منطق "الربح والخسارة" يكبل التحركات الدولية شمال سوريا

الأمم المتحدة تحذر من تداعيات الوضع الكارثي في المنطقة مطالبة بفتح ممرات آمنة.
الأربعاء 2020/02/19
النزوح الأكبر منذ بدء النزاع

دمشق - تواصل القوات الحكومية تقدمها في شمال غرب سوريا على وقع تصاعد الدعوات المحذرة من أزمة إنسانية غير مسبوقة، ومطالبات بوجوب فتح ممرات إنسانية للفارين.

ويقول محللون أن هناك حالة من الاستسلام والتسليم الدولي بالأمر الواقع في إدلب والأرياف المحيطة بها، وذلك يعود لأسباب مختلفة لعل من بينها أنه ينظر إلى الصراع الدائر في المنطقة على أنه حرب نفوذ جارية بالوكالة بين روسيا وتركيا.

وبدت المواقف الدولية ضعيفة جدا حتى داخل مجلس الأمن الدولي حيث لم تسجل جلسات “صاخبة” كتلك التي عقدت في السابق على خلفية هجوم القوات السورية على الغوطة الشرقية في العام 2018 وقبلها على مدينة حلب في العام 2016.

ويُعتقد أن المجتمع الدولي ارتضى البقاء مسافة من الأطراف المتصارعة، وسط شبه قناعة بأنه لا فرص حقيقية تحول دون استعادة القوات الحكومية السورية للمنطقة في ظل الدعم الروسي المكثف، وأن أي طرف غربي بما في ذلك الولايات المتحدة لن يجازف بالتدخل الفعلي خشية اندلاع حرب واسعة لا يمكن التكهن بمآلاتها.

وكانت الإدارة الأميركية واضحة حينما استبعد مبعوثها الخاص إلى سوريا جيمس جيفري قبل أيام احتمال اندلاع نزاع واسع النطاق في الساحة السورية بمشاركة الولايات المتحدة وتركيا وروسيا، معتبرا أن هؤلاء “اللاعبين الكبار” يتوخون أقصى درجات الحذر في تحركاتهم.

وبناء على ذلك فلن تخرج المواقف الدولية حول ما يحدث في إدلب وجوارها عن التنديد، والتحذير من تبعات العملية العسكرية على المدنيين.

وحذرت الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية عدّة الثلاثاء من تداعيات الوضع الكارثي في المنطقة التي يُقيم بها ثلاثة ملايين شخص نحو نصفهم من النازحين، وطالبت بفتح ممرات آمنة.

وقالت رئيسة المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ميشيل باشليه الثلاثاء “لم يعد هناك وجود لملاذ آمن. ومع تواصل هجوم (القوات) الحكومية والزجّ بالناس باتّجاه جيوب أصغر وأصغر، أخشى أن المزيد من الناس سيقتلون”.

Thumbnail

وتشن القوات الحكومية السورية منذ ديسمبر هجوما واسعا في مناطق بإدلب وجوارها تسيطر على معظمها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا) المدعومة تركيا. وتركزت العمليات بداية على ريف إدلب الجنوبي ثم على ريف حلب الغربي.

ودفع التصعيد منذ ذلك الحين بنحو 900 شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، للفرار، وفق ما أعلنت عنه الأمم المتحدة الاثنين.

وقال المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ديفيد سوانسون “فرّ حوالي 43 ألف شخص خلال الأيام الأربعة الأخيرة فقط من غرب حلب”.

وتزداد معاناة النازحين مع انخفاض حاد في درجات الحرارة. ولجأ الجزء الأكبر منهم إلى مناطق مكتظة أساسا بالمخيمات قرب الحدود التركية في شمال إدلب، لم يجد الكثير منهم خياما تؤويهم أو حتى منازل للإيجار، واضطروا إلى البقاء في العراء أو في سياراتهم أو في أبنية مهجورة قيد الإنشاء وفي مدارس وحتى في جوامع.

وقال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارك لوكوك الاثنين “إنهم مصدومون ومجبرون على النوم في العراء وسط الصقيع لأن مخيمات (اللاجئين) تضيق بهم. الأمهات يشعلن البلاستيك لتدفئة أولادهن ويموت رضع وأطفال من شدة البرد”.

مارك لوكوك: تفادي أكبر حكاية رعب رهن بالتغلب على المصالح الشخصية
مارك لوكوك: تفادي أكبر حكاية رعب رهن بالتغلب على المصالح الشخصية

وأشار إلى أن العنف في شمال غرب سوريا لا يفرق “بين منشأة صحية أو سكنية أو مدراس وجوامع وأسواق”، فجميعها طالتها نيران القصف والمعارك.

وتُعد موجة النزوح هذه الأكبر منذ بدء النزاع بسوريا في مارس عام 2011، كما أنها الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.

واعتبر لوكوك “لا يمكن تفادي أكبر حكاية رعب إنسانية في القرن الحادي والعشرين سوى في حال تغلب أعضاء مجلس الأمن الدولي، وأصحاب النفوذ، على مصالحهم الشخصية” ووضعوا الوضع الإنساني أولوية لهم. وأضاف أن الحل الوحيد هو اتفاق لوقف إطلاق النار.

وتوفي سبعة أطفال، بينهم طفل رضيع لم يتجاوز عمره السبعة أشهر، جراء درجات الحرارة المتدنية والأوضاع الإنسانية “المروعة” في المخيمات، وفق ما أفادت به منظمة الثلاثاء.

وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن التصعيد أسفر عن “تشرّد ما يزيد عن 500 ألف طفل”.

ونقلت المنظمة في بيان عن نازحة عرفتها باسم نادية “سرنا على الأقدام لمدة ثلاثة أيام، ونعيش الآن في خيام بعدما غرقت كل مقتنياتنا في مياه الأمطار والوحل”، مضيفة “لديّ طفل مريض جدّا (..) إن مات طفلي، فكل ما يمكنني أن أفعله من أجله هو دفنه”.

وخلال أسابيع، سيطرت القوات الحكومية على مناطق واسعة جنوب إدلب وغرب حلب، وتمكنت من تحقيق هدف طال انتظاره بسيطرتها على كامل الطريق الدولي “أم 5” الذي يصل مدينة حلب بدمشق، ويعبر مدنا رئيسية عدة من حماة وحمص وصولا إلى الحدود الجنوبية مع الأردن.

وباتت هيئة تحرير الشام والفصائل تسيطر على 52 في المئة فقط من محافظة إدلب وأجزاء من المحافظات الثلاث المحاذية لها؛ حلب وحماة واللاذقية.

وقال الرئيس السوري بشار الأسد الاثنين إن “معركة تحرير ريف حلب وإدلب مستمرة بغض النظر عن بعض الفقاعات الصوتية الفارغة الآتية من الشمال” في إشارة إلى التحذيرات التركية لقواته بوقف تقدمها.

2