منصور مهني: ثقافتنا تحمل من التسامح والحداثة ما يؤسس لنهضة حقيقية

الجمعة 2014/02/21
مهني: التعريب فتح المجال لسلطة الفكر الإسلاموي ومنه إلى التطرف الديني

الكاتب والجامعي التونسي منصور مهني نال مؤخرا “جائزة كاتب ياسين” الأدبية في قالمة بالجزائر، وهي مخصصة للرواية المنشورة في المغرب العربي باللغة الفرنسية، وتسلمها في حفل اختتام منتدى “كاتب ياسين” الدولي الخامس (15-18 يناير 2014)؛ في حين أن الجائزة الخاصة “كاتب ياسين”، التي تكافئ عملا جامعيا أو نقديا يعنى بأدب كاتب ياسين أو الأدب المغاربي عامة، آلت إلى الجامعي والكاتب بنعمار مدين عن كتابه “كاتب ياسين، الكاتب والقلب”. “العرب” تحدثت مع منصور مهني حول تتويجه في الجزائر وفي مواضيع أخرى.

منصور مهني صاحب 5 مجموعات شعرية (والسادسة ستصدر قريبا)، ومجموعة قصصية “جزاء سنمار” وقصة “العنكبوت” والرواية المتوجة “ليلة الألف ليلة أو ملك المشنوقين”. وقد ترجم خاصة إلى الفرنسية روايتي “حركات” لمصطفى الفارسي و”المؤامرة” لفرج الحوار وأصدر أربعة كتب في الدراسات الأدبية، إضافة إلى إشرافه على نشر أعمال أخرى في تونس وفرنسا وإيطاليا.

حشيشة الفهم

بعد نيله جائزة “كاتب ياسين”، قال منصور مهني متحدثا عن شعوره بهذا الفوز وعن علاقته بكاتب ياسين: “لا أخفي عنك أني كنت ولا أزال سعيدا جدا بهذا التتويج لعدة أسباب لعل أهمها، أولا، أن كل كاتب يسعد عند كل تتويج يناله، وثانيا لأن الجائزة التي أحرزت عليها تحمل اسم “كاتب ياسين”، أحد أهم رموز الأدب لا المغاربي فحسب، بل العالمي كما يبرزه الاهتمام المتنامي بأدبه في جامعات أغلب الدول. هنالك ميزة هامة أخرى في هذه الجائزة وهي أنها من إنشاء جمعية مدنية وأن تمويلها يأتي من مساهمات مواطنين يؤمنون بقيمة أحد أبناء جهتهم ويعتزون بما يمكن أن يكسبوا من إشعاع بفضل أدبه.

أما علاقتي بكاتب ياسين فهي متعددة الجوانب حيث أني، في سن الثانية عشرة، قمت مع صديقين بتأليف وإخراج وتمثيل مسرحية، مباشرة بعد فرحتنا في المبيت بإيقاف إطلاق النار بالجزائر في مارس 1962، اكتشفت بعد عشر سنوات أنه يمكن اعتبارها محاكاة، بتصرف، لا واعية لمسرحية كاتب ياسين “حشيشة الفهم”، ثم اكتشفت كاتب ياسين بداية السبعينات في الجامعة عن طريق الأستاذة جاكلين أرنو أهم باحثة في حياة كاتب ياسين وأدبه.

رواية في وجهين

وحول تقييم النقاد لروايته الفائزة بجائزة كاتب ياسين، يقول مهنّي: “كما يشير التقديم في مطلع الرواية، هي نص انطلقت في كتابته سنة 2005، ولظروف خاصة في علاقة بالسياق العام، توقفت عن ذلك سنة 2007 بدعوى التركيز على اهتمامات وأعمال أخرى. إلا أنني أعتقد أن مانعا داخليا كان يصدّني عن المواصلة رغم أنني تجاوزت نسبة الثلثين من النص الكامل. ولمّا كان ما كان سنة 2011، أسرعت بإتمامها ولعل الظرف الجديد أثر ولو بحجم نسبي جدا في نهاية الأحداث المروية.

وهي رواية في وجهين، كما يوحي بذلك العنوان: وجه أقرب ما يكون لتركيب روائي للحياة الشخصية -وذلك مختلف عن الترجمة الذاتية- ووجه يشتغل على توظيف الأسطورة كفضاء هام لسؤال الوجود من خلال البحث عن الاسم وعن المرأة. ومن الطبيعي في طرح كهذا أن تكون العلاقات السلطوية مركزية وأن تكون المشاعر فاعلة وأن يكون سؤال الأدب غير منفصل عن سؤال الوجود”.


التأويل والحرية

كان الراحل كاتب ياسين أوّل من حذّر من مخاطر الأصولية الإسلامية لا على الجزائر فحسب، بل على منطقة المغرب العربي برمّتها. وحول تقييم هذا الموقف في ظل الوضع الراهن، يقول منصور مهني: “أعتقد أن هنالك سوء فهم حول كاتب ياسين وبعض تصريحاته.

تسببت سياسة التعريب في كثير من التضييق الفكري لأنها ارتكزت على عداء اللغات الأخرى وثقافاتها

قال كاتب ياسين “احذروا الأديان”، ولم يكن يسعى من خلال ذلك إلى فرض معتقد من عدمه على أي كان، خاصة أنه من المدافعين الشرسين على الحرية. كل ما في الأمر هو أنه نبه إلى خطورة اعتماد المعتقد لحسم القضايا المدنية والسياسية كما نبه لما تفضي إليه بعض التأويلات النسبية من تحديد لحرية الغير صاحب المعتقد المختلف ومن تصرف إقصائي متطرف. مع الإشارة إلى أن التطرف مرفوض عنده أيا كان مأتاه، لكن التركيز على التطرف الإسلامي يفرضه انتماء الكاتب إلى مجتمع معني بذاك الخطر.


العودة إلى الجنة


من جديد، ومع العودة القوية والعنيفة للأصولية في منطقة المغرب العربي، هل يمكن القول إن اللغة العربية مسؤولة عن تنامي هذه الظاهرة الخطيرة، وكيف يرد مهني على مروجي هذه الفكرة من أمثال الطاهر بن جلون، وآسيا جبار وغيرهما؟ عن هذا السؤال يجيب مهنّي بقوله: “في البداية، أشير أنه لا علم لي بعداء واضح للغة العربية لدى آسيا جبار وهي التي مرت أيضا بالمدرسة القرآنية وانتخابها في الأكاديمية الفرنسية لا يعني عداءها للغة العربية. كل ما في الأمر، على علمي، أن عدم إحرازها على جائزة نوبل، التي رشحت لها، أرجعه البعض إلى عدم كتابتها باللغة الأم.

لا بد من الاعتراف أن السنوات الثلاث التي مضت تميزت بإفلاس ثقافي يكاد يكون شاملا

وبالنسبة إلى الطاهر بن جلون، الذي لا أتفق معه في كثير من المواقف، أظنك تشير إلى مقال أخير في جريدة “العالم الدبلوماسي” تطرق بشكل خلافي شبه متحامل لعلاقة بن جلون باللغة العربية على أنها علاقة عدائية شبهها صاحب المقال بحكم إرنست رينان على اللغة العربية من أنها لغة عنف وتطرف. أظن شخصيا أن صاحب المقال له مأخذ خاص على بن جلون ولم يكن موضوعيا في تأويله لما قال بن جلون من أن سياسة التعريب كما وقع تطبيقها في الجزائر والمغرب هي التي فتحت المجال لسلطة الفكر الإسلاموي ومنه إلى التطرف الديني، وهو رأي لا يخلو من بعض الصواب. بل أعتقد شخصيا أن سياسة التعريب في تونس تسببت في كثير من التضييق الفكري لأنها ارتكزت على عداء اللغات الأخرى وثقافاتها وجعلت لذلك غطاء تمثل في تفضيل العلوم الصحيحة على حساب العلوم الإنسانية، متجاهلة أو جاهلة أن العلم بدون وعي الضمير لا يكون سوى خراب للنفوس، على مقولة رابلي. إنك لا تدرك قيمة لغتك إلا عندما تمتلك لغات أخرى كما أنك لا تتعرف إلى قيمتك الحقيقية إلا بالاحتكاك مع الغير”.

عذرية المثقفين

وعن رأيه في الوضع الثقافي في ظلّ الأحداث والمتغيّرات التي تشهدها تونس راهنا، يقول مهني: “لا بدّ من الاعتراف بأن السنوات الثلاث التي مضت تميزت بإفلاس ثقافي يكاد يكون شاملا لولا بعض المحاولات الفردية وبعض التحركات صلب المجتمع المدني. لا بدّ من الإقرار أيضا بأن المسؤولية مشتركة وأن أهل العلم والإبداع والثقافة والإعلام تخلّوا عن دورهم في الأوقات الحساسة لحسابات مختلفة، فصار كل يبحث لنفسه عن عذرية جديدة أو عن صمت مخفف لوضعه الخاص في حين أن المثقف الحق هو الذي يتحمل مسؤولية مواقفه ولا يخجل منها، مع ضرورة التقويم الموضوعي واستخلاص العبر لأجل المستقبل.

15