منهاج تربوي مزدوج يعيد حلم استقلال الهوية لأكراد سوريا

الاثنين 2016/02/15
حيرة نفسية منذ التأسيس

دمشق - يردد التلاميذ أثناء وقوفهم بصفوف منتظمة غير أبهين بالهواء البارد وبصوت مرتفع بالكردية “روج باش ماموستا”، أي صباح الخير يا أستاذ، قبل دخولهم القاعات في مدرسة تعتمد منهاجا تربويا مزدوجا في شمال شرق سوريا.

وتقول الطالبة بريفا حسن (ست سنوات)، وهي جالسة إلى جانب زملائها في مدرسة موسى بن نصير في غرب مدينة القامشلي، “أتعلم وأكتب الأبجدية الكردية والقصص وحب الحيوانات والورود”. وتبدي بريفا سعادتها بذلك لا سيما أن والديها لا يعرفان قراءة أو كتابة اللغة التي منعتها الحكومات السورية منذ خمسينات القرن الماضي.

وهذه إحدى المدارس التي بدأت اعتماد منهاج تربوي مزدوج، يضم الكردية إلى جانب مقررات التدريس بالعربية. وفرضت الإدارة الذاتية منذ مطلع السنة الدراسية الحالية المنهاج الكردي إلى جانب المنهاج العربي في المراحل الابتدائية الثلاث الأولى في مدارس محافظة الحسكة، على أن يتم توسيع هذا المنهاج ليشمل الصفوف الأخرى تباعا. ولا تزال الصفوف الأخرى تتبع المنهاج العربي المعتمد من قبل الحكومة السورية.

من جهتها، تقول مدرسة اللغة الكردية جانة موسى (21 عاما) “أتمنى أن يتلقى كل الطلاب الدروس بلغتهم الأم”.

وتصاعد نفوذ الأكراد مع اتساع رقعة النزاع في العام 2012 بعد أن ظلوا لعقود مهمشين مقابل تقلص سلطة النظام في المناطق ذات الغالبية الكردية.

وبعد انسحاب قوات النظام تدريجيا من هذه المناطق محتفظة بمقار حكومية وإدارية وبعض القوات، لا سيما في مدينتي الحسكة والقامشلي، أعلن الأكراد إقامة إدارة ذاتية مؤقتة في ثلاث مناطق هي الجزيرة (الحسكة)، وعفرين (ريف حلب)، وكوباني (عين العرب). وسمّيت هذه المناطق “روج آفا”، أي غرب كردستان بالكردية.

الإدارة الذاتية في الجزيرة أنشأت عشرة معاهد لتهيئة مدرسي اللغة الكردية، وستؤسس أخرى لمدرسي اللغتين العربية والسريانية وفق أسس النظام التعليمي الخاص بها

وبحسب نائبة رئيس هيئة التدريس في الإدارة الذاتية في الجزيرة سميرة حاج علي، بلغ “عدد الطلاب في مدارس الإدارة الذاتية 86082 ألفا، أما عدد مدرسي المنهاجين الكردي والعربي فهو 3830 مدرسا”. وتقول حاج علي إن الهيئة تعمل حاليا على تحضير منهاجين؛ واحد عربي وآخر سرياني للعام المقبل يتناسب مع نظامها التعليمي.

وتوضح أن الإدارة الذاتية في الجزيرة أنشأت عشرة معاهد لتهيئة مدرسي اللغة الكردية، وستؤسس أخرى لمدرسي اللغتين العربية والسريانية وفق أسس النظام التعليمي الخاص بها.

وفي رد فعل على القرار، أغلقت وزارة التربية السورية مدارسها في المنطقة، كما فصلت الأساتذة الذين يدرسون المنهاج الكردي، ما دفع بعضمهم إلى العمل مع الإدارة الذاتية فيما انصاع آخرون لقوانين سوريا وتركوا المدارس التي اعتمدت المنهاج الكردي.

ويقول حسين زيدو (45 عاما)، أحد المدرسين السابقين لمادة الرياضيات في المدارس الحكومية، “عملت في المدارس الابتدائية 11 عاما، وتم إبعادي عن التعليم لأسباب سياسية”. ويضيف “التحقت الآن بمدارس الإدارة الذاتية للتعليم بحسب المنهاج الدراسي بالعربية رغم أن الطلاب أكراد وأتقاضى راتبي من هيئة التربية” التابعة للإدارة الذاتية.

ويدرس العديد من العرب في المدارس التي تعتمد منهاجا كرديا. ورغم أن الأكراد يشكلون أكثر من عشرة في المئة من سكان سوريا، لكنهم عانوا من التهميش على مدى عقود قبل اندلاع النزاع، إذ أن فئة كبيرة منهم محرومة من الجنسية، كما كان يمنع عليهم تعلم لغتهم أو الكتابة بها أو حتى إحياء تقاليدهم مثل احتفالات عيد النوروز.

ويبدي المخرج جميل مراد (44 عاما) الذي تعلم سرا في طفولته الكتابة والقراءة بالكردية، اعتزازه بدراسة ابنه رامان (ثماني سنوات) هذه اللغة من دون خوف.

ويقول خلال مساعدته ابنه على حل وظائفه المدرسية على ضوء شمعة بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء “أكبر إنجاز للإدارة الذاتية لم يكن ربط الجزيرة بكوباني، بل بتعليم عشــرات الآلاف من الأطفال لغتهم الأم”.

واستثنت الادارة الكــــردية الأحــــياء الخاضعة لسيطرة النظام السوري، وسط القامشلي، من قراراتها. ولم يتردد البعض في الاعتراض على هذه الخطوة بنقل أولادهم إلى مدارس حكومية على غرار أمينة برو، معلمة الإنكليزية في إحدى المدارس الرسمية.

وتقول برو “أعمل في مدرسة خاضعة للنظام، لأن المناهج الكردية غير معترف بها والمدرسون لا يملكون القدرات اللازمة”، موضحة في الوقت ذاته أنها تؤيد “تدريس مادة أو مادتين باللغة الكردية ولكن ليس المنهاج بشكل كامل”.

7