منع مظاهرات بيغدا ضد المهاجرين يثير مواجهة بين أعضاء الحكومة الألمانية

الثلاثاء 2015/10/27
المظاهرات المستمرة لمؤيدي بيغدا تسببت في إثارة المخاوف لدى الأقلية المسلمة في ألمانيا

برلين ـ تمكنت الحركات المتطرفة في أوروبا بمعية الأحزاب السياسية التي تسندها من اختراق الدوائر السلطوية في بعض دول أوروبا لتسرب شعاراتها ومقولاتها الأيديولوجية داخل تلك الدوائر وتجد الممرات للعبور إلى الرأي العام.

من ذلك نجد حركة بيغدا (أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب) التي تمكنت من التأثير في المحيط السياسي والإعلامي الألماني والأوروبي (سلبا أو إيجابا) وأعادت طرح العديد من الأسئلة التي غادرت دوائر الزمن السياسي الحالي في العالم وعادت إلى حقبة الثلاثينات أيام الفاشية والنازية الأوروبية قبيل الحرب العالمية الثانية.

ولم تكتف الحركة، التي يشار إلى أنها عنصرية لأنها قامت على عداء دين بعينه، بإلقاء أسئلة لم يعد الواقع المعلوم الحالي قادرا على الإجابة عنها، بل تعدت ذلك إلى طرح إشكالات في الحكومات الأوروبية بشكل عام والألمانية بشكل خاص، لتظهر تلك الإشكالات في شكل خلافات حول منع هذه الحركة من التظاهر بدعوى أنها عنصرية، أو الإبقاء عليها بدعوى أن حرية التعبير مضمونة للجميع ما لم تتحول إلى عنف.

فقد أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في العديد من المناسبات أن حركة بيغدا “عنصرية ولا تهدف إلى إيجاد حلول لمشاكل المهاجرين وإدماج المسلمين، وإنما ترفع شعارات للإقصاء وبالتالي وجب منعها من التظاهر”، في الحين الذي قال فيه وزير العدل الألماني هايكو ماس إن “منع حركة بيغدا من التظاهر لن يحل القضية، فالقوانين لا تمنع أحدا من التعبير عما يريد قوله”.

يجب منع بيغدا من التظاهر

قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تصريح صحفي إنها “تدفع في اتجاه استصدار قرار بمنع مظاهرات حركة بيغدا في كامل محافظات ألمانيا”، وعللت ذلك بأن “مثل هذه المظاهرات والمضامين التي تدعو إليها من شأنها زيادة وتيرة العنف في المجتمع والتفرقة بين المواطنين الألمان، فمنهم نسبة كبيرة من المسلمين”.

أنجيلا ميركل: ولدت سنة 1954 وهي سياسية ألمانية وزعيمة الاتحاد الديمقراطي المسيحي وتتولى منذ 22 نوفمبر 2005 منصب المستشار في ألمانيا، وهي أول امرأة تتولى هذا المنصب.

وقالت أنجيلا ميركل إنه لا يجب اتباع هذه الحركة في ما تنادي إليه وعلينا نبذ أفكارها التي تدعو إلى الكراهية وتصدر أحكاما مسبقة، مؤكدة أن مساعدة كل من يسعى إلى ألمانيا كلاجئ أمر مسلّم به.

وصرحت ميركل قائلة “بالرغم من وجود حرية للتظاهر في ألمانيا إلا أنه ينبغي للجميع توخي الحذر من استخدامهم كأداة من قبل أصحاب هذه الحركات مثل حركة بيغدا”، مبرزة أنه لا مكان للتحريض والتشهير بمن يأتي إلينا من بلدان أخرى.

وكانت المستشارة الألمانية قد نددت في منتصف ديسمبر بالمظاهرات التي نظمتها الحركة المناهضة لأسلمة الغرب، معتبرة أنه لا مكان في ألمانيا للتحريض على الكراهية والتشهير.

وأكدت ميركل أنه “توجد وسائل قانونية على الائتلاف الحاكم استغلالها لمنع عودة التطرف والنازية إلى ألمانيا من باب معاداة اللاجئين القادمين أساسا من دول مسلمة تعاني الحروب”، ووجهت انتقادها مباشرة إلى الداعين إلى السماح لبيغدا بالتظاهر بسبب خلو القوانين الألمانية من فصول تمنع حرية التعبير.

وجدير بالذكر أن بيغدا هي الاسم المختصر لـ”تحالف أوروبيين وطنيين ضد أسلمة الغرب”، وقد نظمت الحركة مظاهرات في بعض المدن الألمانية، لاسيما مدينة دريسدن شرقي ألمانيا، منذ أسابيع.

وتسببت المظاهرات المستمرة لمؤيدي بيغدا في ولايات ألمانية، في إثارة المخاوف لدى الأقلية المسلمة هناك، حيث حذر سياسيون وأكاديميون من خطورة تلك الحركة وسعيها إلى تغيير الطابع المنفتح للمجتمع الألماني. وأشار خبراء ألمان ودبلوماسيون إلى أن حركة بيغدا سعت مثل حركات يمينية أخرى عبر التاريخ، إلى استغلال الواقع القائم المتمثل في ملاحقة الإسلاميين المتشددين، فضلا عن التوظيف السلبي لمخاوف الألمان عموما وذلك عبر تحقيق أهدافها المعادية للإسلام والأجانب.

وحذرت المستشارة الألمانية من أفعال حركة بيغدا قائلة “علينا ألا نسمح بالتأليب ضد الأقليات والذي يمكن أن يؤدي إلى العنف”.

وطالبت ميركل في وقت سابق المجتمع المدني والسياسيين في ألمانيا بموقف واضح ضد بيغدا، كما انتقدت الأحزاب السياسية لعدم القيام بدورها في التصدي لهذه الحركة.

توجد وسائل قانونية على الائتلاف الحاكم استغلالها لمنع عودة التطرف والنازية إلى ألمانيا من باب معاداة اللاجئين

وفي معرض ردها على وزير العدل الألماني في حكومتها، هايكو ماس، الذي رفض وضع نقطة البحث في السبل القانونية لمنع بيغدا من التظاهر في أجندة الاجتماعات الحكومية اللاحقة، قالت ميركل أنه “على من لا يريد الاجتهاد في منع عودة العنصرية إلى ألمانيا والحفاظ على صورتها المنفتحة والمتسامحة أن يغير من رأيه ويراجع أفكاره التي أرى أنها لا تتناسب مع طبيعة الوضع الحالي”.

وأكد العديد من المتابعين أن ميركل بهذه اللهجة توجه تحذيرا لوزير العدل في حكومتها وتحضه على استعمال كل صلاحياته في ردع الشعارات العنصرية.

وقالت أنجيلا ميركل في سياق دفاعها عن ضرورة إيقاف بيغدا عن التظاهر ومنعها من التجمع إن “بيغدا أصبحت حركة تمرد يمينية شعبوية ويمينية متطرفة بشكل سافر، وهذا لا يليق بألمانيا التي تعد اقتصادا قويا في العالم ورافعة مهمة من روافع أوروبا وقوة تنتصر للعدل دائما”.

وأشارت إلى أن مساعي الحكومة الألمانية الآن تكمن في علاج ظرفي لواقع المسلمين واللاجئين في ألمانيا الآن وعلى المدى الإستراتيــجي، فألمـــانيا بصدد البحث مع حلفائها عن حلول لمشاكل الدول التي جاء منها اللاجئون كي لا يزيد التدفق أكثر.

لا يمكن منع حركة بيغدا من التظاهر

عارض وزير العدل الألماني هايكو ماس حظر مظاهرات حركة بيغدا المناوئة للإسلام والمهاجرين.

وقال ماس في تصريحات لصحيفة “بيلد” الألمانية الصادرة أمس الإثنين “أتفهم رغبة الكثير من الناس في ذلك الآن، لكن الأمر واضح من الناحية القانونية، فهناك عقبات في حظر التظاهرات وهي عقبات قانونية مرتفعة للغاية”.

هايكو ماس: ولد سنة 1966 وهو سياسي ألماني وقيادي في الحزب الاشتراكي الديمقراطي تولى مناصب وزارية سابقا، أهمها وزير البيئة، وهو يتولى منذ 2013 منصب وزير العدل.

وأشار هايكو ماس إلى أن القوانين الألمانية بنيت أساسا على حماية الحق في التعبير عن كل الآراء والمواقف والسماح بالقيام بتجمعات وتجمهرات لرفع قضايا سياسية سواء كانت محلية تتبع الولاية أو فدرالية تمس بالحريات العامة لكل ألمانيا. وأكد الوزير أن حرية الرأي والتجمهر في ألمانيا “تحمي أيضا الآراء الكريهة”.

وفسر رأيه بأن هذه الكريهة مثل آراء حركة بيغدا، فهي محمية بالقانون لأن الفلسفة التي بني عليها الدستور الاتحادي الألماني تمنع المساس بحرية الرأي مهما كان شكله.

كما أكد الوزير ماس أن حظر أنشطة بيغدا في الشوارع وعدم تمكينها من رخص التظاهر لن يزيد الأمور سوى تعقيد، مضيفا أنه “وحتى الحظر وحده لن يجدي نفعا”، لكنه في الآن ذاته أكد أن كل مجموعة من المواطنين الألمان لها الحق في التعبير عن الآراء التي تريد، “وفي كل الحالات لن تستطيع أي قوة في ألمانيا منع هؤلاء من قول ما يشاؤون”.

ورد وزير العدل على المستشارة أنجيلا ميركل التي صرحت بضرورة البحث عن صيغ قانونية لمنع بيغدا من التظاهر مجددا قائلا “أوافقها في توصيف طبيعة الحركة على أنها عنصرية وأنها لا تتناسب مع فلسفة الدولة الألمانية ما بعد النازية، لكن الأمر من الناحية القانونية يعد مسألة صعبة وتقترب من أن تكون مستحيلة في أن تمنع السلطات تظاهرة مرخصة ولا توجد مداخل قانونية فعلية وجدية لمنع بيغدا من التظاهر”.

وفي سياق دفاعه عن وجهة النظر القانونية، قال وزير العدل الألماني إن هناك حلولا أخرى تقوم وزارته بمباشرتها الآن خاصة في مجال مكافحة نشر شعارات عنصرية في الفضاءات الافتراضية مثل فيسبوك.

وصرح الوزير قائلا “ينبغي ألا يكون هناك مكان للعنصرية ومعاداة الأجانب في مواقع التواصل الاجتماعي، أما في الشوارع فالأمر يخضع لتراتيب أخرى”.

وأكد ماس ضرورة إزالة فيسبوك لأي محتويات عنصرية ومعادية للأجانب، بشكل سريع وآمن، عند تلقيها شكاوى حول المحتويات.

بدورهم، وعد مسؤولو الشركة بإجراءات للتقليل من نشر محتويات تدعو إلى الكراهية في الإنترنت، لافتين إلى أن “المعايير الاجتماعية تحظر خطابات الكراهية ودعوات العنف ضد جماعات محمية قانونيا”. وقال الوزير “قد توقف هذه الإجراءات التظاهرات، لكن كراهية الأفراد ستظل موجودة للأسف، لذلك يتعين أن تكون كراهية بيغدا وتحريضها حافزين لكافة الديمقراطيين للدفاع بصورة أكثر حسما عن مجتمعنا المفتوح”.

أتفهم رغبة العديد من الناس في منع بيغدا من التظاهر لكن هناك عقبات في حظر التظاهرات وهي عقبات قانونية مرتفعة للغاية

وأشار وزير العدل إلى أن المنظومة القانونية الألمانية المتعلقة بحرية التعبير والتظاهر ليست هي المشكلة في علاج التحريض الذي تقوم به حركة بيغدا والمسنودة من المجموعات والأحزاب اليمينية الأخرى، لأن “القانون الألماني في هذا المجال يعد نموذجيا”، وأضاف أن المشكل الرئيسي يكمن في “شعور العنصرية والإقصاء الذي لدى رواد هذه الحركة، وعلى الحكومة والسلطات ولجان البحث أن تقوم باستحداث علاجات لهذا النقص داخل المجتمع الألماني بدل الحديث عن القانون”.

وذكر هايكو ماس أن الأشخاص الذين ينصبون المشانق ويصيحون بشعارات عنصرية ليسوا مواطنين تساورهم مخاوف، بل “أعداء لديمقراطيتنا السمحة”، وأضاف “من يشارك في تلك المظاهرات يتحمل أيضا مسؤولية أخلاقية تجاه الجرائم الناجمة عن هذا التحريض المتطرف”.

حركة بيغدا ترفع من وتيرة حملتها ضد سياسة ميركل المساندة للمهاجرين

قالت تقارير صحفية ألمانية إن حركة بيغدا قامت مؤخرا بحملة على صفحات التواصل الاجتماعي ضد أنجيلا ميركل، وقالت الحركة في حملتها إن “الخيارات السياسية التي تتخذها المستشارة تجاه مسألة اللاجئين والهجرة تهدد الوجود الألماني من أساسه، كما تهدم معالم الثقافة الألمانية التي أضر بها الاتحاد الأوروبي من قبل”.

وقد أكدت العديد من الآراء أن هذه الحملة ليست الأولى من نوعها، وقد سبقتها حملات أخرى أدت إلى تراجع شعبية المستشارة الألمانية وعدد من وزرائها. فقد أظهر استطلاع للرأي، نشرت نتائجه الأحد، تراجع شعبية تكتل المحافظين بزعامة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات في الوقت الذي صعّد فيه حلفاؤها في ولاية بافاريا من انتقادهم لأسلوب تعاملها مع أزمة اللاجئين.

حركة بيغدا تقوم بحملة ضد أنجيلا ميركل وتتسبب في تراجع شعبيتها

وتعتبر ولاية بافاريا من أكثر الولايات الألمانية التي تشهد نشاطا مكثفا لحركة بيغدا، ويعتبر الأمر، حسب مراقبين، طبيعيا في أن تشهد ميركل نزولا حادا في شعبيتها داخل هذه الولاية.

وقال هورست سيهوفر زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي في ولاية بافاريا، التي تمثل نقطة دخول معظم المهاجرين القادمين إلى ألمانيا، “إن وجود الكتلة المحافظة في خطر إذا لم ‘تصحح’ ميركل سياستها المتعلقة باللجوء”.

وأظهر استطلاع معهد “إيمند” تراجع التأييد للمحافظين بزعامة ميركل بنسبة 36 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ سبتمبر 2012.

كما أظهر ارتفاع التأييد لحزب الخضر المعارض بواحد في المئة ليصل إلى عشرة في المئة. وظلت الأحزاب الرئيسية الأخرى دون تغيير مع حصول الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي يتقاسم السلطة مع ميركل على 26 في المئة وحزب البديل من أجل ألمانيا المعارض للهجرة على سبعة في المئة.

وانتقد بعض المحافظين ميركل لفتحها حدود ألمانيا أمام اللاجئين السوريين في خطوة يقولون إنها تحفز مزيدا من المهاجرين على القدوم إلى ألمانيا. ويريد منتقدون ولاسيما في بافاريا فرض قيود على عدد اللاجئين الذين يسمح لهم بدخول البلاد. وتتوقع ألمانيا وصول ما لا يقل عن 800 ألف لاجئ هذا العام وهو ما يمثل نحو واحد في المئة من السكان.

ومع مواجهة المدن الألمانية صعوبة في العناية بأمن المهاجرين والتصدي لهجمات اليمينيين على الملاجئ تبدو فكرة ميركل بأن ألمانيا ستتغلب على هذه المشكلة متفائلة جدا وغير منطقية في نظر ناخبين كثر.

هذا وذكرت الشرطة الألمانية أن حريقا نشب في مبنى يضم نزلا للاجئين في مدينة لامبرتهايم بولاية هيسن الألمانية، ورجحت الشرطة أن يكون الحريق متعمدا، مشيرة إلى أن مجهولين اقتحموا مقر شركة كائنة بالدور الأرضي للمبنى وأحرقوا محتوياته دون وقوع إصابات بشرية بين سكان المبنى البالغ عددهم 49 شخصا.

وقال المتحدث باسم الشرطة إن أعمال إطفاء الحريق استغرقت ساعة تقريبا. وتم نقل اللاجئين إلى نزل آخر، حيث لم يعد المبنى صالحا للإقامة.

12