منطقة شرق المتوسط تواجه مصيرا غامضا في التوازنات الجديدة للطاقة

مشروع قانون أميركي يعيد تموضع واشنطن يثير حفيظة تركيا ويؤثر على تحالفات المنطقة.
الخميس 2019/04/25
الغاز يشعل التوترات في شرق المتوسط

تقف منطقة شرق البحر المتوسط، التي شهدت اكتشافات هائلة من الغاز مؤخرا، على أبواب مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات والتوازنات التي استقرت منذ الحرب العالمية الثانية، في ظل مساعي الولايات المتحدة لإعادة ترتیب الأوضاع الأمنية والاقتصادية، بما یخدم مصالحها، والتي تتجاوز المكاسب الاقتصادية المباشرة للشركات الأميركية، إلى اعتبارات استراتيجية كبيرة.

قدم السيناتور الديمقراطي روبرت مينينديز، والسيناتور الجمهوري ماركو روبيو، في 10 إبريل الجاري، مشروع قانون جديد لمجلس الشيوخ الأميركي بعنوان “قانون شراكة الطاقة والأمن في شرق المتوسط لعام 2019″، في واحدة من أخطر التطورات ذات العلاقة بهذه المنطقة الحيوية.

ويعد القانون دليلا على اهتمام الكونغرس بمسألة تعزيز التواجد العسكري والاقتصادي في منطقة شرق البحر المتوسط، ومؤشرا على إعادة تشكيل الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، التي شهدت اكتشافات هائلة من الغاز مؤخرا، وتشهد نشاطا روسيا لافتا وتحركات تركية مزعزعة للاستقرار، ما يجعلها نقطة لصراع محتمل بين الدول الكبرى.

ويتيح مشروع القانون المقترح، حال إقراره من جانب مجلسي النواب والشيوخ ثم توقيعه من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لواشنطن تقديم المزيد من الدعم لكل من إسرائيل واليونان وقبرص من خلال عدة مبادرات للتعاون في مجالي الطاقة والدفاع، أهمها: رفع الحظر المفروض منذ عام 1987على مبيعات الأسلحة الأميركية لقبرص وزيادة المساعدات العسكرية لليونان وإعاقة حصول تركيا على طائرات إف – 35 الأميركية، طالما أصرت أنقرة على المضي قدما في خططها لشراء نظام الدفاع الجوي أس – 400 من روسيا.

ويأتي القانون المقترح الجديد في وقت يبدو فيه أن مستقبل العلاقات بين أنقرة وواشنطن، غير مبشر نتيجة للخلاف بين الطرفين في الملف الكردي. فالأميركيون ينظرون إلى الأكراد في كل من العراق وسوريا وإيران على أنهم حليف هام لتنفيذ مصالحهم في المنطقة، مع ازدياد سخونة الموقف مع طهران.

وزادت الأمور تعقيدا مع مساعي أنقرة إلى عرقلة قيام قبرص بتطوير موارد الغاز الطبيعي الهائلة في المياه الإقليمية القبرصية، والتهديد باتخاذ إجراءات حاسمة، بما فيها اللجوء إلى الخيار العسكري.

ويبدو أن الكيل فاض بالإدارة الأميركية الحالية تجاه السياسات التركية المعرقلة لتطوير اكتشافات الغاز في المنطقة، بعدما تزايدت حمى التنقيب عن الغاز والنفط، مع رفع هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تقديراتها لكمية احتياطيات الغاز الطبيعي الموجودة في البحر المتوسط إلى 340 تريليون قدم مكعب.

وكانت هذه الاحتياطات تقدر منذ 6 أعوام فقط، بنحو 122 تريليون قدم مكعب؛ أي أن الكمية المحتمل وجودها قد تصل إلى عدة أضعاف ما تم الإعلان عن اكتشافه حتى الآن، حال ثبوت صحة هذه التقديرات.

وشهدت المنطقة توسعا كبيرا في أنشطة الشركات الأميركية خلال الفترة الأخيرة، مع الدعم الكبير الذي تلقته من جانب إدارة الرئيس ترامب، والعلاقات الوثيقة التي تربطه بلوبي صناعة الغاز والنفط في الولايات المتحدة.

واكتشفت شركة إكسون موبيل، عملاق الطاقة الأميركي، في فبراير الماضي، خزانا كبيرا للغاز الطبيعي في حقل (جلاوكوس-1)، قبالة شواطئ قبرص في البلوك رقم 10، وتدرس مع إسرائيل المشاركة في مزايدة للبحث والاستكشاف عن النفط والغاز في قطاعات بحرية مقرر عقدها في يونيو المقبل.

Thumbnail

وتجري مباحثات مع الشركات القائمة على تطوير حقل ليفياثان لإنشاء منصة عائمة للغاز المسال، بهدف زيادة القدرة التصديرية لإسرائيل. وتوصلت الشركة أيضا إلى اتفاق مع الحكومة المصرية للقيام بأنشطة البحث والاستكشاف في امتياز شمال شرق العامرية البحرية.

وتلعب شركة نوبل انيرجي الأميركية دورا مؤثرا في إنتاج الغاز في إسرائيل، حيث تدير منذ عام 2013 حقل تمار وتقوم بتطوير حقل ليفياثان الإسرائيليين. وقامت بدور مهم في اكتشاف حقل أفروديت بقبرص عام 2011، إلا أنها لم تنجح بعد في تطويره، نتيجة تعثر التفاوض بشأن اتفاق تقاسم الإنتاج مع الحكومة القبرصية.

وفي كل الأحوال، يعكس مشروع القانون الجديد في الكونغرس طبيعة التحركات الأميركية لإعادة التمركز مرة أخرى في منطقة شرق المتوسط. وسوف يدفع قراره تركيا للتقارب أكثر مع موسكو، ما يعني نمو الروابط الأمنية معه، وضعفها مع الكتلة الغربية، ما يعيد ترتيب التحالفات والتوازنات التي استقرت في منطقة شرق المتوسط منذ الحرب العالمية الثانية.

ويتعزز هذا التقدير بيقين أنقرة أن واشنطن تهدف في الوقت الحالي إلى “محو تركيا من شرق المتوسط”، وأن الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين الولايات المتحدة وكل من إسرائيل واليونان وقبرص ومصر، سوف تدفع تركيا إلى ضرورة البحث عن وسيلة لمواجهة السيناريو الكابوس.

وقد تلجأ أنقرة إلى التحرك في عدة اتجاهات، أبرزها إيجاد بديل لطائرات إف 35 الأميركية، والتلويح بالتواصل مع روسيا لسد هذه الحاجة. وهو ما ألمحت به أنقرة بالفعل عبر وسائل إعلامها، حيث ذكرت صحيفة “يني شفق” اليومية في 29 مارس الماضي أن تركيا قد تصعد الموقف مع الولايات المتحدة من خلال شراء طائرات Su-35 أو Su-57 من روسيا بدلا من إف-35.

وعلى حد قول عدد من الخبراء الأتراك، من غير المستبعد أن تقبل أنقرة بوجود بحري روسي على ساحل البحر المتوسط، وهو خيار قد يصيب البعض بهستيريا، ويمكن أن تقوم تركيا بتزويد روسيا بقاعدة لقوة بحرية صغيرة لإزالة النفايات النووية بأمان من محطة الطاقة النووية “أك كويو” التي تقيمها روسيا لصالح تركيا في مدينة مرسين على البحر المتوسط.

ويقلل البعض من المتابعين إمكانية وصول الصدام إلى هذا الحد في المدى المنظور، والسيناريو الأقرب قد يكون قيام واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية أشد صرامة على أنقرة.

ويمكن أن تحرم واشنطن البنوك والشركات التجارية التركية من التعامل مع السوق الأميركية، وفرض حظر على أنشطة رجال الأعمال الأتراك وعدم نقل التكنولوجيا للجيش التركي أو رفع التعريفة الجمركية على كل الواردات ضمن حزمة أخرى من الإجراءات.

ومن شأن هذه الخطوات أن تؤدي إلى تداعيات اقتصادية بالغة السلبية على تركيا، إذا تذكرنا كيف كان تأثير ما قامت به إدارة ترامب من رفع التعريفة الجمركية على الصلب التركي العام الماضي وانعكاس ذلك على قيمة الليرة والتي هبطت هبوطا كبيرا ومازالت تعاني منه.

ومن المتوقع أن تخرج روسيا رابحة، حال وصول قطار العلاقات بين أنقرة وواشنطن إلى محطته الأخيرة. فهل سيكون كل ذلك في صالح تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة شرق المتوسط، أم أنه سوف يؤدي إلى فوضى في هذه المنطقة الحيوية للعالم؟

والأرجح أن تفضي هذه التحولات إلى زلزال في شرق المتوسط، عماده الصراع على مصادر الطاقة، وهي الخطوة التي يمكن أن تترتب عليها توازنات جديدة، وتجبر بعض الأطراف على تحديد خياراتها بدقة.

6