منطقة التجارة الحرة القارية فرصة نادرة لعرب أفريقيا

سيكون أمام الجزائر، مثلها مثل ليبيا والسودان، طريق طويل للالتحاق بركب كل من مصر وتونس والمغرب في المستقبل إذا تمكنت من الاستقرار وإجراء إصلاحات تشريعية وتنظيمية تساعدها على الاندماج في المنطقة الحرة القارية.
الاثنين 2019/07/15
فتح أبواب التجارة الحرة على مصراعيها بين جميع دول القارة

رغم العقبات والتحديات المختلفة، التي تعترض دخول المنطقة التجارية الحرة الأفريقية العمل فعليا، إلا أنها تمثل فرصة تاريخية نادرة لبلدان القارة وخاصة الدول العربية للخروج من شرنقة الاقتصاد المتردي، الذي دفع معظمها إلى تذيل قائمة العالم من حيث مستويات المعيشة وتصدرها للائحة البلدان الأكثر فقرا.

فبعد ماراثون شاق امتد لنحو عقدين من الزمن، اتخذ الاتحاد الأفريقي خطوة كبيرة تعد بثورة في المبادلات البينية بين الدول الأعضاء بفتح أبواب التجارة الحرة على مصراعيها بين جميع دول القارة اعتبارا من منتصف العام المقبل.

هذه الاتفاقية، التي وقعت عليها 54 دولة من أصل 54، ولم يصادق عليها حتى الآن سوى 25 بلدا، تنص على إزالة الحواجز الجمركية تدريجيا والعمل على تحفيز المستثمرين الأفارقة لضخ رؤوس الأموال خارج بلدانهم والدخول في شراكات بين المؤسسات الاقتصادية لتعزيز التجارة البينية في سوق يقدر حجمها بـ3.4 تريليون دولار.

أدوات الاتفاقية ترتكز على عوامل تشمل قواعد المنشأ ومنصة إلكترونية للعروض الجمركية والإشعار والمتابعة وإزالة كافة الحواجز المعيقة واعتماد نظام أفريقي للدفع والتسوية الرقمية ثم تأسيس مرصد التجارة الأفريقية.

العديد من المؤشرات تؤكد أن المنطقة الحرة الأفريقية تعد أكبر منطقة للتجارة الحرة على مستوى العالم منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية في 1995، حيث سيكون التكتل الاقتصادي الجديد سوقا مفتوحة لأكثر من 1.2 مليار مستهلك، وبالتالي فإن نجاحها رهين باتباع نموذج مشترك للتكامل ووضع الخلافات السياسية جانبا.

بحسب المحللين، تنفيذ بنود الاتفاقية وإنشاء المنطقة سيأخذ على الأرجح عدة سنوات، كما أن نجاح المشروع يتوقف إلى حد بعيد على إزالة العقبات غير الضريبية مثل الفساد وترهل البنى التحتية وفترة الانتظار على الحدود.

وتشير دراسات اقتصادية إلى أن أفريقيا ستكون في السنوات القادمة أهم الأسواق الواعدة في العالم، بينما لا يتجاوز حاليا حجم المبادلات التجارية البينية نسبة 11 بالمئة فقط بين دول القارة.

ولنجاح التجربة يراهن الاتحاد الأفريقي على إدماج أربعة تكتلات اقتصادية، وهي السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (كومسيا) ومجموعة تنمية أفريقيا الجنوبية ومجموعة شرق أفريقيا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (سيدياو)، في كيان واحد.

المراهنة على إدماج أربعة تكتلات اقتصادية
المراهنة على إدماج أربعة تكتلات اقتصادية

دخول العمل بالاتفاقية بعد عام من الآن يبدو خبرا سارا لحكومات لطالما حاولت وضع مشكلاتها جانبا والانطلاق في بداية اقتصادية جديدة، لكن من الواضح أن هناك تحديات تواجه إنشاء المنطقة تتعلق بمسائل مرتبطة بالجمارك والتجارة العابرة للحدود وتباين الأسعار والبعض من المشكلات الفنية، التي قد لا تتناسب مع بعض الدول في القارة.

التساؤل الأكبر يتمحور حول كيف يمكن لحكومات الدول العربية في أفريقيا أن تستفيد من هذه التجربة بكل ما تحمله من إمكانيات واعدة لإنعاش اقتصادات دولها الهشة وإيجاد بيئة تجارية واستثمارية مليئة بالمحفزات مع الاستغلال الأمثل للموقع الاستراتيجي لكل دولة.

إذا ما استثنينا السودان وليبيا، اللتين تعيشان وضعا سياسيا وأمنيا واقتصاديا متقلبا، ستكون دول شمال أفريقيا، وهي مصر وتونس والمغرب، الأكثر نشاطا على حوض المتوسط، أبرز المستفيدين من المنطقة الحرة الأفريقية، وبدرجة أقل الجزائر والسودان وليبيا وموريتانيا وجيبوتي والصومال.

اللافت أن تونس برقعتها الجغرافية الصغيرة قد تكون الدولة العربية الأكثر استفادة من المنطقة كونها البلد الوحيد المنضوي تحت راية سيدياو بوصفها عضوا مراقبا، وكوميسا بوصفها عضوا قارا انضم حديثا للمجموعة، وهو ما يعني أنها في طريق مفتوح لتعزيز قدراتها الاقتصادية في السنوات القادمة.

لكن المشكلة الأبرز أمام تونس قبل تحقيق طموحاتها تتمثل في جدية الدولة لتبسيط قوانين التجارة البينية والاستثمار أكثر ما يمكن، وانتظار استقرار ليبيا المنهكة اقتصاديا، حيث انعكست الاضطرابات العسكرية على استدامة فتح المعابر الحدودية بين البلدين، ما قلص من حجم المبادلات التجارية.

أما مصر، أكبر سوق استهلاكي عربي في أفريقيا، فلديها إصرار كبير على تنمية العلاقات التجارية والاستثمارية مع دول القارة انطلاقا من رئاستها للاتحاد الأفريقي خلال دورته الحالية، في ظل دعمها للمساعي نحو التكامل الشامل، التي يتبناها الاتحاد بالتعاون مع التكتلات الاقتصادية الأفريقية.

حرص القاهرة لإنجاح إنشاء المنطقة يستند على رؤيتها المتعلقة بضرورة توفير فرص اقتصادية حقيقية لرواد الأعمال والمستثمرين داخل القارة وتحرير التجارة بصورة مرضية لطموحات الشعوب الأفريقية، مع مراعاة خصوصية الصناعات الناشئة وذات الأهمية الاستراتيجية، بما يسمح بمواجهة تحديات المنافسة على الأسواق العالمية.

القضية الأكثر إثارة للاهتمام ستكون تلك المتعلقة بين المغرب والجزائر، إذ كيف سيتمكّن البلدان المغلقة حدودهما منذ قرابة ربع قرن من فك شفرة المنطقة الأفريقية الحرة وإنهاء الجمود التجاري بينها بسبب الخلافات السياسية حول قضية الصحراء المغربية.

ولئن سعت الرباط لإنهاء الخلاف مع جارتها المنتجة للنفط بعد أن قدم العاهل المغربي الملك محمد السادس في نوفمبر الماضي مبادرة تتمثل في إحداث آلية للحوار المباشر بين البلدين وفتح الحدود البرية المغلقة منذ 1994، إلا أن الجزائر المتأزمة اقتصاديا لا تزال مترددة بسبب دعمها لجبهة البوليساريو.

ولكن مع ذلك، فإن انضمام المغرب لمجموعة سيدياو كخيار استراتيجي قد يكون حافزا لتعزيز المبادلات التجارية مستقبلا ضمن المنطقة الحرة القارية وفتح سوقها أمام البضائع القادمة من بلدان أفريقيا. ومن الواضح أن الجهود التي تبذلها الدولة لذلك أكبر في ظل مساعيها لأن تكون مركزا للتجارة في غضون سنوات.

وسيكون أمام الجزائر، مثلها مثل ليبيا والسودان، طريق طويل للالتحاق بركب كل من مصر وتونس والمغرب في المستقبل إذا تمكنت من الاستقرار وإجراء إصلاحات تشريعية وتنظيمية تساعدها على الاندماج في المنطقة الحرة القارية.

وتبقى طموحات بقية الدول العربية قائمة، فجيبوتي إحدى دول القرن الأفريقي تسعى لأن تكون مركزا لتسويق البضائع الأفريقية إلى بقية القارات، خاصة بعد أن دشنت صيف العام الماضي المرحلة الأولى من أكبر منطقة تجارة حرة في أفريقيا حتى الآن للاستفادة من موقعها الاستراتيجي على أحد أكثر ممرات الملاحة التجارية نشاطا في العالم.

أما جارتها الصومال فيبدو أنها لم تستعد على النحو الأمثل لفتح أسواقها أمام التجارة الأفريقية واستقطاب المستثمرين نظرا للقوانين المترهلة وتركيز الدولة على مكافحة الإرهاب الذي دمر اقتصادها ولم يترك لها مجالا للبحث عن متنفس يجعلها تفكر في اغتنام هذه الفرصة لإنعاش نموها.

11