منطقة التبادل الحر.. امتحان جديد لتدارك الفرص الضائعة في أفريقيا

حلم أفريقي جديد بإنشاء منطقة تجارة حرة بين دول القارة السمراء يصطدم بتحديات إزالة الإشكالات العالقة.
الاثنين 2019/07/08
قمة نيامي تفتح آفاقا أفريقية جديدة

مثّل إطلاق دول الاتحاد الأفريقي خلال ندوة عُقدت بعاصمة النيجر نيامي منطقة التبادل الحر القارية الحدث الأبرز للقارة السمراء، وسط تباين الآراء والمواقف بشأن هذا الحلم الجديد – القديم الذي كان مطمح قادة أفريقيا منذ إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية قبل ستة عقود، حيث يعتبر المدافعون عن هذا المشروع أنه سيكون حلاّ فعالا لتنمية اقتصادات أفريقيا، فيما يرى منتقدوه أن الحلم يصطدم بإكراهات يبقى على رأسها نقص التكامل بين الدول الأعضاء بالاتحاد الأفريقي.

نيامي – التقى قادة الدول الأفريقية الأحد لإطلاق منطقة تجارة حرة على مستوى القارة السمراء، من شأنها حال نجاحها أن توحد 1.2 مليار نسمة، وتخلق منطقة اقتصادية حجمها 3.4 تريليون دولار، وتفتح الباب أمام عهد جديد من التنمية.

وبعد محادثات على مدار أربع سنوات، تم التوصل إلى اتفاقية لتشكيل تكتل تجاري يضم 55 دولة في مارس الماضي، وهو ما مهد الطريق لإطلاق المشروع في قمة الاتحاد الأفريقي في النيجر.

عبدالفتاح السيسي: الطريق لا يزال طويلا لتجسيد المشروع الطموح
عبدالفتاح السيسي: الطريق لا يزال طويلا لتجسيد المشروع الطموح

ردود متباينة

أطلق الاتّحاد الأفريقي بشكل رمزي خلال قمة نيامي، منطقة التبادل الحرّ القارّية التي يُفترض أن تشكّل خطوة نحو “السّلام والازدهار في أفريقيا”.

وقال محمد إيسوفو رئيس النيجر البلد المضيف للقمة وهو أحد أكثر المتحمّسين لمشروع منطقة التبادل الحرّ القارّية، “هذا أكبر حدث تاريخي بالنسبة إلى القارّة الأفريقيّة، منذ إنشاء منظّمة الوحدة الأفريقيّة في العام 1963”.

ويُشارك قرابة 4500 موفد ومدعو في القمة، بينهم 32 رئيس دولة وأكثر من مئة وزير بالعاصمة النيجريّة التي افتتحت مطارا جديدا، وشهدت تشييد مبان وفنادق وشقّ طرق واسعة. وقال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي محمد “إن حلما قديما يتحقق، والآباء المؤسسون سيكونون فخورين بذلك”، مشيرا إلى أن منطقة التبادل الحر الأفريقية ستكون “أكبر فضاء تجاري في العالم”.

وبعد فترة من التردد انضمت نيجيريا وبنين خلال افتتاح قمة الاتحاد الأفريقي إلى منطقة التبادل الحر القارية في أفريقيا، تحت تصفيق ممثلي بقية الدول الأعضاء. وسيتألف هذا السوق من 54 بلدا من أفريقيا التي تضم 55 بلدا أي باستثناء إريتريا فقط.

وأضاف رئيس المفوضية أن 27 دولة صادقت على اتفاق منطقة التبادل الحر. وعلّق الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بأن “الطريق لا يزال طويلا” لتجسيد هذا المشروع الطموح في الواقع.

ولا زالت مفاوضات شاقة تجري للتنفيذ التدريجي لمشروع منطقة التبادل الحر الأفريقية،

ويرى المدافعون عن الاتفاق، أنه سيساعد في تنويع الاقتصادات الأفريقية، وتوفير منصة لتفاوض أفضل، بشأن اتفاقات تجارية مع دول lk خارج القارّة.

لكن هذا التفاؤل ليس موضع إجماع، إذ يقول منتقدو المشروع إن مسائل مثل الوضع المتردي للبنى التحتية للنقل، ونقص التكامل بين الاقتصادات الأفريقية، تعرقل تنمية التجارة البينية الأفريقية.

موسى فكي محمد: الآباء المؤسسون سيكونون فخورين بالمشروع
موسى فكي محمد: الآباء المؤسسون سيكونون فخورين بالمشروع

وتتعثر المفاوضات خصوصا بشأن خفض الرسوم الجمركية و”السرعة التي يتم بها خفضها”، لكن أيضا حول السلع المستوردة من خارج أفريقيا من دول أفريقية لديها اتفاقات مع دول أجنبية، بحسب مصدر دبلوماسي.

وبعد عقود من تجاهل السوق الأفريقية، عززّت في السنوات الأخيرة عدة دول أفريقية ومنها دول عربية كمصر وتونس والمغرب رهاناتها على الدخول في عهد جديد من العلاقات التجارية مع بلدان القارة السمراء، وكان من بين مفاوضات هذه البلدان مع الاتحاد الأفريقي المطالب المتكررة لإنشاء منطقة للتبادل الحرّ، وذلك من أجل إنعاش اقتصاداتها وكبح الصعوبات التجارية التي تعوقها من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول أفريقيا في كافة المجالات وخاصة الاستثمارات. ويُفترض أن يبدأ عمل السوق الأفريقية المشتركة في 2020. وقال مفوّض الاتّحاد الأفريقي للتّجارة والصناعة ألبرت موشانغا “يجب تحديد جدول زمني حتّى يتمكّن الجميع من القيام بدوره في الإعداد للسّوق، لذا أوصَينا أن يكون التاريخ في الأوّل من يوليو 2020”.

وأشار كبير المفاوضين النيجيريين شيدو أوساكوي إلى أن “تحرير التجارة يجب أن يسير بالتوازي مع إصلاحات هيكلية” داخلية. وأضاف “أن إزالة الرسوم الجمركية سيبدأ في 2020. ولن يحرر أي بلد كل شيء” مرة واحدة موضحا أن العملية ستمتد على عدة سنوات.

وتهدف منطقة التّبادل الحرّ إلى تشجيع التجارة بين دول القارة وجذب مستثمرين. ويتوقع الاتحاد الأفريقي أن يؤدي المشروع إلى زيادة المبادلات البينية التجارية بين بلدانها بنسبة تقارب 60 بالمئة، بحلول 2022.

أما معارضو المشروع فيشيرون إلى عدم تكامل الاقتصادات الأفريقية ويخشون أن يتضرر بعض صغار المنتجين الزراعيين والصناعيين، جرّاء تدفق بضائع مستوردة متدنية الأسعار.

ويقول خبراء اقتصاديون إن تحديات كبيرة لا تزال قائمة من بينها شبكات الطرق والسكك الحديدية المتهالكة، والاضطرابات في مناطق شاسعة، ومعوقات إدارية مفرطة على الحدود، والفساد الذي يعرقل النمو والتكامل.

مخاطر الارهاب

Thumbnail

تعهد الأعضاء بإلغاء الرسوم على معظم المنتجات، مما يزيد حجم التجارة في المنطقة بنحو 15-25 في المئة على الأمد المتوسط، لكن ذلك سيتضاعف إذا جرت معالجة تلك التحديات الأخرى، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي.

وذكر صندوق النقد الدولي في تقرير له في مايو أن منطقة التجارة الحرة يحتمل أن “تغير قواعد اللعبة على المستوى الاقتصادي” على نحو مماثل للتغيير الذي عزز النمو في أوروبا وأميركا الشمالية، لكنه حذر من أن “خفض الرسوم وحده ليس كافيا”.

ويوجد في أفريقيا خليطا من المناطق التجارية المتنافسة والمتداخلة، وهي المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في الغرب، ومجموعة شرق أفريقيا (ايك) في الشرق، ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (سادك) في الجنوب، والسوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا) في الشرق والجنوب.

وبالإضافة إلى منطقة التبادل الحرّ القارّية، كان على جدول أعمال الرؤساء والدبلوماسيين الأفارقة قضايا أخرى على رأسها ملفَّا انعدام الأمن والتصدّي للاعتداءات الجهادية.

وتسعى دول قوة مجموعة الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا وتشاد) التي تواجه صعوبات في التصدي للاعتداءات الجهادية خصوصا بسبب نقص الموارد، إلى الحصول على دعم دول أفريقية أخرى في بحثها عن دعم أكبر من الأمم المتحدة بأمل اللجوء إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ويتيح هذا البند في حالات تهديد السلم أو الاعتداء، باللجوء إلى فرض عقوبات وحتى استخدام القوة. ويسهل تفعيله تمويل قوة مجموعة الساحل التي تضم خمسة آلاف عنصر وقد يتيح تحويلها إلى قوة أممية، بحسب الأطراف المعنية.

وقال رئيس النيجر “لن نملّ من المطالبة بوضع العملية تحت البند السابع″، داعيا أيضا إلى “إقامة تحالف دولي للتصدي للإرهاب في الساحل وبحيرة تشاد، على غرار التحالف الذي شكل ضد داعش في الشرق الأوسط”.

Thumbnail

ودعا إلى دور أميركي أكبر في محاربة التمرد الإسلامي المتزايد في غرب أفريقيا، وذلك في وقت يقلص فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من التواجد العسكري الأميركي بالقارة.

ونقلت وكالة “بلومبرغ” للأنباء عن إيسوفو قوله إن ما يتم بذله لمحاربة الإرهابيين أصبح قليلا جدا. وقد شهدت كل من مالي ونيجيريا وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر هجمات نفذها مسلحون مرتبطون بتنظيميْ القاعدة وداعش. كما عززت دول أخرى في المنطقة من بينها كوت ديفوار وغانا من الإجراءات الأمنية لمواجهة التهديدات المتزايدة.

يشار إلى أن النيجر هي بالفعل محط تركيز جهود دولية لمكافحة التمرد في منطقة الساحل، وهي منطقة قاحلة جنوبي الصحراء الكبرى. ولدى كل من فرنسا والولايات المتحدة تواجد عسكري في النيجر. وقد شيدت الولايات المتحدة قاعدة للطائرات دون طيار بقيمة 110 مليون دولار في شمال النيجر، كما تنشر قوات خاصة على الأرض.

ولم يكن وفق الخبراء حجم تدخل الولايات المتحدة في النيجر واضحا حتى مقتل أربعة جنود أميركيين في كمين نصبه أكثر من 100 من المسلحين الإسلاميين في جنوب غرب البلاد عام 2017.

وتشهد نيامي إجراءات أمنية مشددة لمناسبة القمّة الأفريقية. وقال محمد بازوم وزير داخليّة النيجر التي تتعرض لهجمات متكررة من جماعات إسلامية في الغرب والجنوب الشرقي “لدينا جهاز خاصّ يضمّ الآلاف من رجال” الأمن. وتخضع أماكن تنظيم القمة لتدابير أمنية مشددة. وتم نشر جنود ومدرّعات في النقاط الاستراتيجية بالعاصمة نيامي.

6