منصور الهبر يطلق أعمالا جديدة على منصة افتراضية

فنان لبناني يلبس العزلة الإنسانية رداء ورديا حالما ومضرّجا بالألم.
الجمعة 2021/03/05
نص بصري متطوّر ضمن منطق الكولاج التجريدي

يواصل الفنان التشكيلي اللبناني منصور الهبر تطوير نصه الفني الذي لم يخرج عن شغفه بمنطق الكولاج الذي اعتمده منذ بداية حياته الفنية. وهو اليوم وفي الصالة الافتراضية التي جاءت ثمرة للتعاون بين صالة “أل.تي” اللبنانية والصالة الفرنسية “يلاو كيوب”، يشارك بالعديد من اللوحات الجديدة التي وصل بها إلى حدّ غدا فيها الكولاج ليس فقط الأسلوب الفني الأقرب إلى مزاجه ، ولكن بات وكأنه مادة أولية يتكوّن منها العمل.

يقدّم غاليري “أل.تي” اللبناني بالتعاون مع صالة “يلاو كيوب” الفرنسية، أي المكعب الأصفر، معرضا فنيا ضخما وعلى منصة افتراضية تهدم جدران الصالات على أرض الواقع بعنوان “ما بعد الحدود”.

يضم المعرض مجموعة من الفنانين اللبنانيين والفرنسيين، ويهدف كما يقول الفنان سيمون مهنا صاحب صالة “أل.تي” اللبنانية إلى “تعريف الفنانين

على بعضهم البعض عبر لقاء في معرض واحد يجمعهم تحت شعار واحد، وهو التأمّل في معنى الحرية والجغرافيا بالمعنى المطلق، من ضمنها الجغرافيا الافتراضية والواقعية، ومحاذاتهما وتداخلهما أو تنافرهما”.

وحدة ملتبسة

بقع لونية مقطّعة تشي بعمق التمزقات الإنسانية
بقع لونية مقطّعة تشي بعمق التمزقات الإنسانية

لا شك أن فكرة “الحوار مع الآخر”، والانفتاح على “الغرب” باتت منذ زمن طويل فكرة بالية بسبب العولمة التي حلت بآثارها الجانبية التي فاقت كل ما انبثق عنها من إيجابيات.

والمشكلة، أو لنقل الواقعة الآن، هي إشكالية تعريف الحدود. الحدود التي تجعل الذات غريبة حتى عمّا ينضح عنها من أفكار ومشاعر. وكذلك باتت المعضلة في ما أفرزت هذه الحدود من تشنّج بين النصوص الفنية القادمة من “جغرافيا” أخرى، وإن لم تعد مُغايرة في ظاهرها. وتميّز هذا المعرض بحضور أشكال فنية مختلفة من تشكيل إلى أعمال ديجيتالية وتصوير فوتوغرافي ونحت وغير ذلك.

قد يكون وباء كوفيد – 19 أقفل صالات فنية عديدة نهائيا وأنتج صالات افتراضية/ بديلة وبتوجه أحادي، وأخرى جمعت بين الاثنين، ولكن جلّ ما فعله هو إرساء المُساءلة الذاتية والجماعية. وجاء هذا المعرض ليكرّس هذه الخاصية من خلال انتقائه للنصوص الفنية/ الفردية المُتباعدة أسلوبا ومضمونا.

منصور الهبر: ليس مهما ماذا أرسم ومتى أرسم، بل المهم كيف أرسم

ولعل من أهم الفنانين اللبنانيين المشاركين في هذا المعرض هو الفنان اللبناني منصور الهبر. وللمفارقة، قدّم الفنان منذ عدة سنوات معرضا ضمّ مجموعة كبيرة من اللوحات المشغولة بالميكست ميديا تتحدّث عن الوحدة ضمن المنزل الواحد وصولا إلى التفكّك الأسري.

حالة يعيشها العالم الذي اضطرّ إلى أن ينكفئ إلى داخل المنازل. وليس غريبا على أحد أن هذه الضرورة أنتجت تقاربا كبيرا بين أفراد العائلة الواحدة، ولكنها أيضا أظهرت مشاكل تواصل هائلة أدّت العديد منها في كل العالم إلى تفكّك عائلي مُخيف جراء ظاهرة الطلاق.

في تلك اللوحات التي وضعها الفنان اللبناني، وكأنه استشراف لما سيحدث في العالم، وضع معظم الشخصيات المرسومة، أو “المُلصقة”، بتفاصيلها عبر تقنية الكولاج العزيزة على قلب الهبر، وليست مُقدّمة على أنها في حوار مع بعضها البعض أو في حميمية جسدية ما، بل صوّرها مأخوذة في عالمها الخاص.

لكن المُشاهد سرعان ما سيكتشف، أن منصور الهبر لم يشأ أن يعبّر عن الوحدة إلّا وهي مرتدية ثوبها الورديّ الحالم، إذ أن الفنان يدخلنا إلى لوحات تصوّر وجوها عدة لهذه الوحدة المُحبّبة والمُلتبسة أشدّ الالتباس.

فعلى سبيل المثال وجدنا في بعض الأعمال عائلة صغيرة من أب وأم وولد، كل منهم منشغل ليس بعمل ما بل بالاسترخاء على كنبة، أو على طرف كرسي أو هو خارج لتوّه من “دش” منعش.

أما في أعمال أخرى، فيصوّر الهبر حبيبين كل منهما يأخذ قسطا من الراحة، أو يقرأ أو منهمك في التفكير بزاوية من زوايا الكنبة أو في موضع آخر من الغرفة. كما يصوّر في عمل آخر صديقين يلعبان ما يشبه لعبة “الطاولة” بهدوء وتشتّت ذهني مريب.

تمزقات تجريدية

اختزال شكلي للأجساد والوجوه
اختزال شكلي للأجساد والوجوه

المُطلع على أعمال الهبر الجديدة في المعرض الافتراضي سيدرك أن الفنان لم يحد بعيدا جدا عمّا قدّمه سابقا، لا من ناحية الأسلوب ولا من ناحية المضمون.

فمن ناحية المضمون، تجلّى عشقه للاختزال في تصميم أجساد ووجوه شخوصه في أسلوب جديد وشى بتحوّل، تحديدا، من دواخل هذه الشخوص.

بات من ينظر إلى أعماله هذه وكأنه يرى ذات الحضور للأفراد وقد تحوّلوا إلى بقع لونية مقطّعة، يجمع ما بينها حد لوني يبهت حينا ويشتدّ حينا آخر، ليؤكّد على فكرة التمزقات التي لم تغادر لوحات الهبر يوما، بل ازداد حدة حتى باتت أعماله تجريدية، ولكن ترمز بوضوح إلى شخوصه التي ذابت في لوحاته دون أن تغادرها والتي تجاورت في لوحاته دون أن تفقد معالم وحدتها المستشرية.

أما من ناحية الأسلوب الذي اتحد مع المضمون، عوضا أن يكون حاضنا أو مُظهرا له، فهو جلّ ما حافظ عليه الفنان مُبتكرا أطرا جديدة له من خلال تقنية الكولاج التي جعلت لوحاته، كل لوحة على حدة، مجموعة من بقع جغرافية/ نفسية ومُتلاصقة “شرّ” التصاق.

الفنان اللبناني جعل من لوحاته الجديدة عبر تقنية الكولاج مجموعة من بقع جغرافية/ نفسية مُتلاصقة {شرّ} التصاق

في إحدى مقابلاته الصحافية قال الهبر “ليس مهما ماذا أرسم، بل المهم كيف أرسم”. وينطبق كلام الفنان اللبناني عن أعماله السابقة انطباقا أكثر وضوحا في أعماله الجديدة.

لا يمكن فصل المضمون عن الأسلوب، دون أن يكونه. أي دون أن تُصبح أعماله الجديدة مُصنّفة بالتجريدية. تجريد منصور الهبر هو تجريد تشكيلي. تجريد بتنا نعيشه وفراغ بدأنا نخيطه بأسلاك غير مرئية حتى لا تنهار الكليّة، كليّة وجودنا كأفراد من ضمن الجماعة.

منصور الهبر من مواليد 1970 حاصل على شهادة في الفنون من الجامعة اللبنانية، هذه الجامعة التي لا تزال إلى الآن تخرّج أفضل الفنانين مقارنة مع الجامعات الخاصة. وحصل على شهادة الماجيستير في الفنون من جامعة البلمند اللبنانية. وهو أستاذ في الأكاديمية اللبنانية للفنون. له العديد من المعارض الفردية والجماعية داخل لبنان وخارجه. ومن معارضه تلك التي حقّقها في الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج.

17