منع القضاء التركي غلق مدارس غولن.. هزيمة جديدة لأردوغان

وصف مراقبون قرار المحكمة الدستورية التركية بإبطال قانون بإغلاق مدارس تابعة لجماعة فتح الله غولن بالهزيمة الجديدة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، المهددين بفقدان جزء كبير من صلاحياتهما المطلقة وسيطرتهما على مؤسسات الدولة التنظيمية، بالإضافة إلى تأثيرهما على السياسة التركية حول مجموعة واسعة من القضايا الداخلية والخارجية.
الأربعاء 2015/07/15
المحكمة الدستورية التركية توجه ضربة لمساعي أردوغان لتحجيم خصومه

أنقرة – تلقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضربة موجعة جديدة، في صراعه مع جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن، بعد أن أبطلت المحكمة الدستورية تشريعا هاما يطالب بإغلاق آلاف المدارس الإعدادية ذات صلة بفتح الله غولن. وقالت صحيفة “حريت” التركية إن المحكمة رأت أن القانون ينتهك مبدأ حرية التعليم.

واعتبرت المحكمة، بناء على طعن قدمه حزب الشعب الجمهوري وهو أبرز أحزاب المعارضة الاشتراكية الديمقراطية، أن القانون الذي أقره البرلمان في مارس 2014، لإغلاق هذه المؤسسات يتنافى مع الدستور، ويفرض القانون الذي أقره البرلمان بإغلاق هذه المدارس في الأول من سبتمبر 2015.

واعتبر معارضو القانون أنه سيحرم الطلاب الفقراء من دخول الجامعات التي يريدونها، وأنه سيزيد من تأثير الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في نتائج امتحانات الدخول.

ويبلغ عدد هذه المؤسسات التعليمية الخاصة في أنحاء البلاد حوالي 3800 مدرسة، وهي محسوبة على جمعية فتح الله غولن، الحليف السابق للرئيس رجب طيب أردوغان.

وتمثل هذه المدارس التي تجاوزت حدود تركيا، إلى أنحاء مختلفة من أفريقيا والشرق الأوسط والولايات المتحدة وآسيا، مصدرا رئيسيا للدخل وأداة نفوذ قوية خاصة في تركيا، حيث تشكل شبكة من اتصالات النخبة والولاءات الشخصية. وكان أردوغان يطمح إلى قص أجنحة من حليفه السابق وخصمه العتيد حاليا فتح الله غولن.

ويخوض حزب العدالة والتنمية وحركة غولن، المجموعتان الإسلاميتان الأوسع نفوذا في تركيا، حربا مفتوحة في ما بينهما منذ أكثر من عام. تُظهر حركة غولن الإسلامية التي كانت حليفة حزب العدالة والتنمية سابقا، نزعة إلى تجنُّب السياسة الحزبية لمصلحة التأثير الإعلامي والثقافي داخل تركيا، لكنها تحوّلت إلى هدف لخطاب أردوغان وأسلوبه في الحكم اللذين يصنّفان الآخرين على قاعدة “إما معنا وإما ضدنا”.

المفاوضات الجارية مع فصائل المعارضة يمكن أن تضعف من سيطرة الحزب العدالة والتنمية على مؤسسات الدولة التنظيمية

وفي نوفمبر أعلنت الحكومة عزمها إغلاق هذه المعاهد، ما أدى إلى شرخ بين جمعية فتح الله غولن، المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية، من جهة وحكومة حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان من جهة ثانية، بعد أن ظل الطرفان في تحالف لفترة طويلة.

وعلى الرغم من أن أتباع حركة غولن يمثلون ما بين اثنين وثلاثة في المئة من الناخبين الأتراك، إلا أنها تتمتع بسيطرة واسعة في ميادين أخرى، لا سيما في مجال وسائل الإعلام، وعلى رأسها صحيفة “زمان”، الأوسع انتشارا بين الصحف التركية.

كما أن أكثر من ست قنوات تلفزيونية وطنية، فضلا عن مئات المحطات التلفزيونية والإذاعية، وسواها من الصحف والمجلات، إما مملوكة من حركة غولن وإما تابعة لها.

ويقود غولن قوة لوبي عالمية لا نظير لها في السياسة التركية، وذلك من خلال منظمة جامعة بإدارته تتخذ من واشنطن مقرا لها وتملك أكثر من 200 فرع في الولايات المتحدة. وتعمل هذه القوة الناعمة الهائلة على التأثير في الآراء في عدد كبير من العواصم الغربية لدفعها نحو تأييد تغيير النظام في تركيا.

ويتهم أردوغان غولن بأنه كيان مواز للدولة من خلال التغلغل في القضاء والأمن. ومنذ نهاية العام 2013، نفذت السلطات حملة اعتقالات وإقالات لأعضاء في الجهازين القضائي والأمني للاشتباه بأنهم يستهدفون الحكومة بدعم من غولن.

مواجهة سياسية

يقول مراقبون إن قرار المحكمة الدستورية الذي جاء لصالح غولن يتنزّل في إطار المواجهة السياسية المحتدمة الآن، بين حزب العدالة والتنمية وحكومة رجب طيب أردوغان من ناحية وجماعة فتح الله غولن من ناحية ثانية، والمعارضة التركية من جهة ثالثة.

سونر جاغابتاي: أردوغان حول المؤسسات التنظيمية التركية إلى هيئات لفرض الرقابة

ويضيف المراقبون أن وقع قرار المحكمة الذي أغضب أردوغان، مثلما أغضبه، العام الماضي، قرارها رفع الخطر الذي فرضته حكومته على تويتر، سيكون أكبر، بالنظر إلى الإطار العام الذي صدر فيه، بالتزامن مع خسارة أردوغان الانتخابية وتداعياتها على تشكيل الحكومة وأغلبية البرلمان التي كان يسعى إليها لتكريس سلطته وصلاحياتها التي تخوّله محاربة خصومه من موقع قوّة.

وكانت نتيجة انتخابات 7 يونيو الماضي وضعت الرئيس أردوغان وزمرته في وضع خطير، بعد أن بدأت تلوح في الأفق بوادر ارتخاء قبضتهم التي أحكموها على أهم المؤسسات التركية، منذ أن شغل أردوغان منصب رئيس بلدية اسطنبول، خلفا لأستاذه نجم الدين أربكان، في أواخر تسعينات القرن الماضي؛ ثمّ تدعّمت هذه السيطرة أكثر مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة سنة 2002، وبقي فيها الحاكم المطلق إلى غاية انتخابات 7 يونيو 2015.

بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002، سيطر الحزب على نحو متزايد على مختلف الهيئات التي تنظم وسائل الإعلام والإنترنت والجامعات والمحاكم والسلطة القضائية والقطاعين المصرفي والمالي في تركيا.

نفوذ يتراجع

من خلال سيطرته على البرلمان والرئاسة، عيّن الحزب غالبية الأفراد الذين يشكلون هذه الهيئات، واستخدمهم كأدوات للرقابة (في حالة وسائل الإعلام)، والسيطرة السياسية (في حالة الجامعات)، والانتقام من الأعمال غير الودية (في حالة القطاع المالي).

أما الآن، فقد فرضت انتخابات 7 يونيو 2015، واقعا جديدا على حزب العدالة والتنمية يكمن في العمل مع الأحزاب الأخرى لتشكيل حكومة ائتلافية. ويمكن للمفاوضات الجارية مع فصائل المعارضة أن تضعف من سيطرة الحزب العدالة والتنمية على مؤسسات الدولة التنظيمية، بالإضافة إلى تأثيرها على السياسة التركية حول مجموعة واسعة من القضايا الداخلية والخارجية.

ويشير سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إلى أن أردوغان حوّل المؤسسات التنظيمية التركية إلى هيئات لفرض الرقابة والعقوبات على خصومه؛ لذلك من المرجح أن يضغط الرئيس التركي من أجل إجراء انتخابات مبكرة.

ففي ظل غياب أغلبية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان أو مجلس الوزراء، سيضطر أردوغان إلى القبول بتقليص سلطاته تدريجيا بينما تخضع هذه المؤسسات لتغييرات في عضويتها. وفي بعض الوكالات (على سبيل المثال، “المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون”)، يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يفقد هيمنته بشكل تام.
12