منفى الكتابة

الثلاثاء 2013/10/01

علاقة المنفى بالكتابة تشكّل عصب الكتابة لدى كثير من الكتّاب الذين ذاقوا مرارة النفي، سواء كان النفي إجباريّاً أو اختياريّاً، ولكلّ منهما طقوسه وتجلّياته. المنفى قد يكون محرّضاً على الكتابة المفعمة بالحنين والشوق إلى الذكريات والأيّام السالفة، كما قد يكون باعثاً على تغيير الأدوات ومقاربة الواقع من وجهة نظر جديدة، ولاسيّما أنّ السفر يوصَف بأنّه غزو للعالم، وقد يكون المنفيّ المسافر غازياً بطريقته واضطراره، ويأتي تالياً التعرّف إلى خبايا عالمه واتّساع دائرة الحدث وزاوية المقاربة والنظر.

المنفى بركان متفجّر، قنبلة موقوتة قد تودي بالمنفيّ، لكنّ الكاتب يجاهد لتحديد توقيت الانفجار ومستواه، دون أن يفلح في القبض على مفاصله كلّها أو التحكّم بجزئيّاته، ما يجعله مجازفاً في لعبة الحياة الخطيرة، والتي يكون القلق والإقلاق الدائمان سمتين متجدّدتين حسب الزمان والمكان.

يعجّ تاريخ الأدب بنصوص كثيرة عن المنفى، اجتهد الكتّاب والأدباء في تحليل ماهيّة المنفى وتشريح واقع النفي والترحال والاغتراب، وكيف أنّ المنفى يظلّ عقوبة متجدّدة، ربّما أقسى من السجن في بعض الأحيان، لأنّ المنفيّ يجد نفسه غريباً منتزعاً من أرضه ومن محيطه الاجتماعيّ، يلقَى به في أرض أخرى، بحيث لا يعوّضه شيء عمّا فقده، ولا يكون التواسي بجمال الطبيعة أو طيبة البشر في المنفى سوى نوع من المهدّئات وبواعث المصابرة وموجبات الاستمرار.

يختار بعض الأدباء المنفى مقاماً ومستراحاً، يمكثون فيه، يبدعون أعمالهم، يستوطنونه، يجدونه أرحم من أوطانهم التي لم تستطع أن تستوعبهم ولا أن تتقبّل رأيهم، إذ سعى المتحكّمون بزمامها إلى لفظهم أو سجنهم أو محاربتهم أو التضييق عليهم بحيث أجبروهم على اختيار النفي على البقاء وسط الحصار المفروض عليهم، والذي عادة ما كان يبلغ درجات خطيرة بحيث يكاد يصبح الأديب تحت خطر التصفية والاغتيال، ويشهد التاريخ، القريب والبعيد، على حالات دفع أصحابها حياتهم ضريبة موقفهم، وربّما ضريبة "حسن ظنّهم" بالقتلة.

يكاد المنفى يشكّل عنصراً هامّاً من عناصر التجربة الأدبيّة ومدماكاً رئيساً في بنية الكثير من الأعمال السرديّة والشعريّة، وبحكم تجدّده عبر العصور، فإنّه لا يني يلهم الأدباء كثيراً من المفارقات التي تبقيهم على الحوافّ الخطيرة المثوّرة؛ حافّة الشوق وحافّة الجنون وحافّة الموت وحافّة الحياة.

إن كان المنفى يعرف اصطلاحاً بأنّه مكان يلمّ اللوذ به أو الدفع إليه والسجن فيه، فإنّ هناك نوعاً مختلفاً له، إذ لا يتقيّد المفهوم بجانبه المكانيّ، بل تراه يتعمّم ليشمل مختلف جوانب الحياة، ولا يظلّ الكاتب أو الإنسان معرّضاً للنفي، بل يجتاح المنفى عالم الإبداع، بحيث قد ينفي الكتابة عن جوهرها والكاتب عن كينونته ومجتمعه.

عرّت الثورات العربيّة الأدباء وغربلتهم، أظهرت أنّ المنفى الحقيقيّ يقاس بقدر الابتعاد عن قضايا الناس ومناصرة القاتل. إذ لاشكّ أنّ الابتعاد عن هموم الناس، ومشاركتهم آلامهم وآمالهم، أحلامهم وأوهامهم، يشكّل منفى الكتابة الأقسى، المنفى الذي يضيّق على الكتابة حتّى يخنقها، ويخرجها عن سياقها، وينزع عنها الهالة المفترضة، ويجرّدها من قيمتها، بحيث تصبح مغتربة عن روح العصر، منهوبة مُستلبة، تعتاش على الفتات، وتخشى الخوض في دوّامات الوجع بغية المشاركة في المعالجة والتشخيص والتنوير.

منفى الكاتب مكانيّ بقدر ما هو روحيّ وشعوريّ، يحيا فيه بانتظار تبدّده، يجاهد للتغلّب عليه، يلجأ إلى الأدب ليفكّك خيوطه القاهرة وينعمببعض من الانتماء، أمّا منفى الكتابة فمدفنها المؤكّد الذي لا مسعف له.

_______________


* روائي من سوريا مقيم في اسطنبول

14