منظمة بدر.. نار تستعر تحت رماد الفوضى العراقية

في ظل ما يشهده العراق من فوضى عمقتها الصراعات الطائفية والتجاذبات السياسية الضيقة والأزمات التي لا تكاد إحداها تطفو على السطح حتى تعلن الأخرى عن وجودها، يبدو أنّ هنالك طرفا مسلحا على الأرض يعمل في العلن والخفاء وبشتى السبل المشروعة واللامشروعة، لإحكام قبضته على النصيب الأكبر من الحكم في المستقبل عسكريا وسياسيا وحتى انتخابيا، هو منظمة بدر الموالية لإيران، وزعيمها هادي العامري الذي بدأ يطمح للعب دور مشابه لدور حسن نصرالله اللبناني، في العراق، وفق دراسة صادرة عن مركز كارنيغي للسلام الدولي.
السبت 2015/08/15
منظمة بدر تسعى للعب دور حزب الله اللبناني في العراق

بغداد - أحيت منظمة بدر، في 14 يوليو الماضي، مراسم تشييع العديد من قادتها في بغداد بعدما قضوا في القتال ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في الأنبار، ومنهم أبومنتظر المحمداوي، قائد العمليات الوطنية في المنظمة وأبوحبيب السكيني، آمر اللواء الرابع؛ وأبوسرحان الصبيحاوي، مسؤول عمليات اللواء الرابع.

وكان موكب التشييع مماثلا للمراسم التي تُقام للجنرالات في الجيش العراقي. وقد سارت إلى جانب زعيم المنظمة، هادي العامري، شخصيات بارزة في المؤسسة السياسية الشيعية في العراق، منها نائب الرئيس نوري المالكي، ونائب رئيس الوزراء بهاء العراجي (المسؤول الأعلى رتبة في التيار الصدري)، وعمار الحكيم، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وأبومهدي المهندس (رجل إيران المخضرم الذي يتولى الإشراف على الميليشيات الشيعية في المجهود الحربي)، وفالح الفياض، مستشار الأمن الوطني وغيرهم. وخلال المراسم، رفع البدريون راية منظمتهم، وعليها تصميم بندقية بالأصفر والأخضر فوق صورة للعراق، ما يذكّر براية حزب الله، الذراع الأقوى لإيران في المنطقة.

وليست منظمة بدر، التي تأسست في الثمانينات في إيران التي تمنحها الدعم المستمر، التنظيم الأهم وحسب بين المجموعات التي تتشكّل منها قوات الحشد الشعبي، بل هي ترمز أيضاً إلى تبدُّد آمال العراقيين بقيام دولة عراقية تحكمها سيادة القانون، وتنبئ بظهور منظومة سياسية مذهبية بكل وضوح تشبه أكثر فأكثر الدولة غير النظامية التي تنشط داخل الدولة.

الميليشيا الأكثر جهوزية

كانت منظمة بدر، الحزب السياسي الميليشياوي الأكثر جهوزية لاستغلال انهيار القوى الأمنية العراقية في شمال العراق في يونيو الماضي. ويشغل العامري، وهو القائد العسكري للمنظمة، الذي حاول سابقا الحصول على إحدى حقيبتي الدفاع أو الداخلية في الحكومة، لكنه فشل في ذلك لأسباب منها المعارضة الأميركية لتعيينه في منصب وزير النقل منذ حكومة المالكي الثانية، وقد أصبح مؤخرا عضوا في البرلمان.

وفي عهد الحكومة الجديدة برئاسة حيدر العبادي، تمكّن العامري من الدفع في اتجاه تعيين محمد سالم الغبان، أحد أعضاء منظمة بدر، وزيراً للداخلية. وقبل مغادرة المالكي منصبه، عيّن العامري حاكما عسكريا على محافظة ديالى، وهو منصب غير رسمي يوصَف مجازاً بـ”المسؤول الأمني”، ولايزال في هذا المنصب حتى اليوم.

اكتسب العامري شهرة في دوره القيادي الميليشياوي أوسع بكثير من تلك التي حقّقها من خلال حقيبته الوزارية. وفي أكتوبر 2014، غالباً ما كان العامري يوصَف بـ”قائد” الهجوم الذي شنّته الميليشيات لفرض السيطرة على منطقة جرف الصخر ذات الأكثرية السنية جنوب بغداد، وترسيخ السيطرة الشيعية حول العاصمة.

منظمة بدر ترمز إلى تبدد آمال العراقيين بقيام دولة تحكمها سيادة القانون وتنبئ بظهور منظومة سياسية مذهبية

وبحلول فبراير 2015، كانت منظمة بدر قد سيطرت على محافظة ديالى التي تقيم أكثريتها السنّية العربية بين بغداد وإيران. وقد تعرّضت منظمة بدر وسواها من الميليشيات للانتقادات بأنها تخوض هجمات انتقامية وتحاول تطهير السنّة من هذه المناطق. لكن وزارة حقوق الإنسان، التي يتولاها أيضا عضو في منظمة بدر هو محمد مهدي البياتي، أرسلت مسؤولا رفيعا لإلقاء كلمة في الاحتفال الذي أحيته المنظمة بمناسبة انتصارها في ديالي في 16 فبراير الماضي، من أجل الدفاع عن سلوك قوات الحشد بقيادة منظمة بدر.

استمر تفوّق العامري العسكري في مارس الماضي مع إطلاق عملية تحرير تكريت والمنطقة الشمالية في محافظة صلاح الدين. وفي البداية، أدّت إيران، عن طريق منظمة بدر، دوراً في الهجوم أكبر من ذاك الذي لعبه القادة العراقيون، وأحياناً ظهر قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، إلى جانب العامري نفسه في الصور التي تصدّرت التغطية الإعلامية. بيد أن الميليشيا اضطُرَّت إلى وقف هجومها والانسحاب من تكريت بغية إفساح المجال أمام الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء حيدر العبادي كان قد عمد في البداية إلى كبح الميليشيات ومنعها من التدخل في الأنبار خوفاً من اندلاع نزاع مذهبي، إلاّ أنه عاد فسمح لها بالتدخل بعد انهيار القوى الأمنية التي كانت تدافع عن مدينة الرمادي، عاصمة المحافظة، في 17 مايو الماضي. وقد تولّى العامري على الفور دفة القيادة في موقع “القائد الميداني” لهجوم الأنبار الجديد، ليقرر في مطلع يونيو الماضي (من تلقاء نفسه على مايبدو) تحويل التركيز نحو الفلوجة التي تقع بين الرمادي وبغداد. وتعتبر منظمة بدر أيضاً الحزب السياسي الميليشياوي الوحيد الذي يسيطر على محافظةٍ في العراق وهي ديالى، مايعزّز دورها في البلاد.

وقد دخلت سيطرة بدر على المحافظة مرحلة جديدة بعدما انتُخِب مثنى التميمي، عضو منظمة بدر الذي كان رئيساً لمجلس إدارة المحافظة، محافظا على ديالى في 26 مايو الماضي، في خطوةٍ اعتبرت مثيرة للجدل، خاصة أنّ ديالى تعتبر، أو على الأقل كانت، ذات أكثرية عربية سنّية، حيث أنه إذا تم استعراض الإحصاءات السكّانية بأرقام الانتخابات التي شهدتها المحافظة في العام 2009، والتي شاركت فيها كل المجموعات الديمغرافية بكثافة، يتبيّن أن أكثر من نصف سكان ديالى كانوا من السنّة في مقابل الثلث تقريباً من الشيعة، أما البقية فكانت من الأكراد. وقد أسفرت انتخابات المحافظة في العام 2013 عن تشكيل مجلس من 29 مقعداً موزّعة على الشكل الآتي: 14 مقعداً للعرب السنّة، و12 للشيعة، وثلاثة للأكراد.
وأتاح تحالف الأكراد مع الائتلاف السنّي الأساسي انتخاب محافظ من العرب السنّة في العام 2013، بيد أن الحرب دفعت بالاتحاد الوطني الكردستاني، الحزب الكردي المسيطر في شمال ديالى، إلى التقرّب أكثر من إيران. ولذلك جاء انتخاب التميمي نتيجة لتجدّد التحالف الشيعي الكردي.
بدر الحزب السياسي الميليشياوي الوحيد الذي يسيطر على محافظة كاملة في العراق، وهي ديالى

نفوذ متنام

كشف المحافظ التميمي، في مقابلة معه عبر قناة تلفزية عراقية، في 23 يوليو الماضي، عن جانب مهم في النظرة إلى سيطرة منظمة بدر العسكرية على المحافظة. وقد أنكر، مثلما كان متوقعا لدى عدد كبير من المراقبين والمحللين، الاتهامات التي تفيد بأن المنظمة خاضت عملية منهجية لتطهير السنّة أو قتلهم أو خطفهم، لكنه بدا فخوراً بأنه تلقّى التعليمات من العامري وبأنّ “ألوية بدر على وجه التحديد”، وليس الحشد فقط، حافظت على الأمن في ديالى.

ويرى مراقبون أنّ منع عدد كبير من النازحين السنّة من العودة إلى ديالى، قد يسمح للأحزاب الشيعية بالفوز بنحو نصف مقاعد المجلس في انتخابات المحافظة المقبلة في العام 2017، وفي هذه الحال، من شأنها أن تتمكّن مع الأكراد من إقصاء العرب السنّة من دوائر السلطة في المحافظة بصورة دائمة.

ولأنّ دور الميليشيات الشيعية في الحرب الراهنة يمكن أن يؤثّر في توازن القوى الانتخابي في المستقبل، استقطب الهجوم الإرهابي الذي استهدف الشيعة في بلدة خان بني سعد في ديالى في 17 يوليو الماضي، الاهتمام على المستوى الوطني. وأقحم الهجوم الذي أسفر عن مقتل أكثر من مئتَي شخص، منظمة بدر في موقف صعب؛ فمن المعلوم أن المنظمة مسؤولة عن أمن المحافظة، وإذا كانت عاجزة عن حماية السكّان الشيعة، فهذا يطرح علامات استفهام حول دورها.

وقد سارع العامري إلى إصدار بيان بالصوت والصورة، حينها، أعرب فيه عن استنكاره الشديد للهجوم، مشدّداً على وجوب “الثأر” عبر اعتقال المتورّطين وإعدامهم في موقع الهجوم. وانتهز العامري الفرصة أيضاً لانتقاد الحكومة، قائلاً بأن الحكومات الأجنبية أدانت الهجوم في حين أنّها لم تفعل. وتزامن الهجوم أيضاً مع تنامي أصوات سنّية تنبه إلى تعرض العديد من السنة إلى الخطف على أيدي الميليشيات، الأمر الذي يورّط منظمة بدر، بصورة غير مباشرة على الأقل، نظراً إلى سيطرتها على المحافظة. وقد أطلّ التميمي، معلناً بنبرة جازمة “لا خطف في المحافظة”.

ويشير تركيز العامري على انتقاد الحكومة العراقية (التي يشكّل جزءاً منها، لكن من الواضح أنه أشار في سياق كلامه إلى الجزء الذي يسيطر عليه العبادي) إلى أن مصداقية منظمة بدر على المحك. وأبعد من تأثير هذا الأمر على الأهداف العسكرية الإستراتيجية المتمثّلة بالسيطرة على ديالى ومدينة سامراء جنوب محافظة صلاح الدين، سوف يُحدّد موقف الفصائل الشيعية توازن القوى في البلاد عند إجراء الانتخابات الوطنية من جديد في العام 2018.

ومما يلفت الانتباه أنّ التميمي، قال لدى حديثه عما إذا كان بإمكان العامري أن يصبح رئيساً للوزراء في أحد لقاءاته التلفزيونية “لا منصب أعلى من منصب شيخ المجاهدين، بما في ذلك منصب رئيس الوزراء”. ويؤكد هذا التصريح شكوك المراقبين الذين يرون أنّ المستقبل العراقي مرجّح ليسير على خطى النموذج اللبناني، حيث يترأس العامري الدولة الميليشياوية غير النظامية، ويتولّى شخص مقرّب منه رئاسة الوزراء.

7