منصور التركي.. مهندس كلمات الداخلية السعودية وسلاحها الإعلامي

الأحد 2013/12/29
التركي.. قائد "لواء" المتحدثين الرسميين

الرياض- مهندس كهربائي، قادته سنوات عمله العسكرية إلى أن يكون متحدّث أمّ الوزارات السعودية، لتحمله تراكمات منصبه إلى أن يكون ضمن أهداف التنظيمات الإرهابية، بعد أن أصبح هو الظاهر في كشف خططهم ومبشّر السعوديين الصوتي والمرئي بإفشال مخططاتهم.

اعتاد السعوديون أن يسمعوا عبر صحفهم وتلفزيونهم المحلي عبارة “صرح مصدر مسؤول” حتى تحولت هذه العبارة المقذوفة من خلف الأسوار إلى أسلوب سخرية مجتمعية، في تركيبة إعلامية محلية لا تعرف سوى وكالة الأنباء المحلية، وشكلتها وزارة الداخلية منذ أعوام عشرة.

فلم يكن من باب الصدفة أن تعين الداخلية السعودية بملفاتها الكبرى خاصة في الشؤون الأمنية متحدثا عسكريا يعشق الصمت والتخطيط والهندسة الكلامية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك ليكون أبا للإعلاميين اللاهثين خلف تداعيات الخبر والحدث الأمني خاصة في سنوات حمراء عاشتها السعودية في العامين 2003- 2004.

كانت وزارة الداخلية صاحبة السبق في تأسيس مفهوم المتحدثين الرسميين منذ العام 2004 الذي جرى تعميمه بعدها بسبعة أعوام بعد نجاح الداخلية برجلها الهادئ الصبور اللواء منصور التركي في الوصول إلى مبتغاها وتوضيح حقائق عديدة أمام منابر الإعلام المختلفة، وجعلت النقاش على الهواء بعد أن كان خلف أبواب هرم الأمن الموصد بأسلاك الصمت التي إن نطقت أحدثت دويا كبيرا.

اللواء المهندس منصور التركي، جاء قبل رتبته الحالية، بنجومٍ ثلاثة وتاج، أخفت شهادة الهندسة الكهربائية التي نالها من جامعة سياتل الأميركية، ليكون الصوت الأمني المحطم لاجتهادات وسائل الإعلام في الوصول إلى منابع الأخبار الأمنية الحساسة المشتهاة من قبل أسراب الصحافيين من المملكة وخارجها.

مع كل إنجاز أمني سعودي، وفي كل تبيان عن حقيقة وضع ما، يطل اللواء المهندس التركي، مفرزا بذور الطمأنينة في قلوب السعوديين، حتى نمت اليوم شجرة أمن وأمان تعلق الإعجاب باللواء الاستثنائي الذي يعكّر صفو التنظيمات الإرهابية فجعلته في قائماتها المستهدفة بعد وقوفه سدا إعلاميا منيعا ضدهم.

هو أول متحدث رسمي في الأجهزة الحكومية، ورغم تعدد المتحدثين في قطاعات الدولة، لكنه كما كان أولا، لا يزال أولا في حسن تعامله وتواصله الشامل من أكبر رئيس تحرير حتى أصغر صحافيي المملكة ومن هم خارجها، ليحقق معادلة التصحيح الإعلامي في قناة الداخلية دون حواجز أمنية.

زواج الأمن والإعلام بحضور مأذونه التركي، عقده الأخضر يرسم خريطة بناء مستقبل الإعلام وتعامله مع الأحداث في دولة كبرى لا تزال مرمى لتصدير الجريمة إليها من الخارج وحراك في بعضه يسعى إلى أهداف عديدة سوداوية في الداخل، توضيحا لمعلومات خاطئة وشارحة لخطط وتنظيمات فيما قبل وقوع الأزمات.

لم يكن من باب الصدفة أن تعين الداخلية السعودية بملفاتها الكبرى خاصة في الشؤون الأمنية متحدثا عسكريا يعشق الصمت والتخطيط والهندسة الكلامية

منصور التركي يرتدي زيه العسكري ظاهرا وباطنا، ممسكا بقوة لكل تفاصيل مهنته، ليس في ساعات عمله فحسب بل يمتد ذلك إلى ما وراء ساعات المساء، جاعلا من هاتفه النقال منبرا إعلاميا للباحثين عن المعلومة وتبين منها الحد من اجتهادات وربما افتراءات الصحف عن كل ما يدور داخل الداخلية السعودية في الشق الأمني على وجه التحديد.

كان الإعلاميون قبل الرأي العام يخشون بيانات وأخبار الأمن السعودي، لكن اللواء منصور التركي نجح في أسلوب التغذية السريعة والمتروية بقلب ميزان الخوف إلى الأمان، جاعلا مصداقيته ودقة كلماته مثالا يُحتذى للمتحدثين الرسميين في أجهزة الحكومة السعودية.

وكانت بعض وكالات الأنباء العالمية قادرة على خلق تنافسية الأخبار في زمن ماض، عبر بعض الأخبار غير الحقيقية في أوقات عديدة عن الشأن الأمني السعودي، وتجد صداها تلك الأخبار في مجتمع اعتاد على عبارة “مصدر مسؤول” يتم التعاطي معه بأسلوب التشكيك، فظهر الـ“منصور” بالداخلية لتهدأ معه الأقلام والأصوات.

لا يستغرب القارئ أن يقرأ أكثر من تصريح “خاص” للصحيفة المقروءة، لأن اللواء التركي يتقبل كل أسئلة الإعلاميين مهما كانت تعقيدات منحنياتها بسرعة البديهة وحسن المنطوق، فهو يراها جزءا من عملية صناعة التنمية في بلـده ومجتمعه.

يرى اللواء المهندس أن أمر العودة لوسائل الإعلام للحصول على المعلومات يسبب الإشكالية كون أهداف وسائل الإعلام ليست بالضرورة أن تتفق مع أهداف المجتمع، وهو ما يعزز أهمية وجود الناطق الإعلامي لتوضيح الحقائق كونه مصدر ثقة لدى المواطن.

لا يقتصر دور المهندس التركي القادم من قطاع هندسة المرور بالأمن العام في مخاطبة الجمهور بإعلام علاجي، بل يبادر ويرسم استراتيجية جديدة في المنظومة الإعلامية السعودية في إظهار الوجه الحقيقي للإعلام الوقائي، واستثمار شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ومتابعتها للرد في مفاصل تحتاج التبيان وإظهار الحقيقة.

في موسم الحج، يطل اللواء منصور في ميدان الضوء الكبير، عبر مؤتمرات صحافية يومية تشرح لوسائل الإعلام تفاصيل ومعيشة الحجاج والأوضاع الأمنية والصحية، مختصرا جهود الصحافة والإعلام بعمومه في رصد مسيرة أعماله، وغالبا ما يحرج قطاعات عديدة حين يتحدث بصراحة الإعلامي وحزم العسكري وقلب الإنسان.

لا يقتصر دور المهندس التركي القادم من قطاع هندسة المرور في مخاطبة الجمهور بإعلام علاجي، بل يبادر ويرسم استراتيجية جديدة في المنظومة الإعلامية السعودية

يقترب اليوم من دخول عامه العاشر كمتحدث رسمي عن وزارته التي يقضي فيها جلّ وقته، القريب البعيد من عائلته الصغيرة، الفخورة بصنيعة التركي المحمودة في مخاطبة العقل الإعلامي والنبض المحلي في الوطن السعودي.

حين يغضب في تصريحاته، يوزع اللوم على المجهول الذي يجهله الصحافيون، وليس أدل على ذلك من غضبه الشهير بعد تناقل بعض وسائل الإعلام المحلية أخبارا حملت أبعاد صورة غير حقيقية بعد الهجوم على القنصلية الأميركية في مدينة جدة العام 2004 وهي أولى أعوام توليه منصب المتحدث الرسمي، حينها أيقن الإعلاميون عن خطة مختلفة تضع الإحداثيات الإعلامية في موضعها.

في مكتبه الصغير داخل وزارة الداخلية، يعيش تربويا وقدوة للعاملين معه الذين يودونه ويصلحون من شؤون الخطاب الإعلامي الأمني للوصول إلى خطط استراتيجية للتوعية وتصحيح المفاهيم، يأخذون منه الحرص على مخاطبة الإعلام في ذات الوقت قبل أن تسبق بعضهم ظنونهم للكتابة زورا.

أصبح الإعلاميون في المملكة يعلمون أن هاتف التركي حين يُغلق، فهو في مقعد طائرة يمتطيها للانتقال إلى مواقع الحدث يستقيها ويرسمها؛ ليقدمها لهم على طبق جاهز للقراءة والنشر تحت بند المصدر المسؤول الظاهر للعيان.

ندرة المعلومات المتعلقة بالشأن الأمني السعودي التي كانت في أعوام ماضية، رُميت في خانة النسيان قبل دخول وسائل الإعلام الاجتماعي، لتصبح مع اللواء التركي وفرة وكفاية، والذي تفصله عن أعلى رتبة عسكرية درجة واحدة ربما يحكي الزمن يوما أنه يعتليها وسط بلورة وهيكلة جديدة تعيشها وزارة الداخلية.

10