منع الأخبار مجهولة المصدر سيف ذو حدين على الإعلام المصري

المجلس الأعلى للإعلام ينتهي من صياغة قانون ينظم حرية تداول المعلومات، إلا أن البرلمان المصري لم يناقشه حتى الآن.
الجمعة 2018/05/25
قانون يضع مصادر الصحافيين أمام العدسة

القاهرة - انتهى المجلس الأعلى للإعلام منذ مطلع العام الجاري من صياغة قانون ينظم حرية تداول المعلومات، إلا أن البرلمان المصري لم يناقشه حتى الآن، في ظل تكهنات بوجود صعوبة، لا سيما أن الأوضاع العامة لا تشي بأن هناك رغبة في فرض قوانين على الجهات الرسمية تجبرها على أن تجيب على أسئلة المؤسسات الإعلامية.

وكشف قرار منع استخدام المصادر المجهولة في التقارير الإخبارية عن فوضى تداول المعلومات والتعامل مع الجهات الحكومية التي تتوجس من إمداد الصحافيين بالمعلومات المطلوبة.

ولم يحدد المجلس الأعلى للإعلام حتى الآن  كيفية تطبيق قرار كهذا على المئات من المواقع الإلكترونية والصحف الورقية ووسائل الإعلام المرئية، غير أن مكرم محمد أحمد رئيس المجلس قال في تصريحات صحافية إنه ستتم محاسبة من يثبت أنه نشر خبرا لأحد المصادر المجهولة دون أن يكون لديه دليل لإثبات صحته.

ويرى صحافيون أن تطبيق هذا القرار بتلك الصيغة قد يكون مقبولا لدى دولة توفر للصحافيين الذين يعملون بها الإمكانيات والظروف التي تمكنهم من إثبات صحة المعلومات التي حصلوا عليها، غير أن تطبيقها من دون أن يكتسب القائم بالاتصال حقوقه القانونية في الحصول على المعلومات يعد تضييقا جديدا على حرية الإعلام، في وقت ينخفض فيه سقف الحرية الممنوحة لها وسط محاولات لتطويعها بشكل كامل لصالح دوائر قريبة من أجهزة الدولة.

وشدد البعض على أن القرار مقدمة للاعتماد بشكل أكبر على صحافة البيانات التي تصدر بصفه رسمية من الجهات المسؤولة، لكنه يضرّ بالمبادئ الصحافية السبعة التي تعتمدها المنظمات الدولية وأغلب الدول الغربية، والتي تنص على حق القارئ في المعرفة وحق حماية هوية المصدر حتى أمام جهات التحقيق في ظروف معينة. وجاء قرار مجلس تنظيم الإعلام عقب تقديمه تقريره السنوي الأول بشأن حالة الإعلام في مصر، والذي كشف عن أن نسبة 30 بالمئة من إجمالي مخالفات وسائل الإعلام كانت بسبب “الأخبار مجهولة المصدر”، ما دفعه إلى تشكيل لجنة جديدة منبثقة عنه الأسبوع الماضي لوضع معايير لنشر هذا النوع من الأخبار بالصحف، قبل أن يصدر قراره الأخير بحظر نشرها.

ويشير صحافيون إلى أن هناك شعورا متزايدا لدى المصادر التي ترفض الكشف عن هويتها بأنها معرضة للخطر حتى وإن ارتبط الأمر ببعض الأخبار التي لا تمثل خطورة عليها حال الإفصاح عنها، غير أن مجمل الأوضاع التي تتسم بغلق المجال العام تنعكس على تعامل المصادر معهم، ما يخلق نوعا من التوتر بين الطرفين تكون نهايته الاتفاق على نسب الخبر إلى مصدر مجهول.

وقال عصام كامل رئيس تحرير صحيفة “فيتو” إن عدم توافر البنية القانونية التي تساعد الصحافي أو الإعلامي على إسناد المعلومات إلى مصادرها يستحيل معه تطبيق قرار المجلس الأخير، وأن الأمر سيتطلب أولا تغييرا في نظرة الجهات الحكومية لدور الإعلام ومهامه.

عدم توافر بنية قانونية تساعد الصحافي على إسناد المعلومات إلى مصادرها يستحيل معه تطبيق القرار

وأضاف لـ”العرب” أن فرض قرارات على القائمين بعملية الاتصال دون إتاحة حقوقهم للحصول على المعلومات أمر لن يقبل به أغلب الإعلاميين، لا سيما وأن الجميع يعانون من صعوبة الوصول إلى المعلومة.

ولفت إلى أن الحل يكمن في الانفتاح على وسائل الإعلام وليس التضييق عليها بشكل أكبر، الأمر الذي سينعكس على محاسبة الصحافي بشكل أكبر حال استغلاله استخدام المصادر المجهولة لأسباب غير مهنية، لأن غالبية القضايا التي ترفع على الصحف لاستخدامها مصدرا مجهولا ونشر أخبار كاذبة تتم تبرئتها أمام ساحات المحاكم استنادا إلى عدم وجود قوانين تكفل حرية الحصول على المعلومة.

ولعل ما يساعد على ذلك قانون سلطة الصحافة الصادر في العام 1980، الذي ينص على أن “للصحافي الحق في الحصول على الأنباء والمعلومات والإحصائيات من مصادرها وله حق نشرها ولا يجوز إجباره على إنشاء مصادر معلوماته وذلك كله في حدود القانون”.

واعتبر هشام عطية، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة، أن التوسع في استخدام المصادر المجهولة يعد عرضا مهنيا أكثر من كونه مبررا أو حماية للمصدر، وأن هذا النوع من المصادر يجب أن يتم استخدامه في أضيق الحدود، وهو ما لم يتوفر في الحالة المصرية.

وكان عطية أحد المشاركين في تقارير الأداء الصحافي التي أصدرها المجلس الأعلى للصحافة (مسؤول عن تنظيم عمل الصحف)، على مدار أكثر من 20 عاما قبل أن يتم حل المجلس لتحل بدلا عنه “الهيئة الوطنية للصحافة”.

وأوضح عطية لـ”العرب” “بالفحص المهني للأخبار وجدنا أن الأخبار مجهولة الهوية تمتد على مساحات لا تستدعي فكرة التجهيل مثل صفحات الفن والرياضة والجريمة، بل إنها أصحبت جزءا من دماء بعض الصحف التي تعتمد على نشر أخبار غير دقيقة تجذب الأنظار من خلالها دون الكشف عن هوية هذه المصادر”.

وتثير مسألة مهنية استخدام المصادر مجهولة الهوية جدلا متصاعدا على المستوى العربي والعالمي، وخلال ندوة عقدتها “شبكة الصحافيين الدولية”، العام الماضي، بجنوب السودان، وشارك فيها مئات الصحافيين من مختلف بلدان العالم تم الاعتداد برأي جمعية الصحافيين المحترفين، التي حددت معايير نشر الأخبار مجهولة الهوية.

18