منطقة الدقم معبر حيوي في النظام العالمي بالمحيط الهندي

الثلاثاء 2014/04/15
طريق الحرير الأميركي يمر من الركن الجنوبي الشرقي لعمان

مسقط - تعمل سلطنة عمان على أن تصبح منطقة الدقم مركزا اقتصادية هاما للتجارة والصناعة والاستثمار في المنطقة التي تحظى بموقع استراتيجي مميز يجعلها قبلة للقوى العالمية في ظل النظام العالمي الجديد المتّجه نحو المحيط الهندي.

ثمة اهتمام دولي متصاعد بسلطنة عمان، باعتبارها قاعدة إقليمية استراتيجية هامة ومركزا اقتصاديا وتجاريا عالميا. وتجري ترجمة ذلك من خلال “مشروع تطوير ولاية الدقم”، الذي جعل مجلّة “ذي إيكونيميست”، تصف عمان بأنها “لم تعُد هادئة”. إنها ورشة كبيرة لمشاريع قد تترك أثرا بالغا في اقتصاديات المنطقة.


مركز محوري


مشروع “تطوير الدقم”، من شأنه أن يحوّل النمط التقليدي لنمو المنطقة من “قرية مختصّة في الصيد” إلى “ميناء واسع ومركز تجاري دولي” يهدف إلى اجتذاب السفن التجارية والجهات الشاحنة التي ترغب في تجنّب المرور عبر مضيق هرمز.

وتطمح السلطنة إلى أن تصبح منطقة الدقم الاقتصادية مركزا محوريا هاما للتجارة والصناعة والاستثمار في المنطقة بحكم موقعها الاستراتيجي على مشارف المسار البحري للتجارة الدولية بين الشرق والغرب.

وتشهد المنطقة حاليا إقامة العديد من المشاريع العملاقة التي ستعزز دورها الريادي في مجالات الصناعة والتجارة والاستثمار.

هذا المشروع الحيوي لا يمثّل مفتاح نهضة سلطنة عمان القادمة، فحسب، بل يمثّل “السلاح” الاستراتيجي الحيوي للولايات المتّحدة الأميركية في مواجهة إيران والصين.

فسلطنة عمان تطل على مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق بين إيران وشبه الجزيرة العربية الذي يمر عبره 40 في المئة من نفط العالم. وتقع الدقم في الركن الجنوبي الشرقي من المنطقة الوسطى للسلطنة، بين مدينتي مسقط وصلالة، ويحدّها شرقا بحر العرب والمحيط الهندي.

الدقم هي مفتاح الحركة على المحيط الهندي وتوفر دورا يشبه إلى حد كبير الدور الذي مثلته عدن لأكثر من قرن بالنسبة للتجارة العابرة من الغرب إلى الشرق وبالعكس.

عن هذه المنطقة يقول روبرت كابلان، كبير المحللين الجيوسياسيين في “ستراتفور”، (وهي مؤسسةمعلوماتاستخباراتية)، “إذا دقّقتم النّظر في الخريطة، ستكتشفون أنّ الدقم تقبع بأمان خارج منطقة الخليج العربي (المُعرّضة باستمرار لخطر الهجومات ولنشوب مُختلف الصراعات)، ولكنّها تبقى قريبة بما فيه الكفاية من هذه المنطقة للاستفادة من تدفّق الطاقة المستمرّ الذي تتمتّع به. كما تشقّ الدقم بحر العرب، بين الطبقات الوسطى بالهند وشرق أفريقيا”.

ويوضّح الخبير الأميركي أن مشروع تطوير الدقم ليس الغاية منه إنشاء مدينة مشابهة لدبي أو الدوحة، ذات بعد اقتصادي وثقافي أو ترفيهي، بل بعث مدينة يستند وجودها على دوافع جغرافية وجيوسياسية محضة ستنحصر نشاطاتها المستقبلية في التجارة والأعمال وستكون نموذجا للمدن الصناعية خلال القرن 21.

الدقم تقبع بأمان خارج منطقة الخليج العربي، لكنها تبقى قريبة بما فيه الكفاية من هذه المنطقة للاستفادة من تدفق الطاقة المستمر الذي تتمتع به

وأعدّ كابلان التقرير مؤخّرا في إطار دراسة لأهمية الدقم الاستراتيجية وقدرتها على توفير فرص أعمال تجارية هامّة، وعلاقتها بالتطورات الحاصلة في السياسات الدولية، خصوصا في مجال موازين القوى البحرية العالمي.

ويشير التقرير إلى أن موازين القوى البحرية العالمية تشهد تحوّلا جيوسياسيا ملحوظا. وفي السنوات المقبلة، سينتقل جزء كبير من القوات البحرية الأميركية بالشرق الأوسط من منطقة الخليج العربي إلى منطقة المحيط الهندي. ولن يغيّر هذا التحوّل مكانة المنامة، بالبحرين، كمقرّ أساسيّ للأسطول الخامس الأميركي، إلّا أنّ تمركز السفن وطواقمها -إضافة إلى عدد هامّ من خدمات التزويد والإصلاح المرتبطة بها- سينتقل تدريجيا إلى الميناء العماني الجديد بالدقم التي تقع خارج الخليج العربيّ، على بحر العرب، والذي يّشكّل بدوره النصف الغربي من المحيط الهندي.

ويُكثّف مؤخّرا كبار مسؤولي الدفاع الأميركي – عسكريين ومدنيين- من زياراتهم لسلطنة عمان، ولا سيما منطقة الدقم، التي كانت، وفق كابلان، قبل بضع سنوات، مجرد نقطة مبهمة على الخريطة، تواجه البحر بسواحل فارغة وتُدير ظهرها لصحراء واسعة. أمّا اليوم، فقد تمّ استثمار حوالي ملياري دولار في بناء عدد هامّ من الأرصفة والأحواض الجافة والطرق، والمطارات. وقال في هذا السياق: “وقد أكّد لي مسؤولون، خلال الزيارة التي قمت بها للمنطقة -برعاية من السلطات العمانية-، أنّه سيتمّ انفاق حوالي 60 مليار دولار إضافيّة لضمان اكتمال تحوّل الدقم إلى دولة-مدينة”.

وتعتبر عمان مدينة الدقم مفتاح تنمية الدولة بأكملها، بحكم قدرتها على تعزيز الصلة التي تربط محافظة ظفار -جنوب غرب البلاد- وميناء صلالة بموانئ مسقط وسحار -شمال شرق عمان-. أمّا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فستمثّل الدقم إجابة جزئية على مبادرة الصين ببناء ميناء جوادار، على الساحل المجاور من باكستان.


مواجهة الصين


بتوغّل الصين المتزايد في المحيط الهندي ستسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى الحفاظ على توازن القوى في المحيط الهندي بتعزيز وجودها التجاري والعسكري بالمنطقة. والاهتمام الأميركي والعالمي بمنطقة الدقم يؤكّد أن التواجد فيها سيكون بمثابة خطوة عملاقة نحو امتداد سلطة البحرية الأميركية إلى منطقة المحيط الهندي، عوضا عن المنطقة التقليدية للنفوذ الأميركي في المحيط الهادئ والأطلسي.

وكانت تقارير أشارت إلى أن استراتيجية واشنطن الجديدة ستكون “القرن الأميركي الباسيفيكي”، مثلما كان القرن الماضي قرن المحيط الأطلسي. لكن المحيط الهندي يبدو في قلب الاستراتيجية الأميركية.

1 مليار دولار تم استثمارها في بناء عدد هام من الأرصفة والأحواض الجافة والطرق

تحظى الدقم بموقع استراتجيّ يُخوّل للبحرية الأميركية أن تكون قريبة بما يكفي من الخليج العربي لضرب إيران، مع تجنّب تعريض السفن الحربية الأميركية لخطر الهجمات الذي يُحدق بها في مملكة البحرين، حيث الأسطول الخامس الأميركي. وهنا يوضّح كابلان أن هذا التحوّل سوف يتمّ بشكل تدريجي وغير ملحوظ، دون أن تتخلّى البحرية الأميركية عن البحرين والخليج. وتجدر الإشارة إلى أن سلطات الميناء تعتزم تعزيز مرافقها تدريجيا، على أمل استقبال خدمة الغواصات وحاملات الطائرات الأميركية التي تعمل بالطاقة النووية.

أما بالنسبة إلى الصين، فمن المتوقع أن تكون الدقم الجسر العابر لسلعها المُوجّهة إلى شبه القارة الهندية وإلى نقاط مختلفة من أفريقيا والهند والشرق الأوسط.

وتقوم صلالة -التي تقع جنوب غرب البلاد- بهذا الدّور، إلّا أنّ المسؤولين المحليين يضمنون وجود عمليات تجارية بحرية كفيلة بالمحافظة على نشاط الدقم، خلال العقود المقبلة. ولئن أعربت الصين علنا عن رغبتها في استخدام الدقم، إلّا أنّ المسؤولين العمانيين يؤكّدون أنّه لن يكون للصين تأثير على هذا الميناء الجديد كما هو الحال مع موانئ أخرى بالمحيط الهندي.

يقول روبرت كابلان: “أطلعني المسؤولون على نموذج مصغر ومُفصّل لمدينة الدقم في الشكل الذي يأملون أن تظهر عليه، خلال سنوات. ويشمل النموذج مصائد أسماك، مصفاة لتكرير نفط، مركزا لعبور البتروكيماويات، خط سكة حديد، مصنعا للمعادن، محطّة لإزالة الملوحة، مستشفى، مركزا تجاريا، مدرسة دولية وسط المدينة، ومنطقة سياحية. ومن الواضح أن المطار هنا سيتضمّن مرافق شحن. أمّا المدرج –الذي تمّ بالفعل بناؤه-، فيمتدّ على مسافة كافية لاستقبال الرحلات القادمة من أوروبا، وإذا أضفنا الـ80 كيلومترا التي يمتدّ عليها الخط الساحلي المخصص للدقم، فيمكن لمساحة هذه الدولة-المدينة أن تتجاوز سنغافورة ونحن لا نزال بعدُ في المرحلة الأولى من البناء، المستوحاة فقط من موقع المدينة على الخريطة. ومن شأن الاكتشافات الجديدة للغاز الطبيعي في الصحراء، في الجزء الخلفي من الميناء، أن تساعد على تلبية احتياجات الدقم للطاقة."كما ستربط سكة حديد جديدة الدقم بمسقط ودبي وجميع الموانئ الموجودة شمال الخليج وصولا إلى الكويت. وفي حال تحقيق توافق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ستقوم الدقم بإصلاح السفن الإيرانية وتصبح قاعدة بحرية للاقتصاد الإيراني الناشئ. أمّا في حال عدم تحقّق هذا التوافق، فيضمن موقع الدقم –سيطرة أميركية على المنطقة ومراقبة حثيثة للتحركات الإيرانية.

60 مليار دولار إضافية سيتم انفاقها لضمان اكتمال مشروع الدقم

ويخلص الباحث في نهاية تقريره إلى أن عمان تحظى، منذ عقود، بظروف مثالية من الاستقرار والحكم الرّاجح تُميّزها عن بقية دول الشرق الأوسط، وهو ما يُميّز الدقم، بدورها، عند الأميركيين. في حين تتمثّل مشكلة الصينيين بجوادار في عدم استقرار باكستان. فتمركز ميناء مُعيّن في موضع مثالي من البحر لا يكفي ليجعل منه موقعا “استراتيجيا”، بل وجب اعتبار موضعه من اليابسة –أي البلاد.

وفي حال نجاح مشروع الدقم ستصبح المدينة أحد أهمّ رموز القرن 21، على غرار ما كانت عليه عدن في القرن 19، وسنغافورة في القرن 20. وفي حال استمرار النمو السكاني وتطوّر الآفاق النظرية للنموّ الاقتصادي في الهند وشرق أفريقيا، يمكن للمحيط الهندي أن يصبح مركزا جيوسياسيا أساسيا للعصر ما بعد الحديث.

7