منع الأزهريات من ارتداء ملابس بعينها يثير خلافا مجتمعيا

ربط هيبة الأزهر بحرمان نسائه من مساحيق التجميل، يعكس حجم التشدد الفكري لبعض قادته وعلمائه.
الأحد 2021/11/14
التفكير في خلع الحجاب مخالف لتعليمات هيئة الأزهر

لم ينل قرار الأزهر حظر دخول الطالبات والمعلمات إلى مقار العمل أو هيئات التدريس بملابس ضيقة أو لافتة للنظر أو قصيرة إعجابهن. كما أن قرار منع دخولهن وهن يضعن مساحيق التجميل مثل الماكياج، للحفاظ على وقار المؤسسة الدينية، أثار امتعاض الذين يؤمنون بالانفتاح من ربط الأزهر وقاره وقدسيته ورمزيته بلباس المرأة العاملة. ورأى المناصرون لقضايا المرأة في ذلك عجزا من فقهاء الأزهر عن أن يكونوا متسامحين معها ومنحها الحق في أن تظهر بالمظهر الذي تريده والملبس الذي تبتغيه دون مضايقات أو تعقيدات.

القاهرة - هبة محمد، اسم مستعار لطالبة تدرس بجامعة الأزهر في القاهرة، من غير المحجبات، وتضطر إلى تغطية رأسها كلما دخلت من بوابة الجامعة خشية أن يمنعها أفراد الأمن بدعوى أنها خالفت التعليمات والقرارات التي تنظم “الهيئة التي يجب أن تكون عليها المرأة الأزهرية”، طالبة أو أستاذة جامعية، في مرحلة الشباب أو الطفولة.

بصعوبة بالغة أقنعت هبة الأستاذات الجامعيات بأنها ستخلع الحجاب أثناء المحاضرات، لكن إحداهن رفضت طلبها بشكل قاطع وألزمتها بأن ترتدي الحجاب طوال فترة وجودها بقاعة التدريس، أو بمعنى أدق، وهي تجلس أمامها في أثناء شرح المادة الخاصة بها، لأنها تحترم قرار المؤسسة الدينية بخصوص لباس المرأة.

أحمد الطيب: لباس المرأة لا يمكن أن يكون مبررا لتعرضها لمضايقات من أيّ نوع
أحمد الطيب: لباس المرأة لا يمكن أن يكون مبررا لتعرضها لمضايقات من أيّ نوع

وأصدر قطاع المعاهد الأزهرية قرارا قبل أيام بحظر دخول الطالبات أو المعلمات إلى مقار العمل أو هيئات التدريس بملابس تخالف الزي الأزهري، مثل الملابس الضيقة أو اللافتة للنظر أو القصيرة، مع منع أي منهن من الدخول وهي تضع مساحيق التجميل على وجهها، مثل الماكياج، للحفاظ على وقار المؤسسة الدينية، وتكون نساء الأزهر قدوة ومثلا أعلى لغيرهن من السيدات.

أبدى الكثير من المؤمنين بالانفتاح امتعاضهم من ربط الأزهر وقاره وقدسيته ورمزيته بلباس المرأة العاملة به، وتساءلوا عن مدى تسبب مساحيق التجميل في اهتزاز صورته في المجتمع، ولماذا يتم التركيز على ملابس النساء دون النظر إلى الأخلاقيات والسلوكيات، باعتبار أن المؤسسة الدينية يفترض أن يكون رجالها أكثر الناس قدوة في غضّ النظر وعدم مضايقة المرأة.

تفسيرات واهية

يبرر مسؤولو المعاهد الأزهرية قرار التحكم في ما تلبس المرأة داخل بيئة العمل أو المؤسسات التعليمية بأن ذلك ينهي الشبهات، لأن التزامهن بالإطار  الشرعي الخاص بالزي يحول دون ارتداء ملابس مثيرة ولافتة للانتباه، بشكل لا يليق بالمكان، كجزء من المؤسسة الدينية التي لها وقارها واحترامها وقدسيتها، وتحرر المرأة المطلق في لباسها قد يكون مدعاة للإثارة.

صحيح أن لكل بيئة عمل أو مكان تعليم قدسيته واحترامه وملابسه التي يجب أن تتفق مع رسالته، لكن فكرة ربط هيبة ووقار الأزهر بعدم وضع المرأة مساحيق تجميل يعكس حجم التشدد الفكري الذي يسيطر على عقول البعض من قادته وعلمائه، وكيف أنهم عجزوا عن أن يكونوا متسامحين مع النساء ويمنحونهن الحق في المظهر والملبس دون مضايقات أو تعقيدات.

وقال شيخ الأزهر أحمد الطيب في مناسبات عديدة “إن لباس المرأة لا يمكن أن يكون مبررا لتعرضها لمضايقات من أيّ نوع أو ترهيبها بالتحرش بدعوى أنها مثيرة”، فذلك ينم عن مرض نفسي، وكثيرا ما دعا إلى احترام حقّ الناس في الملبس والمظهر طالما أن ذلك لم يكن بطريقة فجة تتناسب مع روح العصر وتطورات المجتمع.

اختزال عفّة المرأة في لباسها يحمل تحريضا مباشرا ضدها، لأن منعها من ارتداء ملابس بعينها يوحي بأنها ستكون متمرّدة

وسبق لمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن أباح للمرأة دون استثناء وضع مساحيق التجميل، فالأصل في ذلك الإباحة ما دامت هذه المساحيق تجمل الوجه وتتم إزالتها متى أرادت المرأة، أيّ أن الجهة المعنية بإصدار الفتاوى داخل المؤسسة الدينية أطلقت العنان للمرأة لتتجمل وقتما تشاء بعيدا عن الإثارة.

وأكدت الطالبة هبة لـ”العرب” أن مشكلة الكثير من العاملين داخل المؤسسة الدينية تتمثّل في أنهم يقولون للمجتمع عكس ما يفعلون تجاه المرأة، فإذا كان مركز الأزهر للفتوى أباح مساحيق التجميل فالواقع داخل البيئة التعليمية الأزهرية مغاير تماما، فهناك تشدد ضد النساء اللاتي يظهرن وهن جميلات بدعوى أنهن يثرن الغرائز ولا يلتزمن بالدين.

وأضافت أن المشكلة الأكبر تكمن في تشدد بعض السيدات العاملات داخل المؤسسة الدينية ضد النساء أنفسهن، فهناك أكاديميات يتربصن بكل طالبة تفكر في خلع حجابها، رغم أن المكان ليس به رجال، لكن فكرة الحجاب نفسها مسيطرة على العقول حتى لو كان الاختلاط محظورا، وما زلن يتعاملن مع تغطية الرأس كجزء من الإسلام.

وترى مؤسسات حقوقية معنية بشؤون المرأة أن اختزال عقيدة المرأة في لباسها، يعكس تشدد بعض علماء المؤسسة الدينية ضدها، فهي ليست مطالبة بأن تظهر بالصورة التي ترضيهم وحدهم، وهذا نتاج عدم تطهير العقول الفقهية من النظرة الدونية للأنثى عموما، حيث يتعامل الكثير منهم مع مظهر المرأة الخارجي على أنه انعكاس لسلوكياتها وأخلاقياتها.

العفّة والزي

فرض لباس معين على المرأة ينتقص من قيمتها
فرض لباس معين على المرأة ينتقص من قيمتها

لا يدرك علماء الأزهر أو غيرهم من رجال الدين المنتمين إلى المؤسسات الرسمية عموما، أن اختزال عفّة المرأة في لباسها يحمل تحريضا مباشرا ضدها، لأن منعها من ارتداء ملابس بعينها يوحي للمجتمع بأنها لو ارتدتها تكون متمردة ويُطعن في أخلاقها، وهذه مشكلة ومن غير المنطقي رهن قدسية مكان عمل أو تعليم بما يجب أن ترتديه السيدات.

تعتقد شريحة من النساء المعارضات لهذا التضييق على المرأة الأزهرية أن التدخل بشكل غير مبرر في ملابس المرأة ومظهرها والإطار الخاص بجمالها يعكس حالة الهوس لدى بعض المسؤولين بالمؤسسة الدينية بجسد المرأة، لأن الأصل في التعامل مع الأنثى ألا يتم التمعّن في جسدها من بوابة ملابسها، هل هي مثيرة أم مانعة للشبهات.

وتشير هذه الأصوات إلى أن هوس بعض رجال الدين بأجساد النساء عموما، هو السبب الرئيسي في حالة الاستسهال الخاصة بالفتاوى المرتبطة بالمرأة، ماذا تلبس، وأين تجلس، وكيف تتجمل؟

وصار لدى المجتمع صورة منقوصة عن المرأة بأنها وعاء لتفريغ الشهوات، وباتت كل سيدة تخالف التقاليد معرضة للعنف لمجرد أنها تحررت من قيود المتشددين.

عبير سليمان: أصبحت كل امرأة تخالف ما حدده الفقهاء بشكل الزي الشرعي، منحرفة
عبير سليمان: أصبحت كل امرأة تخالف ما حدده الفقهاء بشكل الزي الشرعي، منحرفة

أكدت عبير سليمان الباحثة المتخصصة في حقوق المرأة بالقاهرة، أنها تعرف طالبات داخل جامعة الأزهر يتعرضن لعنف وترهيب نفسي لأن ملابسهن تخالف وجهات نظر رجال الدين بشأن ما يجب أن ترتديه السيدات خارج المنزل، وصارت هناك قناعة بأن كل امرأة تخالف الإطار الذي حدده الفقهاء بشكل الزي الشرعي، منحرفة وتبحث عن الإثارة والإغراء.

وأشارت في تصريح لـ”العرب” إلى أن التحكم الفج في المظهر الذي يجب أن تكون عليه المرأة الأزهرية انعكاس واضح لمنسوب التشدد الموجود لدى بعض رجال الدين المسؤولين عن توجيه المجتمع إلى الصواب، وكل ذلك نتاج الفكر السلفي المعادي للسيدات، ويرى أن مكانهن هو المنزل، لا التعليم والعمل والاختلاط بالرجال.

وتابعت “للأسف أصبح هناك فقه خاص بالنساء عنوانه أن كل رجل دين متشدد يعتبر أن المرأة التي تتزين تحاول إثارة غرائز كل الرجال، ولا يدرك أو يفهم أنها تتزين وتتجمل لنفسها، وهذا من صميم حقوقها، ولن ينصلح حال السيدات في المجتمع إلا إذا ركز الفقهاء في الدين وتركوا النساء يمارسن حرّيتهن، وعليهم الاقتناع بأن التشدد في ما تلبسه المرأة ولو كانت أزهرية، يعرضها للقمع والاستهداف”.

مساحيق وسلوكيات

دخـــول الطالبات إلى الدرس  بملابس تخالف الزي الأزهري مرفوض
دخـــول الطالبات إلى الدرس بملابس تخالف الزي الأزهري مرفوض

يصعب فصل تركيز بعض أصحاب العمائم مع جسد المرأة والتضييق عليها في وضع المساحيق أو الملابس عن التركيبة النفسية والسلوكية، فقد تكون لدى فئة منهم عقد جنسية أو هوس متزايد بالنساء، وعندما لا يستطيع هؤلاء التحكم في تصرفاتهم، يتعاملون بمنطق درء الشبهات لحماية أنفسهم أولا، وغيرهم من الرجال ثانيا.

ولأن هذه الفئة قد ترتكب فعلا مشينا تجاه امرأة لافتة للانتباه بحكم جمالها المفرط، أو ملابسها التي تبدو من وجهة نظرهم مثيرة، فإنهم يتشددون ضدها ويجبرونها على أن ترتدي زيا لا يظهر المفاتن التي تثيرهم، لأنه ليس منطقيا أن يكون المجتمع بأسره مهووسا جنسيا ولدى الرجال حالة جنون كلما رأوا امرأة جميلة، حتى يصل التضييق الديني ضدها إلى هذا الحد من حرمانها حتى من الاستمتاع الذاتي بجمالها.

يعتقد مؤيدون لهذا الطرح أن تدخلات بعض رجال الدين في أجساد النساء يشير بشكل غير مباشر إلى وجود شهوة زائدة يحاول كل منهم إخفاءها أو السيطرة عليها بالتدخل في تحجيم ظهور المرأة بشكل جميل، بمعنى أنه يتحكم في إطارها الجسماني عبر الفتاوى، كما هو مطبق داخل المعاهد الأزهرية وكليات التابعة للمؤسسة الدينية.

يبدو ذلك عندما يكون لدى رجل الدين مشكلة مع امرأة ذات جمال لافت، فهو وإن لم يستطع النظر إليها خشية حدوث مشكلة له فقد يضطر إلى إرغامها على إخفاء جمالها، حتى لا يطلع عليها أحد، وهي نفس العقلية المتشددة التي ترى أن تزيّن المرأة خارج منزلها يعكس انحرافها وخروجها عن العادات والتقاليد والأعراف.

داليا زيادة: يجب أن يكون لرجال الدين وعي بحرية المرأة في ملابسها 
داليا زيادة: يجب أن يكون لرجال الدين وعي بحرية المرأة في ملابسها 

ورغم اختفاء شريحة كبيرة من رجال الدين الأزهريين من كبار السن عن المشهد وصعود آخرين أقل سنا ويفترض أن يتعاملوا بروح العصر من حيث الانفتاح والتحضر، لكن يبدو أن المشكلة في العقول والمنهجية المتجذرة داخل المؤسسة الدينية التي يتم توريثها عن المرأة عموما، بأنها كائن خلق لإشباع الرغبات.

ورأت الناشطة والحقوقية المصرية داليا زيادة، أن حرية المرأة في ملابسها وجمالها، تتطلب أن يكون لدى بعض رجال الدين وعيا بأن ذلك جزء من حقوق الإنسان، فلا يجب إكراهها على ارتداء لباس بعينه بدعوى عدم إثارة الفتنة، لأن الإنسان السوي لا يعنيه ماذا ترتدي المرأة، والأهم عنده عقلها واتزانها وأخلاقها، لا ما تخفيه الملابس.

وذكرت لـ”العرب” أن مواجهة التشدد الحاصل ضد ما يجب أن ترتديه النساء لا يمكن القضاء عليه دون زيادة تمكين المرأة دينيا على مستوى الفتوى والوصول إلى مناصب مرموقة داخل المؤسسات الدينية، وعلى دعاة التحكم في الملبس أن يدركوا التبعات السلبية على المرأة من وراء ذلك، مجتمعيا وأسريا، لأنها تتعرض لترهيب نفسي بالغ.

تظل المعضلة الأكبر أمام المرأة الأزهرية، متعلمة أو عاملة، أنها لا تمتلك الحد الأدنى من استقلال الرأي أو التمرد على القرارات التي تلزمها بالإطار الشرعي للجسد، ولا مقاييس الجمال، حتى صارت أسيرة لرؤى متشددة، تتناغم كليّا مع رغبات المتطرفين الذين يتعاملون بمنطق إخفاء جمال المرأة واجب لوقف شهوات الرجال.

ويبدأ تحرر المرأة من الهيمنة الذكورية على جسدها من تحرير المؤسسات الدينية من الجمود الفكري، ولن يتحقق ذلك سوى بإرادة سياسية، ولا يمكن القول إن تحضر المجتمع هو الأساس لإنصاف المرأة من الفكر الذكوري، لأن المجتمع صار يتحرك وفق ما يقرره رجال الدين على النساء.

17