منى التلمودي: "نوبة" أعاد تقديمي للجمهور التونسي

شخصية الراقصة في المسلسل التونسي "النوبة" تكرّس صورة جديدة مخالفة لنظرة المجتمع السائدة والدونية لهذه المهنة.
الخميس 2020/06/18
ديو "شيراز" و"رضا داندي" اختزال لتناقضات المجتمع التونسي

منى التلمودي ممثلة تونسية شابة متخرجة من المعهد العالي لفنون الملتيميديا، متحصلة عل الماجستير في الإنتاج والمساعدة على الإخراج، شاركت في العديد من المسرحيات التونسية لثلة من المخرجين الشباب والمخضرمين. إلاّ أن الجمهور العريض عرفها في رمضان المنقضي عبر مسلسل “نوبة 2” حيث جسّدت دور الراقصة “شيراز”. عن الدور ومرجعياته وطموحاتها المستقبلية، كان لـ”العرب” هذا اللقاء معها.

تونس – مكّن الموسم الرمضاني المنقضي عشّاق الدراما التونسية من اكتشاف العديد من المواهب التمثيلية الجديدة على غرار أمير الدريدي والطاهر عيسى بن العربي في “27”، وعزّة السليماني في “أولاد مفيدة 5” وكلثوم حندوس في “قلب الذيب”، وعاصم بن التوهامي ونور ناوي ومنى التلمودي في “نوبة 2” (عشاق الدنيا).

وهذه الأخيرة، أي منى التلمودي، تألقت بشكل لافت في دور الراقصة “شيراز”، حيث قدّمتها في شكل مغاير تماما لما قدّمته في رمضان 2019 في سيتكوم “الهربة” الهزلي عبر شخصية الراقصة “شريفة” المستهترة.

وعن الدور تقول منى التلمودي في حوارها مع “العرب”، “شيراز راقصة الكباريه تكرّس صورة جديدة للراقصة مخالفة لنظرة المجتمع السائدة والدونية لهذه المهنة، فهي تمتهن الرقص كي تعيل أطفالها، شخصية مفعمة بالأحاسيس والمشاعر المتناقضة، فهي من ناحية خفيفة الظل وهي أيضا مليئة بالأوجاع الدفينة، وقد ظهر ذلك جليا عند أدائها للأغنية الحزينة ‘وحش السرا وبروده’. شيراز لديها نوتتها الخاصة، لا تشبه أي شخصية مُقدّمة في المسلسل”.

وعن المرجعيات التي اعتمدتها لبناء شخصية شيراز بكل ذاك الأداء الثرثار في صمت، عبر رقص معبّر مليء بالألم والأمل في الآن ذاته، تقول “سبق لي أن قدّمت دور الراقصة سواء في المسرح أو في التلفزيون، لكن شيراز في نوبة عبدالحميد بوشناق مختلفة تماما. وقد قمت قبل أدائها بمشاهدة العديد من الأفلام العربية لإيجاد مدخل للشخصية، على غرار فيلم ‘خمسة باب’ لنادية الجندي، مع تمارين مكثّفة لأكثر من شهر على الرقص الشرقي، والتركيز أكثر على حركات الراقصات في فترة التسعينات والتي تختلف تماما عن الرقص الشرقي الحالي”.

وانفتح مسلسل “نوبة” في جزئه الثاني على عالم الكباريه الغامض في سنوات التسعينات بتونس، كنوع من المبارزة الفنية بين فنين مختلفين تماما، أوّلهما فن “المزود” الشعبي المستهجن من الطبقات الراقية، أو أبناء الحاضرة (العاصمة) الذين يعتبرونه فن المهمّشين والسجناء وسقط المتاع، والفن الوتري ذو الحظوة على المستويين الإعلامي والمهرجاني.

منى التلمودي: "نوبة" سلّط الضوء على المسكوت عنه في تونس بعيدا عن الثرثرة
منى التلمودي: "نوبة" سلّط الضوء على المسكوت عنه في تونس بعيدا عن الثرثرة

هي معركة رمزية بين شريحتين من المجتمع التونسي الذي تم تقسيمه أيامها لغايات سياسية بين “بلْدية”، أي سكان العاصمة المرفّهين والمثقّفين، والرعاع بكل ما اتّسق فيهم، أو هكذا وسّموهم “البلدية”، بكونهم همجا ومتأخرين عن ركب الحضارة والتمدّن.

وعن هذه المعادلة تقول منى “ما يحسب لنوبة في جزأيه، تسليطه الضوء على المسكوت عنه اجتماعيا وثقافيا وسياسيا في تونس دون الكثير من الغوغائية الخطابية، وهو ما تجلّى بوضوح في تفاعل ‘رضا داندي’ (فتحي الهداوي) الذي يمثّل سكان العاصمة بكل خلفياتهم المتفوّقة على سكّان الأرياف مع أغنية ‘وحش السرا وبروده’ التي تمثّل فن السكان الأقل حظا في تونس”.

وتضيف الفنانة التونسية “وما يحسب لنوبة أيضا، أنه ساهم في إصلاح الذوق العام، و’نظّف’ عين المتفرّج التونسي، التي تعوّدت في العشرية الأخيرة على دراما غريبة عنه لا تشبهه في شيء، لا من قريب ولا من بعيد.. الأمر الذي جعله يطالب طاقم العمل بأجزاء أخرى منه”.

ومع ذلك، لا تجزم منى التلمودي بإمكانية إنجاز جزء ثالث من العمل، وتوضّح “حقيقة لا أدري، إلى حدّ الآن، إن كان عبدالحميد بوشناق ينوي إنجاز جزء ثالث من المسلسل، أم لا.. لكن إن تمّ هذا المشروع، فأنا متأكدة من أن شيراز ستكون مساحتها أكبر، وسيكتشف الجمهور جوانب أخرى من شخصيتها، أقول ربما”.

وعن مساحة دورها في “نوبة 2” التي أجمع النقاد على صغرها مقارنة بما تحمله الشخصية من أفكار ودلالات لم يتمّ الاشتغال عليها بالشكل المطلوب، ومن ثمة تمّ ظلم الشخص، منى التلمودي، والشخصية، شيراز، على حد سواء في عملية المونتاج، تجيب التلمودي “لا أعتقد أن هناك دورا كبيرا وآخر صغيرا، المهم كيفية إيصال الدور ومدى صدقك في الأداء، والحمد لله، تمكنت من ذلك في مشاهد قصيرة. لكنها بقيت عالقة في ذهن المشاهدين والنقاد على حد السواء، وهو ما أسعدني كثيرا”.

وتسترسل “لا أعتقد أنّه تم تقليل مساحة دوري في لعبة المونتاج، أو أنني ظلمت.. لديّ ثقة كبرى في المخرج عبدالحميد بوشناق وهو أدرى بالمسائل التقنية، وأنا أرى أن كلّ ما تقدّم جاء متّسقا مع مسار الأحداث، فليس من المنطقي أن تركّز الكاميرا على شخص واحد في مشهد يشتغل فيه شخصان أو أكثر. في النهاية شيراز شخصية مساعدة على تطوّر الأحداث”.

وانطلقت مسيرة منى التلمودي مع المسرح في عام 2003، ولها في رصيدها العديد من الأعمال المسرحية مع ثلة من المخرجين المخضرمين والشباب على غرار حسام الساحلي ووليد الدغنسي والشاذلي العرفاوي وعماد المي وغازي الزغباني وأنور الشعافي. كما لها مشاركة عربية في مونودراما “انتحار معلن” للمخرج المصري مازن الغرباوي.

ولذلك تقول “المسرح كان ولا يزال شغفي الأبديّ، هو بالنسبة إلي بمثابة العلاج الروحي، حين أتعب.. حين أمرض.. حين أود الهروب من الدنيا ومشكلاتها، ألجأ إلى الخشبة التي أستعيد فيها ذاتي.. فهي السلوى والملاذ”.

وعن مشاريعها المستقبلية، تؤكّد منى التلمودي “سننطلق قريبا في استكمال تصوير مسلسل ‘الحرقة’ للمخرج لسعد الوسلاتي، لتظلّ السينما غايتي في قادم التجارب الفنية، فهي ذاكرة الفنان الحقيقية”.

16