منظمات المجتمع المدني العربية بين اليأس والرجاء

الخميس 2016/12/08

المجتمع المدني هو الميزان الاجتماعي الذي تقاس به احتياجات المواطن ومدى رضاه وسعادته، وهو المصدح الذي يوصل صوت التطلعات والآمال، وهو الرقيب على الفساد، وهو الحاضنة الشرعية التي تولد من رحمها الحرية الفكرية والعدالة الاجتماعية والتنمية الشمولية.

وبتعريفي هذا قد أخالف المتقدمين في ما قالوه من تعريفات لم تؤت ثمارها في تلك المجتمعات، وإن كانت أفضل حالا من مجتمعاتنا العربية، فقد أورد هيجل في مؤلفه “مبادئ فلسفة الحق” أن المجتمع المدني يقع بين الأسرة والدولة ويتكون من الأفراد والجماعات والمؤسسات وتنظم جميعها القانون المدني.

وعرفت روسيا مفهوم المجتمع المدني بعد زوال الحكم الملكي وبقي الماركسيون يستخدمونه كسلاح مشهر في وجه السلطة الشمولية وقال كارل ماركس إن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي.

وخالف أنطونيو غرامشي سابقيه، وقدم المجتمع المدني من منظور جديد، فاعتبره ليس ساحة للتنافس الاقتصادي وإنما ساحة للتنافس الأيديولوجي، منطلقا من التمييز بين الصراعات السياسية والهيمنة الأيديولوجية. ومع اجتياح الرأسمالية لأوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وظهور الطبقية ذات المصالح المتفاوتة واحتدام الصراع الطبقي كان لا بدّ للطبقة الرأسمالية من بلورة آليات فعالة لإدارة هذا الصراع واحتوائه بما يضمن حماية مصالحها وتحقيق الاستقرار في المجتمع.

ويقول غرامشي إن المجتمع المدني هو مجموعة من البنى الفوقية مثل النقابات والأحزاب والإعلام والمدارس والكنائس، ويفصل بين أدوار ومهام المجتمع المدني ووظائف الدولة، وشرح ذلك أيضا المفكر الألماني المعاصر يورفن هابرماس بقوله إن “وظائف المجتمع المدني في مفهوم غرامشي تعني الرأي العام غير الحكومي أي الذي لا يخضع لسلطة الدولة”.

ومع تسارع وتيرة العولمة التي تزامنت مع الثورة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات التي حولت العالم بأسره قرية صغيرة، ما يحدث في أقصاها يصل إلى أقصاها بنفس السرعة، ثم حلت مواقع التواصل الاجتماعي ضيفا غير مرحب به من قبل الأنظمة السياسية الشمولية، فزادت حاجة المواطن العربي إلى منظمات مجتمع مدني متنوعة الاهتمامات يجد فيها ضالته التي لم تحققها له الأحزاب السياسية، التي تنتهي علاقته بها عند صندوق الاقتراع، أما علاقة منظمات المجتمع المدني بالمواطن فهي مستمرة ومتجددة.

وبدأ الإنسان العربي يرى أن منظمات المجتمع المدني في أميركا وأوروبا باستطاعتها أن تغير وزيرا أو تسقط حكومة، وباستطاعتها أن تعرّي الفساد وتوقف أي قانون لا يخدم المواطن، بل وتعدّى ذلك إلى حماية قوانين السلام البيئي والحياة الفطرية والتغيّر المناخي، فصار يطالب بوجود منظمات للمجتمع المدني فهذا المطلب أخف وطأة من أن يطالب بالديمقراطية الشاملة أو بالحرية الكاملة.

ومع ازدياد تفتح ونضج الشعوب زادت مناعة الأحزاب السياسية والحكومات، وقدمت للمواطن جمعيات النفع العام ترضي شيئا من طموحه وتحقق للأحزاب والحكومات سيطرة وتواجدا، بل وتعدّى ذلك في بعض الدول إلى تسخير منظمات المجتمع المدني ومواردها إلى استقطاب حزبي يخدم ذلك الحزب السياسي دون سواه، وفي بعض الدول انقلب الطموح إلى مأساة حين خرجت منظمات مجتمع مدني تتخذ من الدين ستارا لأهدافها الحزبية غير المعلنة.

وتكسرت أحلام المواطن العربي الذي حلم يوما بمنظمات مجتمع مدني تنموية تحوّل أحلامه إلى واقع بعد أن فقد الأمل في الأحزاب السياسية، فبين التهميش والتسييس لمنظمات المجتمع العربي لا يزال ذاك الإنسان يحدوه الأمل على وقع الألم ويحلم بغد أجمل تائها بين اليأس والرجاء.

لخص الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان طموح البشر في منظمات المجتمع المدني حين قال “إن هذه المنظمات تكون أقرب إلى المشكلة وإلى الناس.. وهي التي تذكرنا دائما أن المشكلات والتهديدات التي تواجه العالم اليوم، لا تنحصر فقط في أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، لكنها تتمثل كذلك في الفقر، والحرمان والأيدز، وتدميـر البيئة”.

يجب أن تتوفر معايير محددة لكي نستطيع أن نعبُر بمنظمات المجتمع المدني عنق زجاجة الأنظمة العربية التي تستحضر نظرية المؤامرة حول كل ما خالف نهج أجدادهم الأولين، واستعملت هذه النظرية مع رسل ربّ العالمين والديانات السماوية وقالوا “بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ”.

من أهم مقومات منظمات المجتمع المدني:

- أن تكون غير حكومية.

- أن تكون غير ربحية قدر المستطاع.

- أن تكون قائمة على مبدأ التطوع والمساهمة الاشتراكية.

- أن تخلو من التمييز والطائفية.

- أن تقوم على العمل المؤسسي المنظم.

- أن يكون الإشهار والعمل في العلن.

- الاستقلال عن الدولة مع المحافظة على الشراكة في تنفيذ البرامج وخدمة المواطن.

- خدمة الصالح العام.

- لا عنف ولا حزبية ولا سعي نحو السلطة.

ومتى قامت منظمات المجتمع المدني على هذه الأسس وكان هدفها خدمة المجتمع والمطالبة بحقوقه ورعاية مصالحه، ستعمل مع السلطة جنبا إلى جنب بلا تهميش ولا تسييس كما جاء ذلك صريحا في نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد في العام 1948، “الحق في تكوين الجمعيات والانخراط فيها، والحق في المشاركة في الحياة السياسية، وفي الحياة العامة، باعتبارها من الحقوق والحريات الأساسية لكل الأفراد، على أساس المساواة ودون أي تميز، وتشكل في مجموعها شروطا لا يغني بعضها عن الآخر لقيام وتطور البناء الديمقراطي للمجتمع”.

وقد يسأل سائل ما هي النتائج التي قد تحققها منظمات المجتمع المدني وليس بمقدور جمعيات النفع العام تحقيقها؟ والجواب هو:

جمعيات النفع العام حكومية تكمل عمل الوزارات والأحزاب لا استقلالية لقوانينها ومواردها، أما منظمات المجتمع المدني فهي تستمد مواردها من أعضائها ولها استقلالية في القرار، كما أنها قادرة على تنفيذ برامج التنمية وقادرة على امتصاص غضب المجتمع ضدّ أيّ تقصير من الحكومات، وقادرة على التأثير وإحداث التغيير، وقادرة على توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية وقاعدة المهتمين بالمشاركة العامة في الشأن العام، وإنتاج النخب المتمرسة في إدارة عجلة التنمية المتنوعة والابتكار وخلق قيادات فكرية تسهم في تطوير الفكر المتجدد ورفد المجتمع بدماء جديدة من دون محسوبية ولا مراعاة للعرق أو الطائفة أو المحاصصة أو التمييز بين ذكر وأنثى واحترام الآخر، وتقبل الرأي المختلف في إطار قانوني ووفق قانون الدولة ودستورها.

إن منظمات المجتمع المدني التنموية العربية هي البديل الشرعي لفكر القومية العربية الذي شوّه تارة تحت مسمى العرق العربي، وتارة بمسمى الدين، وتارة بالاشتراكية، ومرة بالرأسمالية التي كفر بها مؤسسوها وانتقلوا إلى تطويرها بأن دمجوها بمنظمات المجتمع المدني كما هو الحال في الصين وماليزيا وسنغافورة، بينما بقيت أمة العرب تعيش وهم الأنظمة الشمولية والأحزاب التقدمية والدولة الدينية.

إن المنطقة العربية في خضم ما تعانيه من فساد وتردّ تنموي وإرهاب وتدهور في حقوق الإنسان والديمقراطية وهدر في الموارد هي في أمسّ الحاجة إلى منظمات مجتمع مدني تنموية تحقق ما عجزت عن تحقيقه جامعة الدول العربية في ما يزيد على نصف قرن من الزمن.

وفي ختام المقال سأجيب على سؤال متداول في المجتمعات العربية ذات الطابع العشائري، وهو هل نستطيع إنشاء منظمات مجتمع مدني في ظل التركيبة السكانية المتنوعة في هذه الدول؟

الجواب نعم، بل سيكون المردود أكثر ثراء وإيجابية فممّا لا شك فيه أن التنوع الثقافي والفكري سينتج فكرا يحمل جينات العولمة الإنسانية من خلال تمازج أفضل بين الممارسات والثقافات البشرية، وسيكون رافدا يحمل ثراء ووفرة وغنى في الفكر، وتميزا في النتائج.

مؤسس ورئيس منظمة سلام بلا حدود الدولية

9