منع المنع

منطق الاحتجاج هو منع "المنع" أيا كان، وفتح كل الأبواب على مصراعيها، وإدخال منعدمي المواهب إلى كل المحافل، مصطلح النبوغ نفسه ينبغي تلافيه، ودرء دلالاته ومرادفاته، ونبذه لصالح مدوّنة الهبوط.
الأربعاء 2018/03/14
الأهم هو الثغرة التي قد تشكك في المجد

لا تلتقي النوازع الاحتجاجية والكتابة أو الفن. حين نحتجّ نسعى لمجابهة الآخرين، سلطة ومجتمعا، ممن نتصوّرهم ظالمين، برفضنا، عبر جمل وصور واضحة، تقول ما نعتبره حقا، وما نطلب تحقيقه من عـدالة، الاحتجاج يتـوخى إقناع البسطاء، وحشدهم وراء رغائب العيش، كما يتحرّى المباشرة والإسفاف أحيانا، فالإسفاف بمعناه الدقيق هو تغلغل في قرار القاع، حتى يروق للدهماء، ممن لم يدركوا يوما قيمة الأدب أو الفن، وممن يمكن أن يعرّفوا الرواية بوصفها خيالات لتجزية الوقت، والتشكيل المعاصر باعتباره هلوسات لونية، والسينما بما هي دفق هادر من الدماء والجنس.

لا يتورّع ممتهن الاحتجاج عن تداول النسخ المزوّرة في كل شيء، من الروايات البوليسية إلى أفلام الرعب. كما أن قرصنة المؤلفات عبر الشبكة لا تبدو جريمة في عقيدته التي ترى إلى حقوق التأليف بوصفها امتيازا طبقيا، وحجبا للمعارف.

وتبعا لذلك لا يتردد صاحب هذا العقيدة في دعم كل أشكال الزيغ عن تقاليد الكتابة والقراءة، ومن ثم فأن لا يلتفت النقاد، أو يهاجم بعضهم كتابا ملفقا يتكئ على قضايا تستثير الجدل، يتبدى بما هو نهج قمعي يستوجب التصدي له ومقاومته.

فمنطق الاحتجاج هو منع “المنع” أيا كان، وفتح كل الأبواب على مصراعيها، وإدخال منعدمي المواهب إلى كل المحافل، مصطلح النبوغ نفسه ينبغي تلافيه، ودرء دلالاته ومرادفاته، ونبذه لصالح مدوّنة الهبوط.

لهذا تجد مجتمع الاحتجاج الأدبي الوارد من تربة الحـرمان والكبت والتسلط، متربصا بكل قيمة أدبية أو فنية، لشخص أو لتحفة أو لأثر.

وقد يشكّل مصدر غبطة لا نهاية لها أن تنشر الصحافة أخبارا عن انحراف أخلاقي لروائي حقيقي، أو سحب جائزة من شاعر شهير، أو اتهام أثر فكري ما بالتزييف.

يمكن أن يحتفل المحتجّ بسعادة إذا زعم أحدهم أن كونديرا أخذ أفكار رواياته من كاتب مغمور، أو ادعى مـدع أن طه حسين لم يكن أعمى، أو أن مجلة الكـرمل كانت تتلقّى أموالا من المخابرات الأميركية.

لا تهم في هذا السياق صفاقة الأكذوبة ولا المرارة المرزئة التي قد يتجرعها الآلاف من المتلقين، الأهم هو الثغرة التي قد تشكك في المجد، وتنغصه، وتساويه مع العدم.

يسعى المحتجّ في مجتمع الأدب، لتهشيم التحقق، لأنه يستهدف العيش خارج منطق الرموز، ليس لأنه حاقد على الروائيين والنقاد والمفكرين، لا سمح الله، ولا لأنه يعتبر رفاههم سرقة لقوت يومه، وإنما لأنه يتمثل الهبوط الأدبي بوصفه عدالة، ولأنه معني بتهشيم برج الإبداع الذي تعتصم بدوائره الضيقة قلة محظوظة.

15
مقالات ذات صلة