منع الشباب من الزواج المختلط بأمر الطائفة والقانون

التشريعات القانونية لدى كل طائفة تضع قيودا منيعة على الزواج المختلط الذي يسبب في غالب الأحيان مشاكل مع العائلة والمجتمع في الدول العربية.
الأحد 2019/05/19
حياة جديدة خارج قيود الطائفة

يواجه الشباب الذين يرغبون في الزواج من طائفة أخرى قيودا ومشاكل كبيرة من الأهل والمجتمع والطائفة، تعززها التشريعات القانونية، التي ترضخ للمحاكم الشرعية لدى كل طائفة وتقوي سلطتها في ما يخص الأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق والإرث.

دمشق - مع نساء غريبات فقط، تتم فرح ذات الأربعة والعشرين عاما التحضيرات لزفافها، دون وجود أم أو أخت أو صديقة، على بعد مئات الكيلومترات من مدينتها في جنوب دمشق، لأنها اختارت الخروج عن تقاليد وتعاليم الطائفة بالزواج من شاب ينتمي إلى طائفة أخرى.

الشابة التي تشعر بالكثير من الارتباك بسبب خطوة لا تعرف كم ستدفع ثمنها مع إصرار أهلها على رفض الزواج ومقاطعتها للأبد، تؤكد أن نسبة كبيرة من شبان وشابات طائفتها الذين تركوا سوريا متّجهين إلى أماكن شتى من العالم باتوا يملكون خيارات متعددة بخصوص حياتهم الشخصية وحريتهم، ولم يعودوا مضطرين إلى الامتثال لقرارات تمنع زواجهم من شريك ينتمي إلى إحدى الطوائف الأخرى.

قصة فرح هي واحدة من آلاف القصص ليس في سوريا وحدها، لكن في العديد من الدول العربية التي يوجد فيها تعدد كبير في الطوائف والأديان مثل لبنان والعراق، وكل قصة حب بين شاب وفتاة من طائفتين مختلفتين ترتبط بمتاهات عديدة، ونادرا ما يكتب لها الاستمرار، لا فرق بين اسم الطائفة سنية أو شيعية أو درزية، كاثوليك أو أرثوذكس، هناك العشرات من الطوائف وجميعها ترفض الزواج المختلط إن لم تكن تحرمه، فيما الشباب معلقون بين الحب ومحظورات الطائفة.

علمانية سطحية

لعنة التفريق بين المذاهب والطوائف قد تحرم قلوب الشباب من إتمام فرحتهم بالزفاف، وحدثت وقائع ومآس كثيرة، وتقول سلمى (34 عاما) التي تنتمي إلى الطائفة الدرزية إنها نشأت في أسرة علمانية، والداها ليسا متدينين وليسا متعصبين طائفيا، ولديها -مثل إخوتها- أصدقاء من مختلف الطوائف.

وأضافت سلمى أنها صدمت عندما عرضت على أسرتها فكرة الزواج من رجل ينتمي إلى الطائفة السنية في لبنان، لم يسألا عن اسمه، أو عن عمله، أو عن أي شيء آخر يتعلق به، كل ما يهم في الأمر أنه لا ينتمي إلى طائفتها.

وذكرت أن الرفض كان نهائيا وكانت الحجة الأقوى لأفراد أسرتها أنهم لا يستطيعون مواجهة المجتمع الذي يعيشون ضمنه بعد هذا الزواج وسيتعرضون للمقاطعة من العائلة الأكبر، فلم يكن أمام سلمى إلا الامتثال لكنها تعتبر أنها خسرت شيئا مهما في حياتها، قد لا تعوضها الحياة عنه، كما تقول.

الزواج بين شاب وفتاة من طائفتين مختلفتين في لبنان أمر غير قابل للتفاوض بالنسبة إلى معظم الأسر اللبنانية، والكثير من هذه الأسر تعتبره “وصمة عار” للعائلة جميعها وقد تبقى شقيقات الفتاة دون زواج لأن “السمعة السيئة” طالتهن بخروج شقيقتهن عن العرف والطائفة.

القيود على الزواج المختلط أكبر من اعتراض الأهل والطائفة إذ لا تعترف التشريعات القانونية في الدول العربية بالزواج المدني

وتتسع الفجوة الاجتماعية في لبنان بين السنة والشيعة كما هي بين الدين المسيحي والدين الإسلامي. ويتسبب الزواج بينهما في الكثير من المشاكل وأحيانا ترفض الأسرتان معا المشاركة في العرس، لكن القيود على الزواج المختلط أكبر من اعتراض الأهل، إذ لا تعترف تشريعات لبنان بالزواج المدني الذي يعقد عادةً في مكتب الأحوال الشخصية، بغض النظر عن طائفة أو مذهب الشاب أو الفتاة. وعادةً ما يكون ثمة توقع بأن ينتمي أحد الشريكين إلى طائفة الآخر أو يعتنق دينه.

وللخروج من هذه المشكلة لاذ اللبنانيون الذين لا يستطيعون أو لا يرغبون في الزواج عن طريق المحاكم الطائفية بالسفر إلى قبرص أو إلى اليونان، فيما يتوجه آخرون إلى بلدان كتركيا وأوكرانيا وروسيا، ثم يعودون إلى لبنان وبحوزتهم أوراق زواجهم.

كما ظهرت “السياحة الزوجية” في جزيرة قبرص، التي تستغرق الرحلة إليها من بيروت نصف ساعة فقط بالطائرة، حيث يتم تعيين الأشخاص لتسهيل إجراءات هذا النوع من الزيجات.

وفور إتمام اللبنانيين لزيجاتهم في قبرص أو في أي بلد آخر في الخارج تعترف السلطات اللبنانية بهذه الزيجات فورا دون أي اعتراض، رغم أن الأمر يتطلب بعض الإجراءات الإدارية البيروقراطية.

ويسري مفعول عقد الزواج في قبرص فور صدور رسالة تأكيدية من السفارة اللبنانية في قبرص وتوجيهها إلى وزارة الخارجية، والتي توجهها إلى وزارة الداخلية وبالتالي يتم تسجيل الزواج رسميا.

وبموجب المادة 25 من المرسوم رقم 60/1936، يتم الاعتراف بهذا الزواج في لبنان، ولكن تحكمه القوانين المدنية في الدولة التي تم فيها هذا الزواج. ويشكل ذلك إزعاجا للقضاة اللبنانيين الذين يتوجب عليهم أن يكونوا على علم ومعرفة بالقوانين المدنية للدولة التي تم فيها الزواج، حتى يتسنى حل أيّ قضية قانونية لاحقا.

وبوجود 18 طائفة دينية معترفا بها فإن القوانين المتعلقة بالزواج والطلاق والتبني ورعاية الأطفال والميراث يتم التعامل معها من خلال محاكم دينية مختلفة تديرها كل طائفة.

تفسيرات مختلفة

ويتلقى الشباب الدروز والسنة والشيعة تفسيرات مختلفة للشريعة الإسلامية، كما تطبق الطوائف المسيحية الأرثوذكسية وغير الأرثوذكسية أشكالاً مختلفة من القانون الكنسي وتنزع معظم هذه القوانين إلى تفضيل حقوق الرجل وتؤكد على القيم الذكورية الأبوية.

ولا تنتج عن أنظمة المحاكم المختلفة تطبيقات للقوانين غير متساوية عندما يعود الأمر إلى الرجال والنساء فقط، وإنما بين النساء اللبنانيات أنفسهن. فعلى سبيل المثال، تسمح المحاكم السنية والشيعية للرجال بتعدد الزوجات بينما لا تسمح القوانين المسيحية والدرزية بذلك. أما الطلاق فهو ممنوع في المحاكم الكاثوليكية بينما هو مسموح به في المحاكم السنية والشيعية والدرزية.

ويشكل هذا الاختلاف عقدة كبيرة للشباب الذين يرغبون في الزواج من شريك ينتمي إلى طائفة أخرى، فغالبا ما تصادف الفتاة المسيحية التي تريد الزواج بشاب مسلم من أي طائفة هجوما كبيرا ليس فقط من أهلها إنما أيضا من صديقاتها وزملاء العمل أو الدراسة في البيئة التي تنتمي إليها، لأن الطوائف الإسلامية تسمح بتعدد الزوجات، وهو أمر مستنكر جدا بالنسبة للطوائف الأخرى وغير مقبول بالنسبة للشباب أيضا.

التوجه الديني بعد ثمانينات القرن الماضي فاقم القيود على الزواج المختلط
التوجه الديني بعد ثمانينات القرن الماضي فاقم القيود على الزواج المختلط

ويقول الشاب مجد سكر (27 عاما) “أعارض الزواج المختلط لأن المشكلات التي سيواجهها الزوجان اجتماعيّا ستزعزع علاقتهم”. وأضاف “المشكلات الاجتماعية التي قد ترافق هذا الزواج ويعاني منها الزوجان والأبناء قد تؤرق العائلة وتزعزع بنيتها، إضافة إلى أنه زواج يخالف تعاليم الدين”.

لكن صديقه أحمد يستنكر هذا الرأي ويتساءل “متى سنخرج من الشرنقة الطائفية ونتخلص من هذا التفكير الذي يقسم مجتمعنا تحت غطاء الدين تارةً وتحت غطاء المذهب تارةً أخرى؟ ألم يحن الوقت لنفكر في وحدة الصف؟ لماذا لا نعارض زواج الشاب المسلم

من فتاة مسيحية أوروبية، ونستهجن زواجه من فتاة مسيحية عربية؟ وإذا افترضنا هنا أن الزواج المختلط دينيا قد يؤدي إلى زعزعة العلاقة بسبب اختلاف البيئات الاجتماعية وطريقة التفكير وبالتالي يؤثر سلبا على تربية الأطفال، فكيف إذن نعتبر الزواج المختلط قوميا وإثنيا وحضاريا وأحيانا دينيا من فتاة أوروبية، ناجحا وطبيعيا؟”.

زواج بشروط

وبين هذا وذاك هناك رأي ثالث يوافق على الزواج المختلط بشرط أن تتوفر الظروف المناسبة، والابتعاد عن البيئة التي يعيش فيها الطرفان بالانتقال إلى مكان آخر يناسبهما ليبدآ حياة جديدة، وبذلك يقدمان تضحية جسيمة للحفاظ على هذا الزواج.

ولا تزال “حركة المجتمع المدني” اللبنانية تكافح من أجل إقرار قانون مدني لا يجعل عقد القران في أيدي القساوسة والشيوخ فحسب. غير أن الأديان في بلد متعدد الطوائف، لا تزال هي المسيطرة. وترى “حركة المجتمع المدني” أن رفض الزيجات بين الأديان أو الطوائف المختلفة وعدم السماح بعقد القران داخل لبنان يعتبران تعديا على حقوق الإنسان الأساسية.

في المقابل هناك نماذج نجحت في كسر التابوهات وشكلت نموذجا مثاليا، وتتحدث الشابة علا، من مدينة حلب السورية عن تجربة زواج والديها المثالية في فترة الثمانينات، ولديها وجهة نظر إيجابية تجاه زواج الأديان، فوالدتها مسلمة شيعية وقد تزوجت رجلًا مسيحيًا في تلك الفترة، ورغم أن والدها اضطر إلى إعلان إسلامه دون الالتزام به بغرض تثبيت الزواج قانونيًا، إلا أنهما تمكنا من التغلب على رفض الأهل الذي تحول إلى تحفظ، ثم ارتياح، ثم تقبل تام في نهاية الأمر.

وتضيف علا، أن المجتمع السوري خلال فترة ثمانينات القرن الماضي كان أقل تشددا في مسألة الزواج بين الطوائف وكان أكثر انفتاحا وتحررا، لكن الالتزام الديني الذي ساد لاحقا، ساهم في تراجع الزواج المختلط بشكل كبير.

وتعتبر علا أن الزواج بين أبناء الطوائف والأديان المختلفة هو ظاهرة موجودة في سوريا، تطفو إلى العلن في حال توفرت البيئة الاجتماعية المساعدة، ودون ذلك تصبح سرية وغير معلنة، مشيرة في الوقت ذاته إلى تباين الطوائف في نظرتها للزواج المختلط ومدى قبولها به.

ويخضع الزواج في سوريا للأحكام المذهبية والدينية حيث توجد سبعة محاكم للزواج: هي المحاكم الشرعية، المحكمة المذهبية الدرزية، المحكمة الأرثوذكسية، محكمة الكاثوليك، محكمة السريان، محكمة الإنجيليين ومحكمة الطائفة الموسوية.

ويدعم الرفض الاجتماعي للزواج المختلط القوانين التي تترك لهذه المحاكم حق قبول الزواج من شخصين أو رفضه.

ويميز قانون الأحوال الشخصية بين امرأة وأخرى لانتمائهما إلى دينين مختلفين، فعلى سبيل المثال لا تستطيع المرأة المسلمة في سوريا الزواج من رجل مسيحي، في حين تستطيع المرأة المسيحية الزواج من رجل مسلم. فيما يحق للمرأة المسلمة أن ترث زوجها المسلم، بينما لا يحق للمسيحية أن ترث زوجها المسلم.

وخلال سنوات الحرب، شهدت بعض المدن التي تحوي خليطا طائفيا من السنة والشيعة والعلويين والمسيحيين، بعض حالات الزواج بين أبناء الطوائف مع ارتفاع عدد النازحين إليها، وبالتالي تراجعت القيود الاجتماعية المرتبطة بالعائلة والحي والمعارف.

وتتوقع منظمات المجتمع المدني أن أعوام التخبط التي تمر بها البلاد، قد تحمل معها تغييرا حتى على مستوى القوانين الناظمة للزواج، لكن ذلك لا يمنع وجود الفئات التي ستستمر في إبداء المقاومة تجاه أي تغيرات، خاصة مع تضخم الفروق الاجتماعية بين السوريين.

19