منع ارتداء النقاب في المدارس الجزائرية يغذي الصراع بين العلمانيين والإسلاميين

تتواصل معركة العلمانيين والإسلاميين في الجزائر حول مسألة معقدة وخيوطها جد متشابكة لتنتقل هذه المرة إلى أسوار المدارس، وتتعلق أساسا بقرار يقضي بمنع النقاب وحظر ارتدائه، مما تسبب في بروز العديد من المواقف والآراء المتناقضة حول هذه المسألة وكيفية إيجاد الطرق المثلى لمعالجتها دون السقوط في طور من الارتجال الفاضح لكيفية الكيل بمكيالين بين أبناء البلد الواحد.
الثلاثاء 2017/10/03
ما وراء العين الناظرة للامتحان

الجزائر - تحولت العودة المدرسية في الجزائر إلى فضاء للسجال الفكري والأيديولوجي بين المساعي الداعية إلى علمنة المنظومة التربوية وبين المحافظين والإسلاميين المتمسكين بمنظومة القيم الروحية والحضارية المتوارثة، فيما يتواصل التغافل عن المسائل الحقيقية والجوهرية الكفيلة بتحسين التحصيل العلمي والأداء التربوي ورفع مستوى المتخرجين في المدارس الجزائرية.

وكشف النقابي والنائب البرلماني مسعود عمراوي عن وجود مشروع قرار لوزارة التربية الوطنية ينص في مادتين تضمنهما على منع أيّ لباس لا يكشف عن هوية مرتديه في المدارس، ممّا يحيل بشكل غير مباشر على النقاب الإسلامي الذي يعدّ في البلاد أكثر الألبسة التي تخفي الهوية شيوعا.

وقال عمراوي في منشور على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك إن “البند 46 من القرار الجديد ينص على أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحول لباس التلاميذ دون التعرف على هوياتهم أو السماح لهم بحجب أي وسيلة تساعد على الغش أثناء الفروض والاختبارات”.

وأضاف “أما البند 71 فينص على منع ارتداء كل لباس يحول دون التعرف على هوية الموظف وأن الظاهر في هذا النص هو محاربة الغش، لكن المستهدف هو منع استعمال الخمار من لدن التلميذات المحجبات، ومنع اللثام التارقي والنقاب عن الجميع، أساتذةً وموظفين”.

لا يوجد أي قانون في الجزائر يمنع ارتداء النقاب، كما يرتدي عدد من المدرسات النقاب أثناء العمل، وتبقى محاولات منعه مساعي معزولة من طرف بعض الإدارات وأصحاب العمل

وأثار تسريب مشروع وزارة التربية، الذي يمنع بموجبه ارتداء النقاب في المؤسسات التعليمية، ردود فعل قوية لدى الأوساط الإسلامية والمحافظة، نددت بتوظيف مسؤولي الوزارة لمخطط إصلاح المنظومة التربية الذي باشرته الحكومة منذ عام 2014، لصالح أجندة تستهدف المساس بالشخصية الجزائرية والثورة على حساب منظومة القيم الروحية والحضارية للشعب الجزائري.

وتوعّد النائب البرلماني حسن عريبي المنتمي إلى جبهة العدالة والتنمية الإخوانية، بمساءلة وزيرة التربية نورية بن غبريط، على ما أسماه “تمرير مشروع علمنة المدرسة والمجتمع الجزائري، تحت غطاء إصلاح المنظومة التربوية دون العودة إلى ممثلي الشعب أو توسيع الاستشارة للفاعلين في القطاع للإدلاء بآرائهم وتصوراتهم في المسائل الحساسة”.

وباستثناء القرار المعزول الذي أصدرته إدارة الجمارك عام 2015 لمنع ارتداء الحجاب أو النقاب من طرف الموظفات في القطاع، فإنه لا يوجد أي قانون في الجزائر يمنع ارتداء النقاب، كما يرتدي عدد من المدرسات النقاب أثناء العمل، وتبقى محاولات منعه مساعي معزولة من طرف بعض الإدارات وأصحاب العمل.

ورغم أنه لم يصدر أي تعليق أو توضيح رسمي من طرف وزارة التربية، فإن مصادر مقربة منها شددت على أن القضية تتعلق بغلق جميع ثغرات الغش والتحايل التي باتت تسيء لسمعة الامتحانات الوطنية بعد ثبوت توظيف الزي المذكور من أجل الغش والتحايل في الامتحانات والمسابقات الرسمية.

وتزامنت قضية منع النقاب في المدارس الجزائرية مع الجدل الذي أثاره حذف البسملة من الكتاب المدرسي مما فتح المجال واسعا أمام سجالات حادة اشتغلت على استعراض المواقف والقناعات، فيما تتخبط المدارس في مشاكل ومعوقات كثيرة تتعلق أساسا بالتأطير ووفرة الكتاب المدرسي والتكفل بذوي الاحتياجات الخاصة وخدمات النقل والإطعام والوسائل البيداغوجية والتدفئة وغيرها.

وتداول نشطاء ورواد شبكات التواصل الاجتماعي صورا وتسجيلات لاضطرار بعض التلاميذ إلى قطع مسافات طويلة سيرا على الأقدام، بسبب غياب النقل المدرسي ولجوء البعض الآخر إلى التنقل عبر وسائل نقل البضائع.

وفي خطوة لدعم توجهات الوزارة أشادت “النقابة الوطنية للزوايا الأشراف”، بقرار وزيرة التربية بن غبريط القاضي بمنع ارتداء النقاب والجلباب على الأساتذة والتلاميذ، ووصفته بـ”الرأي السديد للنهوض بالمنظومة التعليمية نحو الرقي والحضارة”.

وجاء في البيان الذي اطلعت عليه “العرب” أن “لباس النقاب والجلباب يكون في أماكن خاصة كالمدارس القرآنية والمساجد وأن منع ارتدائه داخل المؤسسات التربوية قرار صائب للحفاظ على الأمن والأمان داخل هذه المؤسسات”.

ودعت من وصفتهم بـ”الذين يريدون تعكير الحياة الصافية والراقية للجزائريين”، في إشارة إلى أنصار التيارين الإخواني والسلفي، إلى “التوقف عن إثارة الفتنة لأن القرار درس من طرف مختصين وخبراء وبيداغوجيين وعلماء اجتماع، وهو لا يعني في شيء مما يروج له من مساس بالشخصية والقيم الوطنية، لأن الجزائريات عفتهن صافية وأخلاقهن رفيعة”.

مسعود عمراوي: القرار الجديد ينص على ألا يحول لباس التلاميذ دون التعرف على هوياتهم

وبات زي المتمدرسين والعاملين في قطاع التربية مثار جدل ساخن في الجزائر، خاصة في ظل غياب نصوص ضابطة للمسألة، حيث باتت القرارات المطبقة متضاربة من مؤسسة إلى أخرى، ففي حين تتسامح بعض الإدارات مع مختلف الأزياء والتسريحات للبنات والبنين، لجأ البعض الآخر إلى إصدار نصوص داخلية تفرض بعض الضوابط لفرض قاسم مشترك أو متشابه بين الجميع.ووقفت “العرب” على نماذج لخلافات وسجالات كثيرة في بعض مدارس العاصمة، حيث تمنع بعض التسريحات والأزياء على الذكور، بينما يتم التساهل مع البنات مما يخلق حساسية في ما يسمّونه بـ”الكيل بمكيالين في تطبيق القانون”.

وكان رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى قد أعرب بمناسبة عرض برنامج حكومته على نواب البرلمان، عن دعمه للخطوات الإصلاحية التي تبنتها وزيرة التربية، وشدد على أن الحفاظ على الشخصية الوطنية والثوابت الوطنية مكفول في الدستور وفي المؤسسات الدينية، وذلك ردا على الشكاوى التي رفعتها جمعية العلماء المسلمين الجزائرية (إسلامية مستقلة) لمصالحه من أجل وقف ما أسمته بـ”سطو بن غبريط على عقول الأجيال القادمة”.

ويرى مختصون أن السجال المفتوح بين التيارين المحافظ والعلماني على أنقاض المدرسة، يشكل فرصة ضائعة أخرى في مسار النهوض من الحضيض الذي هوت إليه المدرسة، فبدل الاهتمام والتفرغ للمسائل الجوهرية ينحرف الجدل إلى قضايا هامشية من شأنها أن تحيي نوازع أيديولوجية قديمة وعقيمة.

وتسعى وزارة التربية الجزائرية إلى إرساء قيم عالمية وإنسانية على المنظومة التربوية، ومحاربة أسباب ومصادر التطرف الديني الذي تراكم في العقود الماضية، حيث يشار بأصابع الاتهام إلى المنظومة التربوية بكونها هيّأت بيئة التطرف والإرهاب، وهو ما يعتبره المحافظون اتهامات “خطيرة ومبيّتة”.

17