منظمات حقوقية عربية تجهز لدعاوى ضد قطر أمام القضاء الدولي

يكشف حافظ أبوسعدة، رئيس الجمعية المصرية وعضو الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، عن سلسلة حقائق ومعلومات تعدّها منظمات حقوقية عربية عن انتهاكات قطر ضمن ملف دعاوى ستتقدم به أمام الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية ومؤسسات دولية أخرى. وأكد الحقوقي المصري في لقاء مع “العرب” على أنه يتم الإعداد الآن لملف عربي مشترك لإثبات دعم قطر لمنظمات متطرفة في كل من ليبيا وسوريا، وأن الدوحة تمارس عنفا مفرطا ضد مواطنيها.
الجمعة 2017/10/27
أبوسعدة: لدينا وثائق وشهادات تثبت دعم الدوحة لمنظمات متطرفة في ليبيا وسوريا

القاهرة – تعمل منظمات حقوقية عربية على إعداد ملف موثق بالأدلة والشهادات لتقديم دعاوى دولية ضد قطر أمام المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة لفرض عقوبات عليها بسبب استمرارها في دعم الإرهاب.

وقال الحقوقي المصري حافظ أبوسعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، لـ”العرب”، إن عدم توقيع قطر على مواثيق المحكمة الجنائية الدولية لا يمنع من ملاحقة وتوقيف ومحاكمة أفراد نظامها الحاكم في أيّ من البلدان المنضمة إليها، كما أنه عقب الانتهاء من إعداد هذا الملف بكافة تفاصيله قد يتم اللجوء إلى أيّ من المحاكم ذات الاختصاص الجنائي الدولي، وإثارة تلك القضية على مستوى المجلس الدولي لحقوق الإنسان.

وفي شهر يوليو الماضي أطلقت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، بالتعاون مع الفيدرالية العربية لحقوق الإنسان، حملة لملاحقة السلطات القطرية جراء تورطها في دعم الإرهاب، وما ترتب عليه من سقوط مئات الضحايا من المدنيين في العالم العربي بسبب العمليات الإرهابية التي تصاعدت وتيرتها خلال السنوات الماضية.

وشهدت الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف شهر سبتمبر الماضي، اجتماعا خاصا لمناقشة دعم قطر للتنظيمات الإرهابية، والانتهاكات المتصاعدة بشأن المعارضين، وحضره بعض المواطنين الذين ينتمون إلى قبيلة آل غفران الذين عاقبهم النظام القطري بسحب جنسياتهم. وعرضوا خلاله جميع الوثائق التي تثبت جنسيتهم الأصلية لقطر وإجراءات طردهم من البلاد.

كان أبوسعدة حاضرا في تلك الجلسات باعبتاره رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وهي عضوية استشارية لدى الأمم المتحدة تعطيها الحق في مراقبة جلسات الأمم المتحدة المختلفة. وهو أيضا عضو في الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان وكان مبعوثها لجامعة الدول العربية من عام 2004 إلى عام 2007.

وحسب الحقوقي المصري فإن دور الفيدرالية العربية يتمثل في التواصل مع عدد من المحاميين الدوليين لمراجعة الملفات التي تدين النظام القطري في دعم التنظيمات الإرهابية وارتكاب انتهاكات داخلية ضد المعارضين، ويجري تكييف تلك الوثائق لتتماشى مع “قانون روما” ليتم تقديمها أمام المحاكم المحلية التي تحمل الصفة الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية.

وتضم الفيدرالية العربية لحقوق الإنسان أكثر من 40 منظمة وهيئة وجمعية حقوقية من مختلف أنحاء العالم العربي، وتهدف إلى الترويج لمفاهيم حقوق إنسان ومتابعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مختلف البلدان العربية.

الوثائق التي حصلت عليها اللجان بشأن سوريا تثبت الدعم القطري لتنظيمات تم تعريفها من خلال قوانين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أنها إرهابية

وأشار أبوسعدة إلى أن هناك ثلاث لجان تم تشكيلها عقب إعلان القاهرة (توثيقية وقانونية وإعلامية)، تعمل حاليا على تجميع الملف الخاص بالدعم القطري للتنظيمات الإرهابية، ويتم ذلك بمشاركة العديد من الحقوقيين العرب من مختلف البلدان، بالإضافة إلى المجلس الوطني الليبي وأحد أساتذة القانون الدولي السوريين.

ولفت إلى أن الملف الليبي من أقوى الملفات التي تثبت دعم قطر للجماعات الإرهابية لأنه يحتوى على وثائق مسجلة لطائرات قطرية وزعت معدات عسكرية على مجموعات مسلحة في عدد من المناطق الليبية، وارتكبت جرائم ضد البشر والمؤسسات الحكومية موثقة أيضا، بالإضافة إلى أن توقيع ليبيا على قانون المحكمة الجنائية الدولية يعطي الحق لأيّ مواطن ليبي متضرر باللجوء إليها.

وشدد على أن الوثائق التي حصلت عليها تلك اللجان بشأن سوريا أثبتت الدعم القطري لتنظيمات تم تعريفها دوليا ومن خلال قوانين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أنها إرهابية.

دعم الإخوان في مصر

على المستوى المصري، قال أبوسعدة لـ”العرب” إنه يجري حاليا جمع توقيعات من الأسر والضحايا التي تضررت من التنظيمات الإرهابية التي تدعمها قطر، سواء كان ذلك في سيناء أو في مناطق أخرى. وأضاف أن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان لديها وثائق تثبت دعم النظام القطري لتنظيم حسم التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وتوجد اعترافات لعناصر داخل التنظيم بذلك، وذلك حسب أوراق عدد من القضايا المتعلقة بارتكاب جرائم إرهابية وتثار حاليا أمام القضاء المصري.

وكانت وزارة الداخلية المصرية أشارت بأصابع الاتهام إلى عدد من قادة جماعة الإخوان المسلمين المقيمين في قطر ومساعدتهم في تدريب وتمويل منفذي التفجير الانتحاري الذي استهدف الكنيسة البطرسية بوسط القاهرة نهاية العام الماضي.

وأكد الأمن المصري وقتها أنّ منفذ التفجير سافر إلى دولة قطر خلال عام 2015، وتم تدريبه على تنفيذ مخططات إرهابية بالعاصمة المصرية القاهرة.

وأشار أبوسعدة لـ”العرب” إلى أن محكمة العدل الدولية قد تكون إحدى الجهات التي يتم الارتكان إليها، شريطة أن يكون التقدم لها عن طريق الحكومات، وفقا لقوانينها، وتقدم بخطابات إلى كل من رئيس الجمهورية المصري ووزير خارجية ورئيس الحكومة باعتبارهما مسؤولين عن المواطنين المتضررين بالتقدم مباشرة إلى المحكمة، لافتا إلى اعتزامه تقديم دعاوى قضائية لإلزام الحكومة بتلك التحركات.

ورغم أن ذلك يرتبط بموافقة مماثلة للجانب القطري، وهو ما يعد أمرا مستحيلا في ظل الأوضاع الراهنة، لكن أبوسعدة، ارتكن إلى قبول المحكمة طلبا أميركيا ضد إيران بسبب احتجاز 53 دبلوماسيا ومواطنا داخل سفارتها في طهران لمدة 444 يوما بين عامي 1979 و1981، وأن المحكمة اتكأت في تلك الواقعة على أن الجريمة تعد انتهاكا للقانون الدولي العام، ومن ثمة فإنه لا يشترط موافقة الطرف الآخر لقبولها. ولفتت تقارير أمنية إلى أن قطر استخدمت الفدية والجمعيات الخيرية كغطاء قانوني لدعم المنظمات الإرهابية ماديا. وتسمح الأعراف الدولية بدفع فدية في حالات الاختطاف. واستطاعت قطر تمرير التمويل بشكل التفافي على الأعراف والمواثيق الدولية، واستخدام قطر للجمعيات الخيرية كواجهة لتمويل جماعات مسلحة.

الأموال القطرية تشتري كل شيء من اللاعبين إلى الجهاديين

نقاط ضعف

انتقد أبوسعدة عدم وجود تنسيق مباشر بين الحكومة المصرية والجهود الحقوقية المبذولة لمواجهة الانتهاكات القطرية، لكنه أكد على الاستفادة من الجهود الدبلوماسية داخل مجلس الأمن والتي تمت بالتنسيق مع دول المقاطعة العربية، من خلال توظيف الأدلة التي تثبت تورط الدوحة في أعمال إرهابية وقعت في ليبيا.

ولا يعوّل أبوسعدة كثيرا على مسألة الدعم القطري المقدم للعديد من المنظمات الحقوقية الدولية ومدى تأثيره على مستوى التضامن الحقوقي الدولي مع الانتهاكات الواقعة هناك، والتجاوزات الجسيمة التي يرتكبها النظام تصعّب من غض البصر عنها، لأنها تأتي بالتوازي مع انتقادات حقوقية عديدة للدوحة لسوء أوضاع العمالة الأجنبية على أرضها.

وقبل شهر تقريبا رصدت منظمة هيومن رايتس ووتش انتهاكات بشأن العمالة في منشآت كأس العالم 2022، وطالبت الفيفا والاتحادات الكروية الوطنية بـ”الإصرار على أن تقوم قطر بإصلاحات لحماية العمال من الحرّ والإصابات الأخرى، بما في ذلك استبدال حظر ساعات العمل الصيفية بنظام يعكس بدقة المخاطر الفعلية التي يتعرض لها العمال في أيّ وقت”.

وكشف تقرير دولي أعدته مؤسسة كورنرستون غلوبال للاستشارات الإدارية أن احتمال سحب امتياز استضافة كأس العالم من قطر أصبح أكبر من أيّ وقت مضى بسبب مخلفات الأزمة السياسية مع رباعي المقاطعة، فضلا عن الشكوك في عمليات فساد ورشاوى رافقت الكيفية التي حصلت من خلالها الدوحة على التنظيم.

غير أن أبوسعدة اعترف بتأثير النفوذ الاقتصادي القطري داخل بعض البلدان الغربية على التضامن الدولي مع التحركات الحقوقية الحالية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مسار التحقيق في الملفات الخاصة بالانتهاكات، الأمر الذي يستلزم إبراز تلك الانتهاكات بشكل مستمر، بحيث تكون هناك تأثيرات سياسية وقانونية على المدى البعيد.

ويرى الحقوقي المصري أن التعاون الدولي المشتت في مواجهة الإرهاب ينعكس على التعامل مع الأزمة القطرية، بالإضافة إلى وجود تعريفات مختلفة للإرهاب تؤدي إلى استخدام قواعد مكافحته على المعارضين، وعدم وجود ضوابط دولية صارمة وموحّدة للتعامل مع التنظيمات أو الأشخاص الذين تثبت التحقيقات تورطهم في أعمال الإرهاب.

وذهب أبوسعدة للتأكيد على أن النجاح الذي حققته التحركات الحقوقية العربية يكمن في نقل الكرة إلى الملعب القطري الذي طالما اتهم بعض الدول العربية بعدم مراعاة مواثيق حقوق الإنسان، قائلا “تحقّق ذلك بعد أن استطعنا أن نتواصل مع مصادر خاصة بنا على الأراضي القطرية ومنحناهم ثقة التعامل معنا، وهو ما أفرز ظهور الكثير من الوقائع إلى الرأي العام العربي والدولي”.

ومنذ إعلان القطيعة العربية لقطر شنت وسائل الإعلام القطرية وعلى رأسها قناة الجزيرة هجوما على مصر والسعودية والإمارات والبحرين متهمة هذه الدول بخرق حقوق الإنسان وكبت الحريات. ونظمت قطر مؤتمرات عدة في دول أوروبية وكذلك في الولايات المتحدة لتحريض بعض المنظمات الحقوقية على الدول العربية الأربع ومحاولة إقناع حكومات ومنظمات بالضغط على دول المقاطعة وتشتيت جهودها الحقوقية ضد الدوحة.

ولفت أبوسعدة إلى أن التحركات الحقوقية العربية لا تستهدف فقط توثيق الانتهاكات الداخلية والخارجية بقطر، لكنها تركّز أيضا على كشف المنظمات التي تدعمها لإصدار تقارير مغلوطة عن حالة حقوق الإنسان في العالم العربي؛ وهو ما حدث مع منظمة الكرامة والموجودة في جنيف والتي عملت على تشويه صورة مصر والسعودية والإمارات وتونس والمغرب والبحرين في أوروبا، من دون أن تصدر هذه المنظمة تقارير بشأن التجاوزات القطرية.

وأشار إلى استفادة التكتل الحقوقي العربي من التصريحات التي تصدر من أشخاص مقربين للنظام القطري وتحدثت عن إمكانية إبادة المعارضين، والتأكيد على أنها تمثل نوايا قطرية للتعامل مع المواطنين في الداخل، كما أنّ الدوحة لم تدن تلك التصريحات، وهو ما يساهم في وجود تحركات دولية ضدها.

التحركات لا تستهدف فقط توثيق انتهاكات لقطر لكنها تركز أيضا على كشف المنظمات التي تدعمها لإصدار تقارير مغلوطة عن حالة حقوق الإنسان في العالم العربي

الوضع يرتد

بحثت قطر عن بناء نفوذ إقليمي على حساب أمن مجتمعات عربية أخرى، لكن محاولاتها لم تنجح، وفشلت وجنت على بعض هذه المجتمعات لكن جنت على نفسها أيضا. لم يتطلب الأمر أكثر من سنة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي حتى تنكشف كل الأوراق القطرية وتسقط سريعا، لكنها تركت أثارا وندوبا مازالت المجتمعات العربية التي عبثت بأمنها الدوحة تسعى إلى معالجتها.

واليوم ارتد الوضع وبدأت تواجه قطر وضعا صعبا. وبدأ صوت المعارضة يعلو، وتعلو معه وتيرة قمع النظام. وقال أبوسعدة إن هناك أكثر من خمسة آلاف مواطن قام النظام القطري بسحب جنسياتهم على خلفية معارضتهم له، والبعض من هؤلاء كانوا يعملون في وظائف حكومية تم طردهم منها، كما أنه تم استبعاد البعض الآخر خارج الإمارة، فيما استخدمت المؤسسات الرسمية سياسة تجميد الأرصدة وحرمان المواطنين من أبسط حقوقهم المدنية.

وجمّدت السلطات القطرية حسابات وممتلكات الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني، وهو الإجراء ذاته الذي اتخذته ضد الشيخ سلطان بن سحيم آل ثاني. واقتحمت الشرطة غرفة الشيخة منى الدوسري أرملة الشيخ سحيم وبعثرت محتوياتها وصادرت صورها الشخصية والعائلية.

وأعلنت جمعية حقوق الإنسان الوطنية في السعودية مؤخرا، سحب حكومة قطر جنسية الشيخ طالب بن شريم، شيخ قبيلة آل مرة بالإضافة إلى 54 آخرين، ومصادرة أموالهم، واستنكرت ما وصفته بـ”العقاب الأعمى” للمعارضين، مطالبة الهيئات والمنظمات الإنسانية بمتابعة أوضاع ضحايا سحب الجنسية القطريين.

وقال أبوسعدة، في حديث لـ”العرب” إن قضية سحب جنسية المعارضين من الملفات الهامة التي يعمل عليها التكتل الحقوقي العربي في مواجهة الانتهاكات القطرية، وتلك التجاوزات تضع النظام القطري تحت طائلة المحكمة الجنائية الدولية، لأنها تمثل إحدى الجرائم التي نص عليها قانون روما الأساسي والمنظم لعمل المحكمة والذي تمت إضافته كأحد أسس عملها في العام 1999.

12