"منطقة الحصن" قيمة تاريخية في قلب المدن الإماراتية الذكية

قصر الحصن شاهد حي على محطات تاريخية مهمة وحاسمة، والمنطقة مؤهلة للإدراج على لائحة التراث العالمي.
الجمعة 2018/12/07
صلة وصل بين الماضي والحاضر

أبوظبي - تجسّد “منطقة الحصن” في أبوظبي وجهة تاريخية وثقافية، يؤكد مختصون في التاريخ والتراث أنها مؤهلة للإدراج على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) خاصة في أعقاب إنجاز مشروع الترميم والتجديد وتعميم صور ومضامين مكوناته الأربعة المترابطة، وهي قصر الحصن، والمجلس الاستشاري الوطني، والمجمع الثقافي، وبيت الحرفيين.

وافتتحت الأربعاء “منطقة الحصن” وسط العاصمة الإماراتية، وتوافقت آراء المتخصصين في تقدير الجهد والرؤية اللذين يُجسّدهما هذا المنجز.

ويقول مختصون إن مدينة العين كانت أول موقع إماراتي أدرجته اليونسكو على لائحة التراث العالمي، ثم أعقبته جُملة من منصّات التراث الثقافي، من القلاع والقصور والمتاحف والمشاريع الثقافية التي يتشكل منها طموح بأن تتحول أبوظبي في رؤية 2021 إلى مركز ريادي أممي في مجال الثقافة والفنون.

ومنطقة الحصن، بمكوناتها الأربعة المتكاملة، جاءت تجسيدا تفاعليا متحركا للكتلة الحضرية التي توسعت بها مدينة أبوظبي بوتيرة زمنية متصلة، لتقرأ فيها عيون الأجيال الجديدة والمتجددة كيف تحولت من منطقة لاستقرار القبائل التي عاشت في القرن الـ18 على الصيد والغوص، وأضحت الآن بين خيرة المدن العالمية الذكية في خدماتها المعيشية والاقتصادية والخدمية، وفي رسائلها الثقافية والإنسانية.

الحرف اليدوية في "بيت الحرفيين" تحتفي بالعلاقة الإبداعية والفنية مع الموارد الطبيعية

وأظهرت العروض الفنية، القيمة التاريخية لقصر الحصن، محتوى مركبا يندمج فيه السياسي مع الثقافي مع هوية المواطنة في بيئة ذات حضور إقليمي ودولي من موقع متقدم.

ويضم قصر الحصن بناءين مهمّين هما: “الحصن الداخلي”،

ويعود تاريخه إلى عام 1795 كبرج مراقبة لتوفير الحماية للتجمّع السكاني على الجزيرة الذي تم توثيق نشأته لأول مرة خلال ستينات القرن الثامن عشر.

ويسرد قصة القصر والأحداث التاريخية التي شهدها، كما يصور مظاهر الحياة اليومية في المجتمع القديم، مستعرضا دور هذا المعلم التاريخي كمقر للحكم ومركز لإدارة شؤون البلاد.

أما “القصر الخارجي” فيعود تاريخ بنائه إلى أربعينات القرن الماضي، ويضم مجموعة من الأجنحة والغرف التي تسرد قصة الأجيال السابقة التي عاشت في القصر وترصد تفاصيل حياتها اليومية، ويكون الزوار على موعد لاستكشاف الأجنحة الخاصة، كما يخوضون تجربة المشاركة في مجلس الحاكم. وقال محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي، “تعتبر منطقة الحصن بمثابة القلب النابض في أبوظبي، والشاهد الحي على محطات تاريخية مهمة وحاسمة في مسيرة الدولة ككل ونعتز في دائرة الثقافة بأن نعيد تقديم هذا الصرح الحضاري بعد أن تم الحفاظ عليه، ولا مثيل لها في قلب العاصمة”.ولا يزال “قصر الحصن” شاهدا حيّا على محطات أبوظبي عبر التاريخ، حيث كان على مدار قرنين ونصف القرن، مقرا للحكم والأسرة الحاكمة وملتقى للحكومة الإماراتية ومجلسا استشاريا وأرشيفا وطنيا، واليوم تحول إلى متحف بعد انتهاء أعمال الترميم والصيانة.

وتأتي مبادرة تحديثهما ضمن منصّة تراثية واحدة، لتوثّق موروثات متجددة في الوجدان الوطني الذي يتواصل فيه الحكم مع اللحمة الوطنية.

Thumbnail

وقال سيف سعيد غباش، وكيل دائرة الثقافة والسياحة، “مع افتتاح منطقة الحصن، تضيف أبوظبي وجهة فريدة من نوعها إلى مجموعة الوجهات التي تضمها وتحقق بُعدين مهمين، الأول حفظ التاريخ والتراث الثقافي وتقديمه للأجيال القادمة، والثاني تطوير وجهة ثقافية جذابة تجمع التاريخ والتراث والمعاصرة في تجربة تلهم الزوار القادمين”.

وأضاف أن “الحصن يعكس تنوع المكونات التاريخية والثقافية الإماراتية الأصيلة، كما يعد الافتتاح مرحلة جديدة من التخطيط الثقافي من خلال الأدوار الجديدة التي تم تطويرها للمعالم الرئيسية في المنطقة، لتجسيد السمات الثقافية الفريدة التي تميّز مجتمعنا وتدفع المواهب الإبداعية نحو المزيد من الإبداع”.

وينقسم المخطط الرئيسي لـ”المجمع الثقافي” إلى منطقتين، تتميّز كل منهما بهويتها المختلفة، وتمثلان الماضي والحاضر، في المنطقة الأولى يبرز التراث القديم من خلال “قصر الحصن”، حيث تمت إعادة تصميم المشهد المحيط به لينسجم مع بيئته الأصلية، فيظهر القصر كمبنى منفرد قائم على سهل رملي يطل على صحراء ساحلية طبيعية.

وتتجلى في المنطقة الأخرى صور التراث المعاصر عبر مخطط شبكي للمدينة يحيط بالمجمّع الثقافي احتفاء بالوجه الحضري في إمارة أبوظبي.

وينصهر هذان الوجهان المختلفان معا في وسط الموقع، وتظهر تصاميم معمارية مستوحاة من الأشكال المتعددة الأضلاع في السبحات الساحلية المحيطة بأبوظبي، كما في أرجاء الحصن مناظر طبيعية ونباتات أصلية تنمو في المناطق الصحراويّة حول الإمارة.  ولعبت المياه دورا محوريا في مسيرة تنمية وازدهار أبوظبي، وبالتالي فهي تشكّل عنصرا مهما ومتكاملا من المخطط الرئيسي لقصر الحصن الذي يزخر بسلسلة من النوافير التي تتدفق مياهها بشكل مائل في قلب الموقع، بهدف تقديم لمحة عن السياق التقليدي والحديث لإمارة أبوظبي.

موروث متجدد
موروث متجدد

يستضيف المجمع الثقافي، الذي شهد سلسلة من أعمال التجديد والترميم مؤخرا، برنامجا متنوعا في مركزه الجديد المخصص للفنون البصرية، ويشمل ذلك المعرض الافتتاحي المتميز الذي يركز على تاريخ المجمّع ودوره في دعم المشهد الثقافي والفني.

وبافتتاحه مرة أخرى، يستقبل المجمع الجمهور في مركز الفنون البصرية الذي يضم بجانب قاعات العرض سلسلة من ورش العمل وأستوديوهات فنية متميزة لاستضافة فنانين مقيمين وورش عمل فنية، ويضم مسرحا يتسع لـ900 مشاهد وأول مكتبة مخصصة للأطفال من نوعها.

وإعادة افتتاح “المجمع الثقافي” تتم على مراحل، حيث بدأ مع مركز الفنون البصرية الجديد في ديسمبر الحالي بينما سيتم افتتاح القسمين الآخرين المسرح ومكتبة الأطفال في عام 2019. أما بيت الحرفيين فيضطلع، انطلاقا من موقعه المجاور لقصر الحصن والمجمع الثقافي في منطقة الحصن، بدور ريادي في حماية وصون التراث الإماراتي المعنوي العريق، والترويج له، ويقدم بيت الحرفيين برنامجا شاملا تتخلله مجموعة من المعارض وورش العمل والبرامج التدريبية التي تركز جميعها على الحرف الإماراتية اليدوية مثل السدو والخوص والتلي.

وتحتفي الحِرف اليدوية الموجودة في “بيت الحرفيين”، بالعلاقة الإبداعية والفنية التي طورها الأجداد مع الموارد الطبيعية المحيطة، فقد تمكن الحرفيون من تطوير مهاراتهم، لتلبية احتياجاتهم الوظيفية والاقتصادية، مستفيدين من البيئة الطبيعية التي تتميز بثرائها وتنوعها، حيث يوجد فيها ثلاثة أنواع من الأنظمة البيئية بما في ذلك النظام الصحراوي، والجبلي، والبحري، وتعكس الحرف اليدوية بفضل هذه المهارات إحساسا فنيا عاليا.

 ولا يقتصر دور هذا التراث غير المادي الذي تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل، على الحفاظ على المهارات العملية فقط، بل يسهم أيضا في تعزيز القيم الاجتماعية المشتركة المرتبطة بالهوّية الإماراتية.

20