منظمة التجارة العالمية تحتضر وليست مصابة بالإعياء فقط

اختيار رئيس جديد لا يكفي من دون إصلاح شامل لمواجهة تحديات الاقتصاد العالمي.
الخميس 2020/07/16
المنظمة تعيش لحظة فشل

ينطلق سباق اختيار مدير عام جديد لمنظمة التجارة العالمية الأربعاء، في الوقت الذي تحيط فيه الأزمات بالمنظمة، ووسط تعالي الدعوات بضرورة إقدام المنظمة على إصلاح شامل لمواجهة تحديات الاقتصاد العالمي التي تعمقت مع تداعيات الوباء واحتدام الصدام الأميركي – الصيني.

جنيف - يخضع المرشحون الثمانية لرئاسة منظمة التجارة العالمية اعتبارا من الأربعاء لامتحانهم الأكبر أمام الأعضاء الـ164 في المؤسسة التي تواجه هجمات من واشنطن وتحديات هائلة وسط أزمة اقتصادية عالمية حادة.

وبعد عرض مشاريعهم، تكون لدى المرشحين وبينهم النيجيرية نغوزي أوكونجو إيويالا والبريطاني ليام فوكس، بضعة أسابيع حتى السابع من سبتمبر لإقناع العواصم قبل أن تتوافق الدول على تعيين خلف للبرازيلي روبرتو أزيفيدو.

وسيعرض كل من المرشحين الثمانية وهم ثلاثة أفارقة وآسيويان وأوروبيان وأميركي لاتيني، خلال الأيام الثلاثة ترشيحهم على الدول الأعضاء خلال اجتماع خاص في جنيف. وتجري التصفية بين المرشحين تباعا اعتبارا من 8 سبتمبر.

وتأمل أفريقيا أن تحظى بفرص في الحصول على المنصب الذي لم يعين فيه أي أفريقي حتى الآن، غير أنه ليست هناك قواعد متّبعة بالنسبة لجنسية المدير العام للمنظمة.

والقارة منقسمة في مسعاها للمنصب، إذ تقدم له ثلاثة مرشحين هم وزيرة المالية والخارجية السابقة النيجيرية نغوزي أوكونجو إيويالا، والمصري حامد ممدوح الموظف العالي السابق في المنظمة، ووزيرة الرياضة الكينية السابقة أمينة محمد التي ترأست في الماضي أكبر ثلاث هيئات في المنظمة.

وذكرت مصادر دبلوماسية في جنيف أن كثيرا من الدول تتفق على أن الوقت قد حان لتولي امرأة أفريقية بمؤهلات عالية قيادة المنظمة التي تحيط بها المشكلات. كما يخوض السباق خمسة مرشحين آخرين هم وزيرة التجارة الكورية الجنوبية يو ميونغ هي، ووزير التجارة الدولية البريطاني السابق ليام فوكس ووزير الاقتصاد السعودي السابق محمد التويجري، ووزير الخارجية المولدافي السابق تودور أوليانوفشي والمساعد السابق للمدير العام للمنظمة خيسوس سيد كوري.

تحديات هائلة

سباق محتدم
سباق محتدم

أيا كان خليفة أزيفيد فإنه سيواجه تحديات كبرى، في ظل الركود الاقتصادي العالمي نتيجة تفشي وباء كوفيد – 19، ويواجه المدير العام الجديد للمنظمة مهمات صعبة منها التحضير للمؤتمر الوزاري المقرر عقده في 2021، وتحريك المفاوضات المتعثرة وتسوية الخلافات بين المنظمة والولايات المتحدة، في الوقت الذي تعرقل فيه الولايات المتحدة آلية تسوية المنازعات التجارية للمنظمة وتهدد بالانسحاب من المنظمة حيث يطالب الرئيس دونالد ترامب بإجراء إصلاحات وبمعاملة أكثر عدلا لبلاده.

ووفق ما أعلنه في تصريحات سابقة الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر، يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ”إعادة برمجة” منظمة التجارة العالمية التي يعتقد أنها تعاملت بشكل غير منصف مع المصالح الأميركية، وبعدما شلّت الهيئة المعنية بتسوية النزاعات لدى المنظمة لإجبارها على فرض إصلاحات، تخطط واشنطن لاستهداف السياسة الجمركية والمعاملة الخاصة التي تحظى بها الدول النامية.

ومما لا شك فيه أن هذه الظروف كانت وراء إعلان أزيفيدو بصورة مفاجئة في منتصف مايو التخلي عن مهامه في نهاية أغسطس قبل عام من انتهاء ولايته، مشيرا إلى “أسباب عائلية”. لقد كان أزيفيدو على يقين من أن الخلافات الأميركية الصينية ستقود لا محالة إلى انهيار المنظمة.

وإضافة إلى العلاقة مع واشنطن، فإن المسار التفاوضي يتسم بالفشل منذ تأسيس المنظمة في عام 1995، حيث لم تنجح منذ ولادتها في إتمام جولة واحدة من المفاوضات التجارية في إطار المحادثات التجارية العالمية، وأهدرت بذلك الفرصة لتسليم المنافع المتبادلة لأعضائها. كان من المفترض أن تختتم جولة من المفاوضات، التي بدأت في نوفمبر 2001، بحلول يناير 2005. وبعد مرور 15 عاما على ذلك الموعد، لا يزال أعضاء منظمة التجارة العالمية يناقشون ما إذا كانت عملية المفاوضات يجب أن تستمر. ويعتقد بعض الأعضاء أن الأحداث تجاوزت عملية التفاوض، في حين يريد آخرون مواصلة المفاوضات.

وأمام حالة الارتباك التي تواجه المنظمة، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والصحية، يتساءل متابعون كيف بإمكان منظمة على وشك الاحتضار النهوض من جديد والمضي في طريق الهيكلة والإصلاح؟

وفق الخبراء، ما يضاعف الخطر هو هشاشة المنظمة التي شهدت على مدار السنوات الماضية عدة هزات، من ذلك تعطيل اتفاق تاريخي تم التوصل إليه في بالي ديسمبر 2013 ينص على تعديل وتبسيط لقواعد التجارة الدولية، خاصة ما يتعلق منها بالإجراءات الجمركية بين الدول الأعضاء.

روبرت لايتهايزر: الرئيس ترامب يريد ”إعادة برمجة” منظمة التجارة العالمية
روبرت لايتهايزر: الرئيس ترامب يريد ”إعادة برمجة” منظمة التجارة العالمية

ولاحظ نجوزي أوكونجو إيويالا في تقرير نشرته منظمة بروجيكت سنديكيت الدولية أنه حتى الآن، لم تقدم منظمة التجارة العالمية سوى عدد ضئيل إلى حد مخيب للآمال من الاتفاقيات البارزة الأخرى، بعيدا عن اتفاقية تيسير التجارة، التي دخلت حيز التنفيذ في فبراير 2017، والقرار الصادر عام 2015 الذي قضى بإلغاء جميع أشكال إعانات دعم الصادرات الزراعية.

ومن ناحية أخرى، عمل بعض أعضاء المنظمة معا على مجموعة من الصفقات التجارية الإقليمية الأوسع نطاقا بشكل كبير وتغطي قضايا ملحة مثل الاقتصاد الرقمي والاستثمار والمنافسة والبيئة وتغير المناخ، ومع ذلك فإن بعض قواعد المنظمة القائمة يمكن التحايل عليها بسهولة، ما يخل بدوره بالتوازن بين حقوق الأعضاء والتزاماتهم.

وخلال أزمة فايروس كورونا الحالية، على سبيل المثال، فرضت بعض الدول ضوابط مثيرة للجدل على الصادرات من الإمدادات الطبية والمنتجات الغذائية من أجل تخفيف النقص. وضاعفت الجائحة من مشكلات المنظمة، ومنذ ظهور الوباء تواجه التجارة العالمية مخاطر لم تواجهها منذ سنوات الحرب الباردة في القرن الماضي. وعلى المدى القصير، أصابت جائحة فايروس كورونا المستجد حركة التجارة العالمية بالشلل تقريبا. وتتوقع منظمة التجارة العالمية تراجع حركة التجارة خلال العام الحالي بما يصل إلى 32 في المئة.

كما ألقى التنافس بين الولايات المتحدة والصين بظلاله الكثيفة في العام الماضي على “هيئة الاستئناف” التابعة لمنظمة التجارة العالمية والتي تقوم بأهم وظائف المنظمة المتبقية بعد انهيار جولة الدوحة، ومع تعيين المناهض لمنظمة التجارة العالمية روبرت لايتزر كممثل تجاري للولايات المتحدة، كان تفكيك هيئة الاستئناف في العام الماضي أمرا محتوما، ما أصاب المنظمة بالشلل.

ورغم ذلك مازال هناك ما يدعو للأمل في أن تجد التجارة العالمية طريقا لتجاوز مشكلاتها الحالية، رغم الظلام الشديد الذي يحيط بها حاليا، فيما اختارت بشكل جدي طريق الإصلاح.

يتفق أعضاء منظمة التجارة العالمية على أن المنظمة تحتاج بصورة عاجلة إلى الإصلاح حتى يتسنى لها أن تظل قادرة على الاضطلاع بمهمتها، كما أنها بحاجة إلى تحديث في القواعد والمبادئ.

وكانت الصين ممن دعوا إلى إجراء إصلاحات وتخليص المنظمة من الإجراءات أحادية الجانب التي تتعارض مع قواعدها، معتبرة أن إساءة استخدام أو التمادي في استخدام تدابير الحماية التجارية الحالية، تسببت بأضرار جسيمة لنظام التجارة الدولية القائم.

إصلاح شامل

أيا كان خليفة أزيفيد فإنه سيواجه تحديات كبرى، في ظل الركود الاقتصادي العالمي
أيا كان خليفة أزيفيد فإنه سيواجه تحديات كبرى، في ظل الركود الاقتصادي العالمي

يعتقد المتابعون أنه ينبغي إعطاء الأولوية لجهود إصلاح نظام تسوية النزاعات في المنظمة التي ازدادت حدة على وقع الخلاف الأميركي – الصيني.

وعلى صعيد آخر، يدرك أعضاء منظمة التجارة العالمية اليوم الحاجة إلى إعادة تشغيل المنظمة بما يتناسب مع القرن الـ21، وتعتقد الدول المتقدمة أنها تحملت عبء تحرير التجارة فترة أطول مما ينبغي، وأن الدول النامية يجب أن تتحمل مزيدا من الالتزامات إذا كانت في وضع يسمح لها بالقيام بذلك، لكن في الوقت ذاته، تقول الدول الأقل تقدما والدول النامية منخفضة الدخل، إن قواعد منظمة التجارة العالمية تعوق جهودها الرامية إلى تحقيق النمو وتحديث اقتصاداتها، حسب ما ذهب إليه أوكونجو إيويالا.

ويرى أوكونجو إيويالا أنه من الممكن إيجاد التوازن بين الحقوق والالتزامات، كما أظهر تطور قواعد التجارة العالمية والإقليمية منذ عام 1948. وعلى هذا، فإن السؤال الذي يواجه منظمة التجارة العالمية وأعضاءها الآن هو كيف يمكن إحراز التقدم والتوصل إلى اتفاقيات مفيدة على نحو متبادل؟ لذا، يجب أن تضع المفاوضات الجديدة في الاعتبار مستويات التنمية الاقتصادية المتفاوتة بين الأعضاء، وأن تسعى كما كانت دائما إلى التوصل إلى اتفاقيات عادلة ومنصفة.

وتشمل أولويات منظمة التجارة العالمية الحاسمة الأخرى تعزيز الشفافية، في هيئة إخطارات لحظية بشأن التدابير التجارية التي تتخذها الدول.

ويختم نجوزي أوكونجو إيويالا تقريره بالقول “إن منظمة التجارة العالمية المحتضرة لا تخدم مصالح أي دولة”، وأردف “من المؤكد أن نظام التجارة الدولية الفاعل القائم على القواعد يشكل منفعة عامة، والفشل في إحياء مثل هذا النظام من شأنه أن يقوض الجهود التي تبذلها الحكومات لانتشال الاقتصاد العالمي من مستنقع الركود”.

Thumbnail
6