منطق القوة والرخاوة والهشاشة

بعيدا عن انحطاط أداء المرأة، فإن الدكتاتوريات الصريحة لا تحتمل إطلاق نكتة، أي مزاح يواجه بخشونة مباشرة، أو قسوة قانونية كما يعاقب راكب طائرة يزعم كذبا أنه يحمل قنبلة.
الأحد 2018/06/17
لا خطر على الدولة أو الدين من الانتقاد والسخرية

مساء الأحد 10 يونيو 2018، وجه روبرت دي نيرو سبابا للرئيس الأميركي دونالد ترامب في حفل جوائز توني المسرحية. ليست زلة لسان في بث مباشر يتابعه الملايين، حين قال “فليسقط ترامب”، ثم استخدم لفظا فاحشا قالت الوكالات إنه يشير إلى الجماع.

هذه ثقافة لا تبالي بانتقاد من هذا القبيل، وأما مصر فارتبكت؛ لأن امرأة لبنانية أتاحت لأصدقائها (25 شخصا) رسالة مصورة تهين مصر، وتتهم المصريين بالتحرش والسرقة والنفاق، طوال عشر دقائق من ردح سوقي مدعوم بألفاظ منحطة محلها القواميس والمشاجرات.

لم يجند ترامب أجهزة الدولة لملاحقة دي نيرو، تضييقا أو محاكمة، وسبق أن رد على سخرية ميريل ستريب بتغريدة. ويبدو أن المحامين في أميركا أقل غيرة على رئيسهم من محامين تدفعهم البطالة وغواية الشهرة إلى اصطياد مثل الأخطاء والإبلاغ عنها، متجاهلين استيفاء الشكل القانوني الخاص بانتهاك شخص غير أمين لخصوصية المرأة، فأشاع الصراخ والسفالات، واستجابت النيابة لبلاغ محام، وأمرت بالقبض على المرأة التي لم ينفعها اعتذارها، وفوجئت بإحالتها للمحاكمة، في دولة يهزها مقطع فيديو، وليت النيابة أوصت المحامي بقراءة تاريخ بلده، ونصحت المرأة بأن تعالج نفسيا.

بعيدا عن انحطاط أداء المرأة، فإن الدكتاتوريات الصريحة لا تحتمل إطلاق نكتة، أي مزاح يواجه بخشونة مباشرة، أو قسوة قانونية كما يعاقب راكب طائرة يزعم كذبا أنه يحمل قنبلة. ولا تبالي الدول القوية بسخافات تسخر من رئيس أو رمز، ولا تجنّد جهازا يراقب وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن “إساءة”.

تجاوزت “الدولة” تلك الأمور التي تمثل عوامل إلهاء تفتعلها الدول الرخوة، ولدى هذا الصنف الأخير من الدول مرونة مصدرها الرخاوة، فتتمتع بسياج من عوامل تاريخية وقيم اجتماعية تحمي الدولة من الكسر، ولا تسمح لها بالسقوط حتى لو سقط النظام، فسينبت الجسد الرخو رأسا آخر أكثر مكرا، ويخترع عدوا ضمانا للتماسك، ثم يلح في المن على الشعب ويبتزه بضرائب ظالمة تقتسم اللقمة الشحيحة.

في الرخاوة ذكاء شرير، أما الهشاشة فتلازم من يدعي الصلابة بمناسبة ودون، لكي يقي نفسه مخاطر مواجهة لا تصمد لها روحه القابلة للكسر. ولو أتيح لكائن فضائي أن يتابع شؤون مصر لمدة أسبوع، فسوف يتأكد له أن أقدم دولة صارت كيانا هشا، ما أسهل أن يستثار ردا على أي كلام.

في الثمانينات قال محمد الماغوط إن مصر تخلو من الشعر والشعراء، وليس فيها إلا سعاد حسني، فقامت قيامة الشعراء. ويُخرج شخص خبيث أو جهاز أمني أكثر خبثا تعليقا قديما لمطربة عن تلوث النيل بالبلهارسيا، فتتعرض للمنع والتحقيق، ومن السخريات أن تتم تبرئتها كأنها أخطأت.

لا خطر على الدولة أو الدين من الانتقاد والسخرية، ولكن كهنة الدولة والدين يستبسلون في اختراع مسوغات لوظائف ينتصرون فيها لما ينتقونه من قضايا، فتتجاهل دار الإفتاء حكم الدين في احتجاز أبرياء لمدد مفتوحة بالمخالفة للدستور والإنسانية، وتنوب عن الله فتعلن أن المجاهرة بالإفطار في رمضان ليست حرية شخصية، “بل هي نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام.. مجاهرة بالمعصية، وهي حرام”.

 ولم يتوجه مسلم خارج العالم الإسلامي بشكوى للمفتي من ضيقه بالمفطرين في شوارع دول أجنبية ينعم فيها بالعدل والحرية وسيادة قانون الكفاءة، وهذه القيم هي الدين الخالص. ولم يرتد مسيحي منذ نشر د.هـ. لورانس روايته “الرجل الذي مات” عام 1929، وفيها يخرج السيد المسيح، بعد أيام من الصلب، لإشباع جانب حسي أغفله في حياته. وترجم الرواية رمسيس عوض عام 1997، ولم تحاكمه الكنيسة.

10