منصور الهبر يبث الحياة والتعاطف في الأشكال الأكثر برودة

هناك لوحات تقيم التوازن بين الفراغ والامتلاء، ترعى معاهدات السلام حتى وإن اشتد التوتر وارتفعت أصوات الاحتجاج البشري في آفاقها. لوحات تحضّ المتلقي على السعي إلى القبض على الشخوص المرسومة وعلى محاولة “قطفهم”، وكأنهم براعم مُتحولة تتبدد في كل لحظة يحاول فيها الإمساك بها، هكذا هي لوحات منصور الهبر المشاغبة.
الخميس 2015/08/13
اللامكان المأهول في لوحات منصور الهبر

بيروت – تمثل لوحات الفنان اللبناني منصور الهبر نوعا مما يسمى اللوحات المشاغبة، ولعل أشخاصه “الكرتونية” التي رسمها ولوّنها كمن يطوي ويبسط أوراقا، هي أكثر ما تدل على مهارة فنان في بث الحياة ومشاعر التعاطف في الأشكال الأكثر برودة.

مهما تنوعت أعماله التي تتأرجح بين التجريدية والتشكيلية تبقى ثيمة الطواف في فراغ غير عدائي ومشحون بالأوكسجين الكافي، هي الأساس والمنطلق لخيال حرّ لا يهاب الدوران والتحليق بعيدا عن الأرض.

ربما هدوء الفنان ومزاجه المُتوقد في الآن ذاته، يقفان وراء أعمال فنية تحرص على تصوير الإنسان في كل حالاته النفسية بعيدا عن العاطفية المُفرطة. أما عشقه للون فأمر جليّ، غير أنه يبرع في لجم جماحه حتى لا تدخل الأفكار الموجودة في لوحاته إلى متاهة المبالغة وضوضاء التفاصيل، فيضيع المعنى المُراد التعبير عنه.

حتى اللون الأحمر الأكثر حيوية يروضه الفنان ويمنعه من أن يطغى على الألوان الأخرى، وذلك في معظم لوحاته ومنذ بداياته الفنية وصولا إلى اليوم. أما في شأن هذا اليوم الذي ينكبّ فيه على العمل الفني، فيقول منصور الهبر إنه “بصدد تحضير لمعرض يسائل فيه الصمت من خلال مجموعة من اللوحات التجريدية والتشكيلية على السواء”.

ومن أهم مميزات أعماله هي الالتصاق التام بالمواضيع الاجتماعية والسياسية، والانفلّات من التعبير المباشر. تكاد شخوصه المرسومة تشبه في معظم لوحاته فقاعات ألوان تغلب عليها الشفافية فترتفع عن الأرض. تكثفها الأفكار المُجسدة فيها فتقيم لها ثقلا يستحيل تجاهله.

ويقول الفنان إنه في بدء حياته الفنية كان يعتبر: “أن العمل الفني الصادق مع ذاته، هو الذي يقبع في حديقة الفنان الداخلية، غير أنني مع الوقت والتجربة اكتشفت أن لا سبيل إلى تطوير نص فني بعيدا عمّا يحدث من حولنا، وما يحدث هو الكثير”.

حتى اللون الأحمر الأكثر حيوية يروضه الهبر ويمنعه من أن يطغى على الألوان الأخرى، وذلك في معظم لوحاته

ويضيف “لكن في ذات الوقت يمكن، ويجب الحفاظ على الحديقة الداخلية كمرجع وملجأ ومقوض للأسلاك التي تمنع انطلاق الخيال وتحرير الصور المرئية من مرجعيتها الذهنية المألوفة”.

قد تكون هذه “الحديقة الداخلية” التي تكلم عنها الفنان والتي كانت بالغة الحضور في بداية انطلاقته الفنية، تذكر بعوالم النجوم والكائنات المجهرية التي رسمها الفنان الأسباني خوان ميرو، لكنه في اللوحات التي تلت هذه المرحلة “نمّى” منصور الهبر أسلوبه في حميمية مصنعه “الكاتم للصوت”، وبحرية أكثر خصوصية نابعة من مزاجه الخاص وانعتاقه إلى “فضاء أرضي”، إذا صحّ التعبير، حيث بات الملاذ ليس في الفضاء الخارجي ما بين المجرّات والنجوم كما في لوحات خوان ميرو، بل على سطح الأرض على الرغم من كونها تضجا بالمآسي الإنسانية.

تطورت لوحة الفنان مع الوقت لتحتفظ بخصائصها الأساسية، أي التوازن بين الفراغ والامتلاء، وبين العام بالخاص جدا.. والأهم في أعماله الفنية هو عنصر “اللامكان” الذي يظهره الفنان حينا وكأنه حيز مألوف وحميمي تسكنه شخوصه في ملل وهي تتراخى على الأرائك، وحينا آخر تعيش فيه على نبض الحديث المنسوج، والمناجاة الفردية على وقع الأحداث السياسية التي لوّحت بها السخرية السوداء، فأخرجتها من الدراماتيكية.

مؤخرا اشتغل الهبر على سلسلة من اللوحات الشخصية الرائعة، وقد عرضها على صفحة الفيسبوك الخاصة به، وأرفقها بكلمات ألقت الضوء على هذا الجانب الحرّ من شخصيته، وهو في اتحاد مع حركة يده “المطلقة” على صفحات الورق المعدّ للرسم. قال الفنان ما معناه “هذه مجموعة من البورتريهات الذاتية.. لا أعرف لماذا.. لا تسألوني لماذا”.

16