، حيث يحاول المخرج أن يستكشف قرناً من التدخل الأجنبي وصناعة الأساطير، مستعينا بسكان هافانا وخاصة الأطفال منهم.

ويعتبر الفيلم الذي صور بطريقة شبه عفوية، مع أطفال فقراء جدا ولكنهم غاية في الذكاء والتميز، واحدا من أكثر الأفلام الوثائقية جمالا وحساسية مقارنه بالعشرات من الأفلام الوثائقية التي عرضت مؤخرا، وقد سبق للفيلم وأن حصل على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان صاندانس السينمائي2020، ورشح لجائزة دوكس في مهرجان كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية، ولجائزة أفضل فيلم وثائقي من مهرجان أديلايد السينمائي.

ويأتي فيلم المخرج السوري الشاب ياسر قصاب “لم أر شيئاً، رأيت كل شيء” 20 دقيقة، وهو وثائقي قصير، ليعرض واحدة من أشد قصص تداعيات الحرب السورية قساوة، حين يتصل المخرج المقيم حاليا في إحدى الدول الاسكندنافية بوالده في مدينة حلب، ليتلقى نبأ نقل رفاة أخيه قسرياُ من مكانه لآخر، الأمر الذي زاد من إحساس المخرج بالفقد وتزايد مسافة البعد عن الأهل، وهو فيلم من إنتاج مؤسسة بدايات 2019، ولم يسمح للفيلم بعرضه رقميا خارج حدود دولة الإمارات.

أما فيلم “عار” السعودي، والذي كان بعكس فيلم قصاب، متاحاً للعرض رقميا فقط في منطقة الشرق الأوسط، فيدور حول حوار أجراه مخرج الفيلم عبدالله البن حمضة مع صحافي حول حادث مروع حصل في السعودية منذ ما يقارب 8 سنوات، حين قتلت شابه والديها ثم انتحرت، يحاول الفيلم كشف ملابسات الحادث وأسبابه اللاأخلاقية التي دفعت تلك الشابة اليافعة لتقوم بفعلتها.

شهد المهرجان جلسات نقاش حول "حقوق نشر الأفلام وتوثيقها وإنتاجها"، و"تحديات كتابة وإنتاج الأفلام الطويلة والمستقلة"، و"استدامة مصادر التمويل السينمائي"، وجلسة حول موضوع "المرأة في السينما"

وما زالت السينما التركية مدهشة، ومن المحزن أن الظروف السياسية حالت مؤخرا دون حضورها في بعض المهرجانات العربية العريقة، إنها سينما السهل الممتنع، لا تكلف فيها سواء من حيث المحتوى أو حتى الإنتاج، لكنها رغم ذلك قادرة على امتلاك المشاهد وإمداده برغبة عميقة لمتابعه الفيلم حتى نهايته، ويأتي فيلم “أرض نوح” للمخرج جنك أرتورك 2019، كنموذج لتلك الأفلام المدهشة.

وتدور أحداث الفيلم الذي سبق وكان من اختيارات مهرجانات تربييكا السينمائي الرسمية، حول رجل مسن ومريض ويحضّر نفسه للموت، فيقرر برفقة ولده العودة إلى قريته مسقط رأسه حيث سيموت ويدفن هناك، وقد اختار لنفسه مدفنا تحت شجرة، كان قد زرعها بنفسه منذ ما يقارب 49 عاماً خصيصا لتلك المناسبة، ولكنه يفاجأ حال عودته بأن تلك الشجرة باتت مزاراً ومقصداً دينيا، الأمر الذي يجعل من الاستحالة إعادتها لملكيته وتحقيق حلمه بالموت تحت ظلالها.

قد تبدو قصة الفيلم في مستواها الأول بسيطة وقابلة للحل، لكننا نكتشف تدريجيا أنها تحمل أبعادا كثيرة تردنا لا شعوريا إلى مسألة الأرض وحق العودة، فالرجل الذي كان قد غادر ليس فقط قريته وإنما زوجته وطفله الصغير منذ سنوات بمحض إراداته، كان قد غرس شجرة في أرض يمتلكها، لكنه فعليا ليس من قام برعايتها، وهي بذلك تشبه ابنه الذي قبل بمرافقته رغم كل عدائه له، لكن السؤال يبقى، هل فعلا مازالت تلك الشجرة من حقه ومن ضمن أملاكه؟

إنها قصة عن الأرض والوطن الذي يتخلى أبناؤه عنه، وهذه الشجرة لم تعد اليوم مجرد شجرة، إنها مصدر رزق وحياة لكل سكان القرية الذي سيتواطؤون ضد المالك الحقيقي وسيقفون في وجهه حتى لو اضطرهم الأمر للقليل من العنف. 

المنصة لم تتح مشاهدة جميع الأفلام بشكل متوازن وعادل للجمهور عبر المنصات البديلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

ويأتي من ضمن العديد من الأفلام الروائية القصيرة التي عرضتها المنصة، فيلم “غطاء” للمخرج الإيراني فاهيد الفنديفار، كفيلم ملفت من حيث الطرح، ورغم أنه فيلم يعتبر قديما نسبيا من إنتاج 2018، إلا أنه مازال يحمل الكثير من المفاجآت، خاصة وأنه يدور حول قدرية الموت ومحاكاتها.

وتدور أحداثه حول صديقين استلما جثة صديقهما الميت من المشرحة، وسيرحلان به للدفن في قريته، لكن الميت في الرحلة سيصحو ويرفض العودة إلى حياته وعائلته، وبين شد وجذب، يلقى حتفه، ويموت حقيقة هذه المرة، ليتم نقل رفاته إلى عائلته. صحيح أن قصة الفيلم تدور حول موضوع استثنائي قد لا يتقبله العقل، إلا أن المخرج قدمه بطريقة طريفة أقرب إلى الكوميديا منها إلى التراجيديا، لدرجة بات الفيلم مقبولا جماهيريا وربما ممتعاً.

اما الفيلم الباكستاني “إليزابيث” للمخرج جمال رحمان 2019، فيحاول المخرج عبر 4 دقائق زمن الفيلم، تصوير إليزابيث، الفتاة التي تعاني من رهاب الأبواب الدوارة، ورغبتها المتكررة والجادة للتخلص منها. الجدير بالذكر أن مؤسسة الشارقة للفنون لم تكتف هذا العام بالجلسات النقاشية والعروض السينمائية ـ بل قامت وبالتعاون مع مدينة الشارقة للإعلام “شمس”، بإطلاق مشروع “المحترف السينمائي” كجزء من المنصة في دورتها الثالثة.

15